قال محدثي وهو يقص تجاربه في الحج ، لقد جربت الحج الترفي لأكثر من خمس حجج، كنت فيها في أيام منى أحتل لوحدي غرفة تحتوي كل التسهيلات والخدمات التي توجد عادة في فندق جيد، وفي نهار عرفة كنت أحتل خيمة كبيرة تحيط مع زميلاتها بفناء واسع رحيب، وكنت أتنقل بين المشاعر مستخدمًا سيارة خاصة فارهة، ولكني مع ذلك كنت أعاني التعب والإرهاق في أداء المناسك كواجبات مفروضة شاقة وعزائي – من مشقة أدائها – ما أرجومن قبول وثواب. واقترح عليّ صديق عزيز أن أجرب الحج اللاترفي، حج البسطاء من الناس – وهم نسبة كبيرة من الحجاج تقدرهم وزارة الحج بأكثر من الثلث – واعدًا بأني سوف أمر بتجربة فريدة، وفي سائحة من ميل النفس إلى المغامرة، والملل من الروتين استجبت لاقتراح صديقي فاستغنيت عن مظاهر من التكلف كنت أراها مهمة للإعداد لممارسة أعمال الحج، واكتفيت من السكن والطعام بما يكتفي به عادةً البسطاء الذين تخلصوا من رق التكلف، ولم أستعمل في تنقلاتي بين المشاعر غير وسيلة نقل واحدة قدمي اللتين كانت إحداهما – بالصدفة – تعاني من جرح حديث العهد. ودهشت للسهولة واليسر اللذين تمت بهما أعمال الحج وكانت أبعد مسافة بين المشاعر المسافة بين حدود عرفة وحدود مزدلفة، وقد قطعتها بدون كلفة في ساعة وعشر دقائق، وبالرغم من أني أخطونحوالسبعين من سني العمر فلم يخطر ببالي أن أشكومن تعب المشي، إذ كنت وأنا أقطع تلك المسافة أرى عن يميني معوقًا يدفع عربته – عربة المعوقين – بساعديه، وعن يساري عاجزين على كرسي ذي عجلات يدفعهما قريبان أوصديقان لهما، وكانت أمامي سيدة باكستانية تحمل طفلها الرضيع على كتفها وتجر وراءها طفلين أكبرهما في الرابعة من العمر، ولا أظن أن هؤلاء هم كل العجزة بين المشاة اجتمعوا بالصدفة حولي، بل كنت على يقين أن أمثالهم كثيرون بين طوفان البشر المشاة المتخفيين من أحمالهم، أوالحاملين مثلي حقائب الظهر أوالفرش أوخيمة صغيرة كما يفعل حاج يماني طاعن في السن. كان أمرًا مدهشًا أن أحس لأول مرة أن أداء الحج يمكن أن يكون سهلًا ميسرًا لا عنت فيه ولا تعقيد، ولكن أكثر من ذلك أن أجرب أحاسيس ومشاعر جديدة، فقد جربت أن أستمتع حقًا بأداء العبادة، لا لأن العبادة تعطيني فقط الأمل في الثواب، بل لأنها بالإضافة إلى ذلك كانت نفسها مصدر متعة، كنت أشعر بالقرب من أخي الإنسان والتعاطف معه وأتمثل عمليًا معنى “ إنما المؤمنون إخوة “، وأدركت مقاصد للحج من الغريب أني لم أدركها من قبل، ومن هذه المقاصد. ١- رياضة النفس على الصبر والتحرر من عادات الترف والتكلف، وهذا واضح من أن الحج لما فرض – في الإسلام – كان يوجب على الرجل الامتناع عن الطيب وبعض مظاهر الزينة، مكتفيًا بالبسيط من اللباس، ضاحيًا للشمس مدة السفر من ذي الحليفة – ميقات المدينة – إلى مكة المكرمة، وهي عادة عشرة أيام، ويفرض على المرأة التي كان النقاب والقفاز يحميان نضارة ونعومة يدها أن تخلعهما وأن تضحي للشمس كل هذه المسافة سافرة الوجه بارزة للشمس والكلف والغبرة، ممتنعة عن الطيب ومظاهر أخرى للزينة. وقد وصف الحج بأنه (جهاد) لا قتال فيه ووصف الحجاج بإنهم يأتون [رجالًا وعلى كل ضامر ] وإذا كانت الراحلة ضمرت من مشقة السفر ووعثائه فكذلك راكبها. ٢- اجتياز دورة تدريبية في التواضع، فقد حج – أسوتنا – صلى الله عليه وسلم – على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم وقال: «اللهم حجًا مبرورًا لا رياء فيه ولا سمعة». والتواضع ليس فقط قيمة أساسية من قيم الإسلام، بل هو مصدر لتوليد وتطوير وتنمية عدد من القيم الإسلامية الأخرى، ونقيض التواضع الكبر . والآيات القرآنية التي وردت فيها مادة ( كبر) وما اشتق منها تبلغ اثنتين وأربعين آية وكلها تبين أن الكبر سبب الضلال أونتيجته أوسمة الضالين أووصفًا سببيًا لاستحقاق العقاب الدنيوي والأخروي، والمتواضع قادر على تحقيق الوسطية ( سمة الإسلام ) وبالعكس فلا ترى غاليًا أومتطرفًا في أحد الجانبين إلا وفي صدره كبر ما هوببالغه. ٣- وجود فرصة للمسلم لكي يرى الحياة على حقيقتها، فتنكشف له حقائق الحياة كما سوف تتكشف له عند الموت ، فيعلم أن كثيرًا من الأمور التي اعتاد أن يراها مهمة، أوثمينة، ولا يمكن الاستغناء عنها غير مهمة ولا قيمة لها، ويمكن الاستغناء عنها، ويرى الفروق التي أوجدها الناس بين الناس فروق اصطناعية وزائفة. ولا وزن لها في ميزان الله، فإذا أجبرته ظروف الحياة على مراعاة هذه الفروق وانعكست على جوارحه الظاهرة ولم يتأثر به قلبه الذي يبقى شاهدًا على الوحدانية، موقنًا بأن الحياة الدنيا متاع الغرور. قال صاحبي بأن كل ما أتمناه أن يتهم وعاظنا بتوعية الناس بهذه المقاصد، وأمم يأخذ المسؤولون في وزارة الحج في الاعتبار عند تخطيطهم للحج وتنظيمه ورسم إجراءاته تشجيع الحجاج على تحقيق تلك المقاصد، ومن باب أولى أن يتفادوا أي تعويق لذلك. حينما انتهى صاحبي من حديثه تذكرت أنه في أعقاب حج العام الماضي وفي جو التأثر بكارثة الموت الجماعي على جسر الجمرات كتب أحد الصحافيين السعوديين الأفاضل مقالة في ثلاث حلقات ابتدأها بالإشادة والتنويه بإجراءات الرفاهية والراحة التي وفرها منظم الحملة التي كان صحافينا من ضمن حجاجها، ثم خصص سائرها لاقتراح أن تضع الحكومة قيدًا على حج من لا يتوفر فيه حد معين من اللياقة الصحية سواء بسبب المرض أوالسن، مستنكرًا أن يجئ أناس من شتى بقاع الدنيا لكي يموتوا في (بلادنا!!)، وداعيًا إلى إقناع الحكومات الإسلامية بقبول هذا القيد. وفي متابعتي لقراءة الحلقات الثلاث كانت تلح على ذهني صورتان: الأولى: صورة سيدة إفريقية مصابة بالسرطان في مرحلة متقدمة، وكانت تستعين على مقاومة الألم بحقن المورفين وحينما أبلغت المستشفى الذي يعالجها أنها تعتزم الحج وأن ذلك يقتضيها سفرًا لمدة شهرين اهتم المستشفى بإعداد جرعات المورفين الكافية لهذه المدة، وطلب منها أن تراجع المستشفى لكي تتسلم شهادة بأن جرعات المورفين التي تحملها وتستعملها ضرورة دوائية، وفي الموعد المحدد جاءت للمستشفى تعلن أنها لن تأخذ جرعات المورفين التي سوف تحملها ولا حاجة لها في الشهادة ، مبررة ذلم بأنها سوف تسافر إلى بلد مقدس ولن تحتاج معه إلى دواء! وقدمت مع رفقتها فتميزت بأن روحها المعنوية أعلى من أي منهم، وكان ظاهرًا أنها لا تحس بالمعاناة ولم تسمع منها حتى الشكوى التي تعود الحجاج عليها، وكان وجهها يطفح بالسرور وأتمت مناسك الحج كأي حاج عادي يتمتع بالصحة ولا يشكومن المرض، وعادت إلى بلادها لم ترزانا بالموت والدفن في ( بلادنا!!)، هذه قصة واقعية كنت أنا فيها شاهد عيان. الثانية: صورة تكرر دائمًا فلاح أندونيسي يبدأ في شبابه بجمع نفقة الحج ربية فوق ربية مصارعًا الفقر والحاجة، وكلما قرب أمله من التحقق أبعده – مسافات – غول التضخم، وحين بلغ الثمانين من العمر واستطاع أن يجمع نفقة الحج أربعة عشر ألف ريال جاء إلى بيت الله وقد تحقق كل أمله في الحياة، فملأت قبله السعادة وغمره الفرح والسرور، ونال كل ما يطلبه من الدنيا. وكلما ألحت على ذهني هاتان الصورتان ساءلت نفسي هل لدي من قوة الإيمان وصدق اليقين والشوق إلى الكعبة المشرفة ما لدى تلك الحاجة الإفريقية أوذاك الحاج الأندونيسي! وهل لي الحق دونهما في الوصول ألى بيت الله؟ وتساءلت أي درجة من الانسجام مع القيم الإنسانية والشرعية يقع اقتراح حرمان مثل هذين الحاجين من الوصول إلى بيت الله بحجة إشفاقنا من أن يزاحم الأجانب المواطنين في مقابرهم، مع أن كل الموتى – مواطنين وأجانب – سوف يتحولون إلى تراب فتزيد بهم الأرض ولا تنقص. أما عن الارتباط بين اللياقة الصحية وحوادث الموت في الحج فلا يوجد حسب علمي مؤشر إحصائي أومقياس موضوعي يثبت أن عدم اللياقة الصحية كانت عاملًا أساسيًا بل ولا عاملًا مساعدًا في حدوث الموت في كارثة الجمرات أوالموت المعتاد بسبب الزحام، بل من له خبرة بالحج وسلوالحجاج في أداء المناسك يدرك أن السبب يرجع دائمًا إلى سلوك الإنسان. وبعد هذا فإن رغبة المسلم من أقصى الشرق أوالغرب أن يموت في مكة أوالمدينة هي نتيجة لعاطفة إيمانية لها شاهد مما ورد في الأحاديث من الوعد الجميل لمن مات في مكة أوالمدينة، فهي عاطفة جديرة منا بالاحترام لا بالاستنكار. وبعد هذا كله فإن علاقة المواطن السعودي بالرياض أوبأبها أوينبع أوالدمام مثل علاقة المواطن المصري بالقاهرة أوالإسكندرية أوأسيوط أوطنطا قد يكون من الطبيعي أومن المحتمل أن تتأثر بالأنانية القومية أو الشح الذي أحضرته الأنفس. أما علاقة المواطن السعودي بمكة حيث بيت الله الحرام فيجب أن تتشكل بمراعاة إعلان القرآن:[المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد] والنص صريح في أن سعوديًا صالحًا عابدًا لله في المسجد الحرام يعد من جدوده أجيالًا تمتد إقامتهم في مكة ألفي سنة هذا السعودي حقه في الوصول إلى البيت المعظم والعبادة فيه يتساوى تمامًا مع حق فلاح أندونيسي من أيريان الغربية في الشرق أوراع أفريقي من غينيا بيساوفي الغرب. أما الأمر الآخر الذي حمل همه الكاتب الفاضل وهوإقناع الحكومات الإسلامية بقبول القيد المقترح فخطره يسير. إذ المشاهد أن بعض الحكومات تضع من القيود والأعباء على سفر مواطنيها للمملكة للحج والعمرة ما لا تضع مثله على سفر مواطنيها إلى بلد آخر. وهي دائمًا قادره على تبرير قيودها بالاعتبارات الإنسانية والمصلحة العامة وسياسة الاقتصاد الوطني، فمثل القيد المقترح سيلقى من مثل هذه الحكومات الترحيب دون حاجة إلى بذل أي جهد للإقناع.
قال محدثي وهو يقص تجاربه في الحج ، لقد جربت الحج الترفي لأكثر من خمس حجج، كنت فيها في أيام منى أحتل لوحدي غرفة تحتوي كل التسهيلات والخدمات التي توجد عادة في فندق جيد، وفي نهار عرفة كنت أحتل خيمة كبيرة تحيط مع زميلاتها بفناء واسع رحيب، وكنت أتنقل بين المشاعر مستخدمًا سيارة خاصة فارهة، ولكني مع ذلك كنت أعاني التعب والإرهاق في أداء المناسك كواجبات مفروضة شاقة وعزائي – من مشقة أدائها – ما أرجومن قبول وثواب. واقترح عليّ صديق عزيز أن أجرب الحج اللاترفي، حج البسطاء من الناس – وهم نسبة كبيرة من الحجاج تقدرهم وزارة الحج بأكثر من الثلث – واعدًا بأني سوف أمر بتجربة فريدة، وفي سائحة من ميل النفس إلى المغامرة، والملل من الروتين استجبت لاقتراح صديقي فاستغنيت عن مظاهر من التكلف كنت أراها مهمة للإعداد لممارسة أعمال الحج، واكتفيت من السكن والطعام بما يكتفي به عادةً البسطاء الذين تخلصوا من رق التكلف، ولم أستعمل في تنقلاتي بين المشاعر غير وسيلة نقل واحدة قدمي اللتين كانت إحداهما – بالصدفة – تعاني من جرح حديث العهد. ودهشت للسهولة واليسر اللذين تمت بهما أعمال الحج وكانت أبعد مسافة بين المشاعر المسافة بين حدود عرفة وحدود مزدلفة، وقد قطعتها بدون كلفة في ساعة وعشر دقائق، وبالرغم من أني أخطونحوالسبعين من سني العمر فلم يخطر ببالي أن أشكومن تعب المشي، إذ كنت وأنا أقطع تلك المسافة أرى عن يميني معوقًا يدفع عربته – عربة المعوقين – بساعديه، وعن يساري عاجزين على كرسي ذي عجلات يدفعهما قريبان أوصديقان لهما، وكانت أمامي سيدة باكستانية تحمل طفلها الرضيع على كتفها وتجر وراءها طفلين أكبرهما في الرابعة من العمر، ولا أظن أن هؤلاء هم كل العجزة بين المشاة اجتمعوا بالصدفة حولي، بل كنت على يقين أن أمثالهم كثيرون بين طوفان البشر المشاة المتخفيين من أحمالهم، أوالحاملين مثلي حقائب الظهر أوالفرش أوخيمة صغيرة كما يفعل حاج يماني طاعن في السن. كان أمرًا مدهشًا أن أحس لأول مرة أن أداء الحج يمكن أن يكون سهلًا ميسرًا لا عنت فيه ولا تعقيد، ولكن أكثر من ذلك أن أجرب أحاسيس ومشاعر جديدة، فقد جربت أن أستمتع حقًا بأداء العبادة، لا لأن العبادة تعطيني فقط الأمل في الثواب، بل لأنها بالإضافة إلى ذلك كانت نفسها مصدر متعة، كنت أشعر بالقرب من أخي الإنسان والتعاطف معه وأتمثل عمليًا معنى “ إنما المؤمنون إخوة “، وأدركت مقاصد للحج من الغريب أني لم أدركها من قبل، ومن هذه المقاصد. ١- رياضة النفس على الصبر والتحرر من عادات الترف والتكلف، وهذا واضح من أن الحج لما فرض – في الإسلام – كان يوجب على الرجل الامتناع عن الطيب وبعض مظاهر الزينة، مكتفيًا بالبسيط من اللباس، ضاحيًا للشمس مدة السفر من ذي الحليفة – ميقات المدينة – إلى مكة المكرمة، وهي عادة عشرة أيام، ويفرض على المرأة التي كان النقاب والقفاز يحميان نضارة ونعومة يدها أن تخلعهما وأن تضحي للشمس كل هذه المسافة سافرة الوجه بارزة للشمس والكلف والغبرة، ممتنعة عن الطيب ومظاهر أخرى للزينة. وقد وصف الحج بأنه (جهاد) لا قتال فيه ووصف الحجاج بإنهم يأتون [رجالًا وعلى كل ضامر ] وإذا كانت الراحلة ضمرت من مشقة السفر ووعثائه فكذلك راكبها. ٢- اجتياز دورة تدريبية في التواضع، فقد حج – أسوتنا – صلى الله عليه وسلم – على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم وقال: « اللهم حجًا مبرورًا لا رياء فيه ولا سمعة ». والتواضع ليس فقط قيمة أساسية من قيم الإسلام، بل هو مصدر لتوليد وتطوير وتنمية عدد من القيم الإسلامية الأخرى، ونقيض التواضع الكبر . والآيات القرآنية التي وردت فيها مادة ( كبر) وما اشتق منها تبلغ اثنتين وأربعين آية وكلها تبين أن الكبر سبب الضلال أونتيجته أوسمة الضالين أووصفًا سببيًا لاستحقاق العقاب الدنيوي والأخروي، والمتواضع قادر على تحقيق الوسطية ( سمة الإسلام ) وبالعكس فلا ترى غاليًا أومتطرفًا في أحد الجانبين إلا وفي صدره كبر ما هوببالغه. ٣- وجود فرصة للمسلم لكي يرى الحياة على حقيقتها، فتنكشف له حقائق الحياة كما سوف تتكشف له عند الموت ، فيعلم أن كثيرًا من الأمور التي اعتاد أن يراها مهمة، أوثمينة، ولا يمكن الاستغناء عنها غير مهمة ولا قيمة لها، ويمكن الاستغناء عنها، ويرى الفروق التي أوجدها الناس بين الناس فروق اصطناعية وزائفة. ولا وزن لها في ميزان الله، فإذا أجبرته ظروف الحياة على مراعاة هذه الفروق وانعكست على جوارحه الظاهرة ولم يتأثر به قلبه الذي يبقى شاهدًا على الوحدانية، موقنًا بأن الحياة الدنيا متاع الغرور. قال صاحبي بأن كل ما أتمناه أن يتهم وعاظنا بتوعية الناس بهذه المقاصد، وأمم يأخذ المسؤولون في وزارة الحج في الاعتبار عند تخطيطهم للحج وتنظيمه ورسم إجراءاته تشجيع الحجاج على تحقيق تلك المقاصد، ومن باب أولى أن يتفادوا أي تعويق لذلك. حينما انتهى صاحبي من حديثه تذكرت أنه في أعقاب حج العام الماضي وفي جو التأثر بكارثة الموت الجماعي على جسر الجمرات كتب أحد الصحافيين السعوديين الأفاضل مقالة في ثلاث حلقات ابتدأها بالإشادة والتنويه بإجراءات الرفاهية والراحة التي وفرها منظم الحملة التي كان صحافينا من ضمن حجاجها، ثم خصص سائرها لاقتراح أن تضع الحكومة قيدًا على حج من لا يتوفر فيه حد معين من اللياقة الصحية سواء بسبب المرض أوالسن، مستنكرًا أن يجئ أناس من شتى بقاع الدنيا لكي يموتوا في (بلادنا!!)، وداعيًا إلى إقناع الحكومات الإسلامية بقبول هذا القيد. وفي متابعتي لقراءة الحلقات الثلاث كانت تلح على ذهني صورتان: الأولى: صورة سيدة إفريقية مصابة بالسرطان في مرحلة متقدمة، وكانت تستعين على مقاومة الألم بحقن المورفين وحينما أبلغت المستشفى الذي يعالجها أنها تعتزم الحج وأن ذلك يقتضيها سفرًا لمدة شهرين اهتم المستشفى بإعداد جرعات المورفين الكافية لهذه المدة، وطلب منها أن تراجع المستشفى لكي تتسلم شهادة بأن جرعات المورفين التي تحملها وتستعملها ضرورة دوائية، وفي الموعد المحدد جاءت للمستشفى تعلن أنها لن تأخذ جرعات المورفين التي سوف تحملها ولا حاجة لها في الشهادة ، مبررة ذلم بأنها سوف تسافر إلى بلد مقدس ولن تحتاج معه إلى دواء! وقدمت مع رفقتها فتميزت بأن روحها المعنوية أعلى من أي منهم، وكان ظاهرًا أنها لا تحس بالمعاناة ولم تسمع منها حتى الشكوى التي تعود الحجاج عليها، وكان وجهها يطفح بالسرور وأتمت مناسك الحج كأي حاج عادي يتمتع بالصحة ولا يشكومن المرض، وعادت إلى بلادها لم ترزانا بالموت والدفن في ( بلادنا!!)، هذه قصة واقعية كنت أنا فيها شاهد عيان. الثانية: صورة تكرر دائمًا فلاح أندونيسي يبدأ في شبابه بجمع نفقة الحج ربية فوق ربية مصارعًا الفقر والحاجة، وكلما قرب أمله من التحقق أبعده – مسافات – غول التضخم، وحين بلغ الثمانين من العمر واستطاع أن يجمع نفقة الحج أربعة عشر ألف ريال جاء إلى بيت الله وقد تحقق كل أمله في الحياة، فملأت قبله السعادة وغمره الفرح والسرور، ونال كل ما يطلبه من الدنيا. وكلما ألحت على ذهني هاتان الصورتان ساءلت نفسي هل لدي من قوة الإيمان وصدق اليقين والشوق إلى الكعبة المشرفة ما لدى تلك الحاجة الإفريقية أوذاك الحاج الأندونيسي! وهل لي الحق دونهما في الوصول ألى بيت الله؟ وتساءلت أي درجة من الانسجام مع القيم الإنسانية والشرعية يقع اقتراح حرمان مثل هذين الحاجين من الوصول إلى بيت الله بحجة إشفاقنا من أن يزاحم الأجانب المواطنين في مقابرهم، مع أن كل الموتى – مواطنين وأجانب – سوف يتحولون إلى تراب فتزيد بهم الأرض ولا تنقص. أما عن الارتباط بين اللياقة الصحية وحوادث الموت في الحج فلا يوجد حسب علمي مؤشر إحصائي أومقياس موضوعي يثبت أن عدم اللياقة الصحية كانت عاملًا أساسيًا بل ولا عاملًا مساعدًا في حدوث الموت في كارثة الجمرات أوالموت المعتاد بسبب الزحام، بل من له خبرة بالحج وسلوالحجاج في أداء المناسك يدرك أن السبب يرجع دائمًا إلى سلوك الإنسان. وبعد هذا فإن رغبة المسلم من أقصى الشرق أوالغرب أن يموت في مكة أوالمدينة هي نتيجة لعاطفة إيمانية لها شاهد مما ورد في الأحاديث من الوعد الجميل لمن مات في مكة أوالمدينة، فهي عاطفة جديرة منا بالاحترام لا بالاستنكار. وبعد هذا كله فإن علاقة المواطن السعودي بالرياض أوبأبها أوينبع أوالدمام مثل علاقة المواطن المصري بالقاهرة أوالإسكندرية أوأسيوط أوطنطا قد يكون من الطبيعي أومن المحتمل أن تتأثر بالأنانية القومية أو الشح الذي أحضرته الأنفس. أما علاقة المواطن السعودي بمكة حيث بيت الله الحرام فيجب أن تتشكل بمراعاة إعلان القرآن:[المسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد] والنص صريح في أن سعوديًا صالحًا عابدًا لله في المسجد الحرام يعد من جدوده أجيالًا تمتد إقامتهم في مكة ألفي سنة هذا السعودي حقه في الوصول إلى البيت المعظم والعبادة فيه يتساوى تمامًا مع حق فلاح أندونيسي من أيريان الغربية في الشرق أوراع أفريقي من غينيا بيساوفي الغرب. أما الأمر الآخر الذي حمل همه الكاتب الفاضل وهوإقناع الحكومات الإسلامية بقبول القيد المقترح فخطره يسير. إذ المشاهد أن بعض الحكومات تضع من القيود والأعباء على سفر مواطنيها للمملكة للحج والعمرة ما لا تضع مثله على سفر مواطنيها إلى بلد آخر. وهي دائمًا قادره على تبرير قيودها بالاعتبارات الإنسانية والمصلحة العامة وسياسة الاقتصاد الوطني، فمثل القيد المقترح سيلقى من مثل هذه الحكومات الترحيب دون حاجة إلى بذل أي جهد للإقناع.