أرشيف المقالات

ذكر تناسب أبواب الفقه لسراج الدين البلقيني

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2ذكر تناسب أبواب الفقه لسراج الدين البلقيني   ترتيبُ أبواب الفقه قائمٌ على أساس متين، لُوحِظَ فيه التدرُّج وبناء شيء على شيء، وللعلماء كلامٌ في بيان أسرار هذا الترتيب، ومنهم العلامة سراج الدين البلقيني الشافعي (المتوفى سنة 805هـ)، وقد أورد تلميذُهُ الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852هـ) كلامَهُ في ذلك في ترجمته في كتابه "الـمَجْمع الـمُؤسِّس للمُعجم الـمُفهرس"مُلخصاً مُنقحاً، وزادَ عليه زيادة قليلة. ورأيتُ أنْ أفردَهُ بالنشر مضبوطاً مُفقراً، ليَعلمَ دارسُ الفقه شجرةَ الترتيب الفقهية، ويكون ذلك عوناً له على تصوُّرِ الأحكامِ وفهمِها واستحضارِها[1].
♦ ♦ ♦ ♦   قال الحافظ ابنُ حجر وهو يذكرُ مسموعاته على شيخه السِّراج البلقيني[2]: (ذكرُ تناسب أبواب الفقه التي كان الشيخُ يسردُها، وسمعناها منه مراراً، لخصتُها هنا للفائدة.
قال -رحمه الله-: الصلاةُ هي الركنُ الأولُ بعد الشهادتين، فبُدِئَ بمقدِّماتِها مِنَ الطهارات، وبُدِئَ مِنْ ذلك بالمياه؛ لأنها الأصلُ في التطهيرِ، وذُكِرَتْ أحكامُ الأواني لضرورةِ وضعِ الماءِ في الإناءِ غالباً، ثم الوضوءُ الذي هو الوسيلةُ إلى الصلاة، ثم الاستنجاءُ إشارةً إلى أنه لا يُجْتَنَبُ تقديمُهُ، ثم النواقضُ، فبدأَ بالأصغرِ، ثم الأكبرِ.   ولما كانت الموانِعُ قد تَعرِضُ فَتَمْنَعُ استعمالَ الماءِ ذكَرَ[3] التَيَمُّمَ، والتيمُّمُ بدلٌ عن الوضوء، فناسبَ ذكرُ ما هو بدلٌ عن بعضِ الوضوءِ، وهو المسحُ على الخفينِ. ثم عادَ إلى ذكرِ بقيةِ الحدَثِ الأكبرِ المختصِّ بالنساءِ.   ثم ذكرَ الصلاةَ، وهي المقصودُ الأولُ، فبدأَ بالمواقيتِ لكونِها أسباباً، ثم ذكرَ ما جُعِلَ عَلَماً على دخولِ الوقتِ، وهو الأذانُ. ثم ذكَرَ الشروطَ، فابتدأَ بالاستقبالِ، ثم صفةِ الصلاةِ فَرْضاً وسُنّةً. ثم ذكرَ حُكْمَ السهوِ لكونهِ قد يَعرِضُ، ولما كان سجودُ السهوِ زائداً على الأصلِ ذكرَ ما شاكلَه مِنْ سجودِ التلاوةِ، ثم سجودِ الشكرِ.   ثم ذكرَ رواتبَ الصلاةِ لكونِها توابعَ. ثم ذكرَ كيفيةَ الجماعةِ، وصفاتِ الأئمةِ. ولما كان السفرُ قد يعرِضُ ذكرَ حُكْمَ الصلاةِ فيه مِنْ قَصْرٍ وجَمْعٍ. ثم ذكرَ الجمعةَ لشبهِها بالظهرِ المقصورةِ.   ثم أشارَ إلى أنَّ الصلاةَ لا يَرتفعُ فرضُها عن حاضرِ العقل، فذكرَ حُكْمَ صلاةِ الخوفِ، ولما كانت صلاةُ الخوفِ لا تقعُ إلا في المحاربةِ ذكرَ حُكْمَ ما يلبسُ حينئذٍ مِنْ حريرٍ ونحوهِ. ثم ذكرَ ما يُشْبِهُ الجمعةَ كالعيدينِ، والكسوفينِ، والاستسقاءِ. ثم أعقبَ ذلك بما يُصلّى صلاةً ولا ركوعَ فيها ولا سجودَ فذكرَ صلاةَ الجنازةِ، ولزِمَ مِنْ ذلك أحكامُ الميتِ. ♦ ♦ ♦ ♦   ثم ثنّى بالركنِ الثاني وهو الزكاةُ.
ولما كان الحيوانُ أغلبَ أموالِ العربِ بدأَ بحُكْمِ زكاته، ثم الاختلاطُ فيه يقعُ غالباً، فذكرَ حُكْمَ الخلطةِ. ثم ذكرَ شروطَ الزكاة، وثنّى بزكاةِ النباتِ لكونهِ يلي الحيوانَ غالباً، ثم زكاةِ النقدِ، ثم استطردَ إلى زكاةِ التجارةِ، ثم زكاةِ المعدنِ والرَّكازِ. ثم فرغَ مِنْ زكاةِ المالِ فعقَّبها بزكاةِ البَدَنِ وهي زكاةُ الفطرِ. ولما فرغَ مِنْ حُكْمِ الزكواتِ الواجبةِ ذكرَ المندوبةَ، فذكرَ صدقةَ التطوّعِ. ♦ ♦ ♦ ♦   ثم ذكرَ الركنَ الثالثَ وهو الصيامُ وأحكامُه، وحُكْمَ الاعتكافِ لكونهِ يقعُ غالباً فيه. ♦ ♦ ♦ ♦   ثم الركنَ الرابعَ وهو الحجُّ، ثم العمرةُ، وبدأ بشرطِ وجوبِهما، ثم مواقيتِهما، ثم وجوهِ أدائِهما، ثم كيفيةِ الإحرامِ بهما، ثم صفةِ الحجِّ، ثم صفةِ العُمرةِ، ثم أعقبَ بذكرِ حجِّ الصبيِّ ومَنْ في معناهُ. ثم ذكرَ محرّماتِ الإحرامِ لتُجْتَنبَ. ثم قد يَمنعُ مانعٌ مِنَ الإتمامِ فذكرَ أحكامَ المُحْصَرِ والفَوَاتِ، ثم باقي الموانعِ. وأكملَ ذلك بصفةِ[4] الدماءِ الواجبةِ في الحجِّ والعمرةِ وما يتطوّعُ به مِنْ ذلك. ♦ ♦ ♦ ♦   ثم لما انقضتْ معاملةُ الخالق أردفَها بمعاملةِ الخلائقِ، فبدأَ بــ "أحكامِ البيع" فبدأَ بشروطهِ، وكان منها ما يُحترزُ عنه، فعقدَ بابَ الربا وما نُهِيَ عنه وما يقتضي الفسادَ. ثم أحكامِ الخيار، والمبيعِ قبلَ القبضِ.
وأتبعَهُ التوليةَ، والإشراكَ، والمرابحةَ، إشارةً إلى أنه لابدّ مِنْ وجودِ القبضِ.
ومِنَ الشروطِ أمنُ العاهةِ، فذكرَ بيعَ الأصولِ والثمارِ. ولما كان الإنسانُ قد يَتصرّفُ بنفسهِ وبغيرهِ ذكرَ حُكْمَ بيعِ العبدِ المأذونِ، والبَيِّعانِ قد يتوافقانِ وقد يتخالفانِ فذكرَ الاختلافَ.   ثم البيوعُ قد تقعُ في العَيْن، أو في الذِمَّة، فذكرَ السَّلَمَ، ثم القَرْضَ. ولما وقعَ ذكرُ الرَّهْنِ في السَّلَمِ ذكرَ الرهنَ. ثم قد يُفلسُ المقترِضُ فذكرَ[5] حُكْمَهُ، وفي الفلسِ حَجْرٌ لحقِّ الغريمِ فذكرَ الحَجْرَ، واستطردَ لأحكامهِ. ثم قد تقعُ المصالحةُ، فذكرَ الصلحَ واستطردَ لأحكامهِ. ثم الديونُ قد يستوفيها بغيرهِ فذكرَ الحوالةَ، ثم الضمانَ، ثم الكفالةَ. وقد يتصرَّفُ الإنسانُ بغيرهِ، فذكرَ الشركةَ والوكالةَ. ثم قد يَنتفعُ بالعينِ ويَنتفعُ غيرُه برضاهُ أو بغيرهِ، فذكرَ العاريةَ، ثم الغصبَ، وكان المِلكُ قد يقعُ اختيارياً وقهرياً فذكرَ الشفعةَ.   ثم قد يحصلُ بالعملِ فذكرَ القراضَ، ثم المساقاةَ، ثم المزارعةَ. ثم قد ينتفعُ غيرُ المالك بعِوَضٍ فذكرَ الإجارةَ، ثم الجعالةَ. ثم مِنْ أصنافِ المِلكِ ما أثبتَهُ الشارعُ وأباحَهُ، فذكرَ إحياءَ المواتِ. ثم قد يخرجُ منه إلى غيرهِ بتبرعه[6] فذكرَ الوقفَ، ثم الهبةَ. ثم في المأذونِ في تملُّكهِ ما يتقيّدُ فذكرَ اللقطةَ، وأحكامَ اللقيطِ، ومِنْ جملةِ المِلكِ القهريِّ الميراثُ، فذكرَ الفرائضَ. ثم الميتُ فُسِحَ له في ثلثهِ فذكرَ الوصيةَ، وهي استئمانٌ بعدَ الموتِ، فذكرَ الاستئمانَ في الحياة وهو الوديعةُ. ♦ ♦ ♦ ♦   ولمّا كان جميعُ ما تقدَّمَ مِنْ أصنافِ المِلكِ يُحصِّلُ المؤنَ ذكرَ النّكاحَ الذي يحتاجُ إلى المؤنةِ، وبدأَ بالخصائصِ لكونِ أكثرِ خصائصِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم في النّكاحِ، فذكرَ مقدّماتِ النكاحِ ثم توابعَه، وقدَّمَ المسلمين، ثم المشركين، ثم قد يكونُ هناك ما يفسخُ[7] فذكرَ الخيارَ، ثم اختلافَ الزوجينِ. ولما كان مقصودُ النكاحِ الاستمتاعَ ذكرَ وجوهَهُ، واستطردَ إلى الإعفافِ، وقدَّمَ الأحرارَ، ثم الأرقَّاءَ. ثم النكاحُ قد يقعُ بصَداقٍ وبغيرهِ فذكرَ الصَّداقَ، ثم التفويضَ، ثم المتعةَ. ثم ذكرَ ما يُسنُّ للناكحِ مِنَ الوليمةِ. ثم بعد الدخولِ قد يتشاجرانِ فذكرَ عشرةَ النساء، وفيه القَسْمُ، ثم النشوزُ. ثم قد تحصلُ الفرقةُ بعِوَضٍ وغيرهِ، فذكرَ الخُلعَ، والطلاقَ بأحكامهِ، ثم قد يراجعُ المطلِّقُ فذكرَ الرجعةَ.   ثم قد يمتنعُ الوطءُ: بتعليقٍ فذكرَ الإيلاءَ، ثم الظهارَ. أو بتأبيدٍ فذكرَ اللعانَ، واستطردَ منه إلى أحكامِ القذفِ. ثم الفراقُ يحتاجُ إلى أمدٍ فذكرَ العِدَدَ، واستطردَ إلى عِدَّةِ الوفاةِ، وهذا في الحرائرِ، فاستطردَ إلى الإماءِ بالاستبراءِ، ثم رجَعَ إلى الفراقِ المؤبَّدِ فذكرَ الرَّضاعَ.
ثم الرجعيّةُ تستحقُّ النفقةَ فذكرَ النفقاتِ، ثم الحضانةَ. ♦ ♦ ♦ ♦   ولما كان مَنْ حصلتْ عندَهُ المؤنُ وتزوّجَ قد يحصلُ له بطرٌ فيجني أعقبَ بالجناياتِ، فقدَّمَ الأنفسَ ثم الأبدانَ، وكان المجنيُّ عليه قد يعفو مطلقاً أو على مالٍ فاستطردَ إلى الدِّياتِ، وبيّنَ وجوبَها، ثم كان يحتاجُ إلى الدعوى به فذكرَها، وكان ذلك يختصُّ بالإمامِ فذكرَ أحكامَ الإمامةِ، واستطردَ منه إلى حُكْمِ مَنْ بُغِيَ عليه، ثم استطردَ إلى حُكْمِ المرتدين، وكان القتلُ الشرعيُّ على صفاتٍ فاستطردَ إلى الرَّجمِ، وذكرَ بقيةَ حدِّ الزنا، واستطردَ إلى بقيةِ الحدودِ.
وكان مِنَ الجناياتِ ما هو خطأٌ، فذكرَ أحكامَ الصائلِ، وضمانَ الولاةِ، وإتلافَ البهائمِ. وكان مِنَ الجناياتِ كفرُ الكافرِ فذكرَ أحكامَ الجهادِ، ومنه الهدنةُ، والجزيةُ. ♦ ♦ ♦ ♦   ثم المعاملاتُ قد يقعُ فيها الإنكارُ فذكرَ الأَيْمَانَ، واستطردَ منها إلى النَّذرِ. وذلك يقعُ غالباً عند الحُكّامِ فذكرَ أحكامَ القضاءِ، ثم الشهاداتِ والدعوى والبيّناتِ. ♦ ♦ ♦ ♦   وختمَ كتبَ الفقهِ بالعِتق إشارةً إلى أنَّ بالعتقِ تحصلُ النجاةُ مِنَ النارِ كما أشارَ إليه الرافعيُّ في آخرِ "الـمُحرَّرِ". هذا آخرُ ما لخّصتُهُ مِنْ كلام الشيخ [سراج الدين البلقيني][8] رحمه اللهُ تعالى، وغيّرتُ منه كثيراً، وزدتُ فيه قليلاً)
.


[1] وهناك بعضُ فروقٍ بين المذاهب في ذلك فلتلحظْ. [2] المجمع المؤسس (2 /308 - 311)، تحقيق: د.يوسف عبدالرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت. [3] أي المؤلف في الفقه، ولعله يقصد الإمام. [4] في المطبوع: بالصفة. [5] في المطبوع: فذكره. [6] في المطبوع: ينتزعه، ولعل الصواب: بتبرعه.
أفاد بذلك الشيخ محمد محمود المصطفى المفتي في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي مشكورًا. [7] في المطبوع: يفسح. [8] زيادة مني للتوضيح.



شارك الخبر

المرئيات-١