أرشيف المقالات

الفجور يهدي إلى النار

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2الفجور يهدي إلى النار[1]   الفجور هو عنوان للدناءة والخسة، ومزيل لكل محبة، ومبعد عن كل مودة، وفي الجملة هو سبب لهلاك الإنسان في الدين والدنيا.   الفجور لغة: الانبعاث في المعاصي، يقال: فجر الرجل يفجر فجرًا وفجورًا؛ أي: انبعث في المعاصي، وفي الحديث: ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله))، والفجار: جمع فاجر، وهو المنبعث في المعاصي والمحارم.   وفجر فجورًا؛ أي: عصى وخالف، ومنه قوله في الدعاء: "ونخلع ونترك من يفجرك"؛ أي: مَن يعصيك ومن يخالفك، ويقال: أفجر الرجل إذا كذب، وأفجر إذا زنى، وأفجر إذا كفر، وأفجر إذا عصى بفرجه، وأفجر إذا مال عن الحق؛ فأصل الفجور: الميل والعدول، وإنما قيل للكذب: الفجور، وللكاذب: الفاجر؛ لميلِه عن الصدق، وعدوله عنه؛ (انظر: لسان العرب: 5/ 4746)، (التاج: 7/ 338)، (المصباح: 276).   الفجور اصطلاحًا: قال الجرجاني رحمه الله تعالى: "هو هيئة حاصلة للنفس، بها يباشر أمورًا على خلاف الشرع والمروءة"؛ (التعريفات: 171).   • وقال الراغب رحمه الله تعالى: "الفجور: شق ستر الديانة"؛ (المفردات: 273). • وقال الجاحظ رحمه الله تعالى: "الفجور: هو الانهماك في الشهوات، والاستكثار منها، والتوفر على اللذات، والإدمان عليها، وارتكاب الفواحش، والمجاهرة بها، وبالجملة: هو السرف في جميع الشهوات"؛ (تهذيب الأخلاق: 28).   حكم الفجور: الفجور بكل أنواعه: من كفر ومعصية وكذب وزنا وعدول عن الحق: من الكبائر، وقد نهينا ليس فقط عن الفجور، وإنما عن معاملة الفجار، والجلوس معهم؛ قال الإمام العز: "فِراق الفجرة من شيم البررة؛ لأن جليس السوء كنافخ الكير"؛ (شجرة المعارف والأحوال: 287).   • ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم، واعتزل عدوك، واحذر صديقك، إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، وتخشع عند القبور، وذل عند الطاعة، واستعصم عند المعصية، واستشِرِ الذين يخشون الله"؛ (الدر المنثور للسيوطي: 7/ 22).   ذم الفجور: قال تعالى: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ﴾ [ص: 28].   فهذه الآية تبين قبح الفجور، ومنزلة الفجار؛ حيث تمت المقابلة ما بين المتقين والفجار، فعلم أن الفجار على عكس ما عليه الأبرار، وكفى بهذا ذمًّا للفجور والفجار.   وأخرج الترمذي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد عبدالرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبدالرحمن: أتبكي؟ أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: ((لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان))".   • والفجور من خصال المنافقين؛ فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع خلال مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خَصلة منهن، كانت فيه خَصلة من النفاق حتى يَدَعَها)).   جزاء الحلف الفاجر: أ‌- لا يكلمه الله تعالى؛ ففي "صحيح مسلم" من حديث أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّه، والمُنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره)).   ب - يعرض عنه الله يوم القيامة؛ ففي "صحيح مسلم" أيضًا عن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: "جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ((ألك بينة؟))، قال: لا، قال: ((فلك يمينه))، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء، فقال: ((ليس لك منه إلا ذلك))، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما أدبر -: ((أما لئن حلف على مال ليأكله ظلمًا، ليلقين الله وهو عنه مُعرِض)).   ج - يلقى اللهَ وهو عليه غضبان؛ فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف يمين صبر[2] ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]، قال: فدخل الأشعث بن قيس، وقال: ما يحدثكم أبو عبدالرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بينتك أو يمينه))، فقلت: إذن يحلفَ يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، وهو فيها فاجرٌ - لقي اللهَ وهو عليه غضبان)).   وحيث إن التجار أكثرهم مَن يحلف كاذبًا؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عنهم: ((إن التجار يُبعَثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبَرَّ وصدَق)).   والحديث عند الترمذي - بسند حسن - عن رفاعة رضي الله عنه: "أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله، وبَرَّ وصدق)).   العبد الفاجر إذا مات استراح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب؛ فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه: "أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فقال: ((مستريح ومستراح منه))، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال: ((العبد المؤمن يستريح من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب)).   الفجور يهدي إلى النار: قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13، 14].   وعند البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البِر[3]، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدُقُ ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا، وإياكم والكذبَ؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)).   • من أجل ذلك، كان السلف الكرام لا يتكلمون إلا فيما ينفعهم، ويحذرون من الفجور، وكل ما لا يعود عليهم بنفع في دينهم ودنياهم؛ يقول إبراهيم بن زيد التيمي: "المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر، فإن كان كلامه له تكلَّم، وإن كان عليه أمسك عنه، والفاجر إنما لسانه رسلًا رسلًا"؛ (الصمت لابن أبي الدنيا: 247).   وبعد: فهذا آخر ما تيسر جمعه في هذه الرسالة.   نسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن يتقبلها منا بقبول حسن، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينفع بها مؤلفها وقارئها، ومن أعان على إخراجها ونشرها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.   هذا، وما كان فيها من صواب، فمن الله وحده، وما كان من سهو أو خطأ أو نسيان، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بَرَاء، وهذا شأن أي عمل بشري، يعتريه الخطأ والصواب، فإن كان صوابًا، فادعُ لي بالقبول والتوفيق، وإن كان ثَمَّ خطأ، فاستغفر لي. وإن تجِدْ عيبًا فسُدَّ الخللا ♦♦♦ فجَلَّ مَن لا عيبَ فيه وعلا   فاللهم اجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه نصيبًا. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك


[1] نضرة النعيم: 11/ 5219 - 5230، (بتصرف واختصار). [2] يمين صَبْر: هي التي يحبس الحالف نفسه عليها. [3] البِر: اسم جامع للخير كله، وقيل: البر "الجنة".



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١