أرشيف المقالات

المندل

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2في بيتنا كاهن الجزء الأول (المندل)
صرخَتْ قائلةً: لقد ضاع الذَّهَب، وضعتُه بالأمس في غرفتي، فأين ذهب؟ استيقظ زوجها: ما الخبر؟ الكل يبحث، لكنْ لا أثر. قالت في فزع: أحضِر الشيخَ صبحي، يدُلنا على مكان الذَّهَب ومَن الذي سرق، دخل صبحي تدورُ عيناه في أنحاء البيت، تخترق الجدران، ثم قال: أريد فتاةً صغيرة أفتح على يدها (المَنْدَل)، وأريد كوبًا من الماء، بدأ يقرأ، ثم وضع الكوب على يد الفتاة، وطلب منها أن تنظر فيه وتُخبره بما تراه، أخذ يسأل والفتاةُ تجيب، حتى أخبرهم بمكان الذهب، فيا للعجب!   وهكذا يتعلَّق كثيرٌ من الناس بالكهَّان والعرَّافين ليخبروهم عن الأمور المغيبة في المستقبل، ويدلُّوهم على أماكن الأشياء المسروقة أو الضائعة.   والكاهن يستطيع إخبارهم بشيء من ذلك، عن طريق استخدام الجن والشياطين، الذين يَسترِقُون السمع؛ حيث يركب بعضُهم بعضًا حتى يسمعوا الوحي الذي يوحيه الله تعالى في السماء، ثم يُحدِّثون به الكاهن، فيضيف إليه ما يضيفُ من الكذب، ثم يحدِّث به الناسَ، فإذا وقع الشيء مطابقًا لِمَا قال، اغترَّ به الناس وصدَّقوه، ورجَعوا إليه في كل أمورهم.   فالكهَّان والعرَّافون لا يعلمون الغيب؛ وإنما تأتيهم الأخبار من الجن والشياطين؛ قال تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ [الشعراء: 221 - 223]، والجنُّ كذلك لا يعلمون الغيب، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14]، وإنما يَسترِقُون السمع؛ قال تعالى على لسانهم: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴾ [الجن: 8، 9]، والغيب قد اختَصَّ اللهُ عز وجل بعلمه؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النمل: 65].   فالكاهن: هو كل مَن يزعم أنه يعلم الغيب، ويستخدم وسيلةً لخداع الناس؛ مثل أن ينظر في النجوم، أو يخطَّ في الرمل، أو ينظر في الفنجان أو في الكف، وهذه الأمور لا يحصل بها علم الغيب؛ وإنما جاءه العلم عن طريق الجن؛ ولذلك فالكاهن كافرٌ؛ لتكذيبه بالقرآن، ولأنه يدَّعي مشاركة الله عز وجل في صفة من صفاته الخاصة، وهي علم الغيب، ولأنه استخدم الجن والشياطين لتخبرَه بالمغيبات، ولا يحصل ذلك إلا إذا تقرب إليهم بشيء من العبادات، وأطاعهم فيما يأمرونه به من الشرك والكفر، فهو من أوليائهم؛ قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ﴾ [الأنعام: 128]؛ فتستمتع الجنُّ به من جهة ما صرَف لها من العبادة، ويستمتع هو بالجن من جهة ما تخبرُه به من الأمور المغيبة.   ولذلك؛ فلا يجوز للمسلم أن يأتي الكهنةَ والعرَّافين، ولا أن يصدِّقهم فيما يخبرون به، ولا يغتر بهم، حتى وإن كان الواقع موافقًا لِمَا يقولون، وحتى لو تظاهروا بقراءة القرآن لتضليل الناس والتلبيس عليهم.   عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ عن الكهان، فقال: ((ليس بشيء))، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يُحدِّثونا أحيانًا بشيء فيكون حقًّا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تلك الكلمة من الحق، يخطَفُها من الجني، فيَقَرُّها في أذن وليِّه، فيخلطون معها مائة كذبة))[1]   فمَن أتى الكاهن وصدَّقه، واعتقد أنه يعلم الغيب، فهذا كفرٌ أكبر؛ لأنه تكذيب بالقرآن؛ ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [النمل: 65].   ومَن أتاه وصدَّقه، مع اعتقاده أنه لا يعلم الغيب، وإنما تأتيه الأخبار من الجن، فهو كفر أصغر؛ لأنه وسيلةٌ إلى تصديقهم، وفيه تعظيم لقدرهم، وإغراءٌ للناس بهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أتى كاهنًا أو عرَّافا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزِل على محمد))[2].   ومَن أتاه لمجرَّد السؤال ولم يُصدِّقه، فهو كبيرة من كبائر الذنوب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أتى عرَّافا فسأله عن شيء، لم تُقبَل له صلاة أربعين ليلةً))[3].   فينبغي للمسلم أن يتوبَ إلى الله، وأن يفزع إليه عند الحوادث، ويتوكل عليه في النوازل، مع الأخذ بالأسباب المشروعة، وأن يَدَع هذه الأمور الجاهلية، وأن يحفظ دينه وعقيدته، ويحذر من عضب الله وعقابه، فلا يُعرِّض دينه للضياع من أجل أن يجد شيئًا فُقِد منه، فإن أغلى ما يملكه المرء هو الإسلام.   لكلِّ شيءٍ إذا فارقتَه عِوَضٌ *** وليسَ لله إن فارَقْتَ مِن عِوَضِ


[1] صحيح البخاري 5762. [2] أخرجه أحمد والأربعة، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (3047). [3] صحيح مسلم (2230).



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣