ابني ماجد منذ نعومة أظفاره ومستواه الدراسي بين الستين والسبعين بالمائة في الصف الرابع كنت أضغط عليه كثيرًا ليتفوق وفي كثير من الأوقات كانت أمه تقارنه بزملائه وإخوته، لدرجة أنه تأزم نفسيًا وبدأ يكلم نفسه كثيرًا، ويبكي وهو نائم، مرَّ المسكين بحالة اكتئاب شديدة، ذهبت به للطبيب، فأعطانا دواء لتقوية الذاكرة، تسبب لاحقًا في تكوين ماء على المخ. ذات يوم أحسست أننا نقود صغيرنا للجنون عندما نريد أن نخلق فيه ما لم يخلقه الله فيه، وكأننا نطلب من حصان أن يركض بسرعة القطار. أحسست أن ابني بدأ يضيع مني، فقررت تغيير طريقتي القاتلة معه، ذهبت لزيارته في المدرسة، وطلبت منه أن يقف بجواري أحطته بذراعي، وقلت لزملائه: هذا ابني ماجد، وأنا أحبه لأنه مجتهد، ومهما كانت درجاته فحبه في قلبي لن يتغير، سأطبق عليه القاعدة التي تقول (على المرء أن يعمل وليس عليه إدراك النجاح) فإن اجتهد وتفوق فهو ابني الحبيب، وإن اجتهد ولم يوفق فسيظل ابني الحبيب أيضًا... في المنزل قال لي ماجد لقد رفعت رأسي اليوم يا أبي، لقد قال لي زميلي الأول على الفصل: (ليت لي أبًا مثل أبيك.. لم يتحسن ماجد كثيرًا من الناحية الدراسية، لكنه هدأ نفسيًا، وهدأت نفوسنا من حوله، وصرنا نقبله كما هو لأن هذه هي قدراته. - هذه القصة التي وصلتني من صديق حركت ذاكرتي نحو الكثير من القصص المشابهة التي صادفتها خلال عملي في التعليم. فأكثر ما كنت أحرص عليه أثناء عملي التعليمي هو رفع الدافعية لدى الطلاب لإيماني الشديد أن ما يميز أمة عن أخرى هو دافعية أبنائها للتعلم.. لكنني في الوقت نفسه كنت مدركًا أن هناك فروقًا واستعدادات فردية بين البشر يجب مراعاتها واحترامها، وعدم الضغط على الأبناء من خلالها حتى لا نفقدهم، فالناس ليسوا سواء في ذكاواتهم، ولا في استعداداتهم العقلية والنفسية حتى وإن تساووا في الجهد المبذول. وهذا أمر يجب على الآباء والمعلمين تفهمه ومراعاته وقبوله. الأبناء رزق من الله، فتقبل رزقك بالرضا والقناعة والشكر أحب ابنك كما هو، واقبله بجميع حالاته وعيوبه مع إقناعه بإصلاحها بحب ورفق وصبر وحكمة.. التضجر الدائم وإدخاله في مقارنات ظالمة لن يدفعاه للتفوق كما تعتقد، بل ربما يدخلانه في أزمات نفسية لا حد لها.. تعامل مع ابنك محدود القدرات الدراسية بمنطق أن يعمل ويجتهد وليس عليه إدراك النجاح، وتذكَّر أن النجاح مفهوم أوسع بكثير من النجاح المدرسي، وأن لكل إنسان قدراته الخاصة فلا تجعل التفوق الدراسي هو المعيار الوحيد للحكم عليه. ليس بالضرورة أن يكون ابنك طبيبًا أو مهندسًا حتى يكون ناجحًا بنظرك، فقد يكون تاجرًا موهوبًا أو رياضيًا ماهرًا أو صاحب فكر خلاق في الصناعة أو الزراعة مجالات النجاح في الحياة كثيرة ومتعددة، فساعدوهم على النجاح فيما يحبون، ولا تخنقوهم بما تحبون أنتم. _________________________________________________ الكاتب: محمد البلادي
ابني ماجد منذ نعومة أظفاره ومستواه الدراسي بين الستين والسبعين بالمائة في الصف الرابع كنت أضغط عليه كثيرًا ليتفوق وفي كثير من الأوقات كانت أمه تقارنه بزملائه وإخوته، لدرجة أنه تأزم نفسيًا وبدأ يكلم نفسه كثيرًا، ويبكي وهو نائم، مرَّ المسكين بحالة اكتئاب شديدة، ذهبت به للطبيب، فأعطانا دواء لتقوية الذاكرة، تسبب لاحقًا في تكوين ماء على المخ. ذات يوم أحسست أننا نقود صغيرنا للجنون عندما نريد أن نخلق فيه ما لم يخلقه الله فيه، وكأننا نطلب من حصان أن يركض بسرعة القطار. أحسست أن ابني بدأ يضيع مني، فقررت تغيير طريقتي القاتلة معه، ذهبت لزيارته في المدرسة، وطلبت منه أن يقف بجواري أحطته بذراعي، وقلت لزملائه: هذا ابني ماجد، وأنا أحبه لأنه مجتهد، ومهما كانت درجاته فحبه في قلبي لن يتغير، سأطبق عليه القاعدة التي تقول (على المرء أن يعمل وليس عليه إدراك النجاح) فإن اجتهد وتفوق فهو ابني الحبيب، وإن اجتهد ولم يوفق فسيظل ابني الحبيب أيضًا... في المنزل قال لي ماجد لقد رفعت رأسي اليوم يا أبي، لقد قال لي زميلي الأول على الفصل: (ليت لي أبًا مثل أبيك.. لم يتحسن ماجد كثيرًا من الناحية الدراسية، لكنه هدأ نفسيًا، وهدأت نفوسنا من حوله، وصرنا نقبله كما هو لأن هذه هي قدراته. - هذه القصة التي وصلتني من صديق حركت ذاكرتي نحو الكثير من القصص المشابهة التي صادفتها خلال عملي في التعليم. فأكثر ما كنت أحرص عليه أثناء عملي التعليمي هو رفع الدافعية لدى الطلاب لإيماني الشديد أن ما يميز أمة عن أخرى هو دافعية أبنائها للتعلم.. لكنني في الوقت نفسه كنت مدركًا أن هناك فروقًا واستعدادات فردية بين البشر يجب مراعاتها واحترامها، وعدم الضغط على الأبناء من خلالها حتى لا نفقدهم، فالناس ليسوا سواء في ذكاواتهم، ولا في استعداداتهم العقلية والنفسية حتى وإن تساووا في الجهد المبذول. وهذا أمر يجب على الآباء والمعلمين تفهمه ومراعاته وقبوله. الأبناء رزق من الله، فتقبل رزقك بالرضا والقناعة والشكر أحب ابنك كما هو، واقبله بجميع حالاته وعيوبه مع إقناعه بإصلاحها بحب ورفق وصبر وحكمة.. التضجر الدائم وإدخاله في مقارنات ظالمة لن يدفعاه للتفوق كما تعتقد، بل ربما يدخلانه في أزمات نفسية لا حد لها.. تعامل مع ابنك محدود القدرات الدراسية بمنطق أن يعمل ويجتهد وليس عليه إدراك النجاح، وتذكَّر أن النجاح مفهوم أوسع بكثير من النجاح المدرسي، وأن لكل إنسان قدراته الخاصة فلا تجعل التفوق الدراسي هو المعيار الوحيد للحكم عليه. ليس بالضرورة أن يكون ابنك طبيبًا أو مهندسًا حتى يكون ناجحًا بنظرك، فقد يكون تاجرًا موهوبًا أو رياضيًا ماهرًا أو صاحب فكر خلاق في الصناعة أو الزراعة مجالات النجاح في الحياة كثيرة ومتعددة، فساعدوهم على النجاح فيما يحبون، ولا تخنقوهم بما تحبون أنتم. _________________________________________________ الكاتب: محمد البلادي