عندما فتح القرآن وبدأ يقرأ صدمته آية، يقول بروفيسور الرياضيات الذي كان ملحدًا وقتها: ( أحسست برعشة تنتابني عندما قرأت هذه الآية، أخذت أفكر في نفسي: هل أنت تخاطبني؟! ... تولد لدي شعور غريب بأن القرآن كان يخاطبني فعلًا !! ). ما هذه الآية؟ ولماذا أحدثت لديه تلك الرعشة والشعور الغريب؟
أسئلة الإنسان وإجابات القرآن ! هذا ما سنتعرف عليه – إن شاء الله - في هذا المقال وما يليه في صحبة " بروفيسور" رياضيات أمريكي كان ملحدًا منذ مراهقته حتى شرح الله قلبه للإسلام، وقد كتب تجربته مع القرآن بطريقة مشوقة ومثيرة، مسجلًا تفاصيل رائعة عندما كان يطرح على القرآن أسئلته المشكلة عن الخالق ومعنى الحياة ووجود الشر في العالم، تلك الأسئلة التي قادته إلى الإلحاد، ثم يسجل بروعة وذكاء كيف عثر على الإجابات عنها بعد تدبره المعمق في آيات الكتاب الكريم.
جاذبية الإسلام لا تقاوم ! لقد دُهش د. مراد هوفمان من كتابات صاحبنا، وهوفمان لمن لا يعرفه مسؤول ألماني مرموق شغل عدة مناصب دبلوماسية في الحكومة الألمانية، وأعلن إسلامه في الثمانينيات من القرن العشرين، وقد كتب مقدمة أحد كتب صاحبنا بهذه العبارات المؤثرة: (كم دهشت عندما أدركت أن هذا الكتاب ذو مغزى عظيم جدًا، وقد كتب بشكل رائع على غير ما يتوقعه المرء من مدرس رياضيات وبعد بحث وتفكير دقيقين. لقد كان الكتاب وصفًا مفعمًا بالحيوية للطريقة التي شعر بها " جيفري لانغ "، وهو يصطرع من الداخل بالانجذاب بلا مقاومة إلى الإسلام ). ما أجمله من وصف: " جاذبية الإسلام لا تقاوم "، وقد كتب المستشرق الفرنسي الماركسي (مكسيم رودنسون ) كتابًا بعنوان: (جاذبية الإسلام) متحدثًا فيه عن الأشياء التي تجعل الإسلام جذابًا في العقول والنفوس، والمحزن حقًا أن كثيرًا من أبناء المسلمين أصيبوا اليوم ببلادة، فلا يشعرون بهذه الجاذبية في دينهم، ولا يحاولون أن يعيدوا اكتشاف روعة دينهم !
جدّدوا إيمانكم ! لنبدأ في محطات هذه الرحلة الممتعة، ولنتأمل هذه " الرحلة القرآنية "، لقد كتب البروفيسور المسلم الأمريكي " جيفري لانغ " ثلاثة كتب مهمة، حكى فيها كثيرًا من تجربته الفكرية مع القرآن، وهي: " الصراع من أجل الإيمان - انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام " ترجمة د. منذر العبسي. ثم كتاب " حتى الملائكة تسأل - رحلة إلى الإسلام في أمريكا " ترجمة منذر العبسي. ثم أصدر كتابه " ضياع ديني - صرخة المسلمين في الغرب " ترجمة إبراهيم يحيى الشهابي. وقد قرأت هذه الكتب وحاولت أن أوصل إليكم بعضًا من " حرارة الإيمان " التي فيها، كما أنه قد راق لي أن أنقل لكم التجربة الفكرية لهذا الأستاذ الجامعي في كيفية عثوره على إجابات القرآن عن أسئلته الوجودية ومشكلاته الفلسفية العميقة في الحياة. وما أحوجنا إلى أن نجدد إيماننا بالتواصل مع المسلمين الجدد، فلديهم ما يبعث " الطاقة " المحركة في قلوبنا التي تحتاج إلى وهج الإيمان لتعود إليها قوة الحياة المؤمنة بكل عنفوانها وحيويتها .
قصته باختصار ! يقول " جيفري لا نغ " كثيرًا ما يسألني الناس عن إسلامي، لذلك كنت أشرح الأمر في نصف ساعة، ولأن السؤال يتكرر كانت إجابتي تزداد قصرًا في كل مرة أسأل هذا السؤال، لقد لخصت قصتي في هذه الكلمات: ( ولدت مسيحيًا، ثم إني في الثامنة عشرة من عمري أصبحت ملحدًا بسبب الاعتراضات العقلانية على فكرة الله في المسيحية، بقيت ملحدًا لمدة عشر سنوات تالية، قرأت تفسيرًا للقرآن <أي ترجمة القرآن > في سن الثامنة والعشرين، فوجدت فيه إجابات متماسكة ومنطقية لأسئلتي. هذا الأمر دفعني للإيمان بالله عن طريق الإسلام من خلال قراءتي للقرآن، وهكذا أصبحت مسلمًا )( حتى الملائكة تسأل ص 272 ).
لماذا شكّ في وجود الله؟ لكن كيف استسلم للشك في وجود الله في سن مبكرة؟ يقول د. جيفري لانغ: ( نحن لا نختار ذكرياتنا، بل تنساب إلى عقولنا، وتملأ اللحظات الخالية من التفكير ) ويا لها من عبارة عميقة صادقة فكثيرًا ما تحتل ذكرياتنا السيئة مراكز التفكير المنطقي وتعطلها. وقد حاول أن يتذكر في كتابه ( ضياع ديني ص 30 – 34 ) قصة إلحاده وسببها، وهي مهمة جدًا لمعرفة نفسيات بعض الملحدين وسبب شكهم في وجود الله، وسأقوم بتلخيصها كما رواها هو: نشأتُ في مدينة صاخبة عنيفة، في بيت لا يقل عنها صخبًا وعنفًا، كان والدي على الدوام متوحشًا مدمرًا، يحاول أن يكبت غضبه كل ليلة بشرب مفرط للخمر، وإدمانه على الخمر، جعله أكثر تقلبًا وأسرع إثارة... عشت وإخوتي الأربعة طفولة قلقة يسودها الرعب، وأسوأ ما كان في حياتنا رؤية والدي وهو يوبخ أمي بطريقة ساخرة مهينة ويهددها... إن الخوف الذي يتولد لديك وأنت ترى والدك يعنف أمك ويضربها يختلف تمامًا عن أي خوف آخر ؛ لأنها هي المنبع الوحيد للطف والحنان والحب والحماية، أمي كانت هي الشخص الوحيد الذي أستطيع محبته، كانت أقرب أصدقائي إلي، حاميتي، وبطلي الوحيد، كانت كاثوليكية عميقة الإيمان، ممرضة متفرغة، وقفت حياتها للآخرين، يحبها الجيران كلهم، وكانت أكثر من عرفت إحسانًا وعطاء. إن أقسى إثم على الإطلاق إدراكك أنك لا تستطيع فعل شيء لمنع والدك من إيذاء أمك، وحرصًا على سلامتك تختبئ في فراشك عندما يصب أبوك جام غضبه على أمك، وبذلك تكون قد استبدلت بسلامتك الشخصية احترامك لنفسك، إنك تعاني مع حادثة كهذه، بل تدرك بوضوح أكبر مدى ضعفك وعجزك وتفاهتك وجبنك، إن كرهًا ينمو ويفرخ في ذاتك ليس فقط تجاه الرجل الذي نسميه " أبًا "، بل تجاه نفسك أيضًا، إذ من المريع جدا أن تضع شخصًا ما في الخيار بين نفسه وبين أمه... عندما كنت صغيرًا كنت أحلم بحياة ليست فيها والدي، كنت أريد أن يختفي العنف، كنت أريد أن أتخلص من الخوف، كنت أشعر أني وقعت في شرك حلم مزعج لا مخرج منه. لذلك كنت أدعو الله أن يزيح والدي من حياتنا وأن يوقف الألم، ولكن والدي ظل موجودًا دائمًا، فشرعت أشك منذ حداثة سني بوجود الله... كل ما كنت أراه في عالمي هو الفوضى والعنف، ولهذا كان سهلًا علي أن أشك بوجود الله... تركتُ الإيمان بالله بسبب الخوف والغضب المنسوجين في فوضى طفولتي وجرحها. لم أستطع أن أفهم السبب أو أدرك الحكمة التي تجعل أمي تعاني من عنف والدي وسوء معاملته، لم أستطع أن أتخيل أي ذنب اقترفت، أو أي ذنب اقترفناه – نحن أبناءها – ليكون جزاءنا هذا الأب، كنتُ أفتقر للرشد الذي يمكنني من فرز هذه الأسئلة وتصنيفها بالرغم من أنه كان يمور في نفسي غضب، ويهيمن علي خوف يحفزانني على إثارتها، من قبيل: لماذا خلق الله مثل هذا العالم العنيف؟ لماذا جعلنا نزاعين للإجرام قابلين للفساد والتخريب؟ لماذا لم يجعلنا ملائكة أو شيئًا آخر أفضل؟ لماذا جعل الأقوياء يعذبون الضعفاء ويضطهدونهم؟ كنت أريد أن أعرف لماذا، وأطالب بالجواب، كنت أريد تفسيرًا مقنعًا مترابطًا، كنت أريد أن أعرف الحقيقة لا أكثر. لقد أوجز بروفيسور الرياضيات قصة إلحاده بكل شفافية. ما أدق تحليلك يا "جيفري" ! إن حديث د. جيفري لانغ عن قصة إلحاده كان يتسم بالدقة الشديدة وبنبرة ممزوجة بالصدق في كل حرف منها، وبقليل من التمعن سنجد أن هناك ثلاثة أمور مهمة تحتاج إلى بعض التعليقات: 1 - أسئلة يفرزها الخوف ويكتبها الغضب: حالتا الخوف الشديد والغضب العارم كانتا وراء طرح أسئلة الشك في الله، بمعنى أن تلك الأسئلة لم تكن نابعة عن حالة التفكير الهادئ المتزن، وإنما كانت وليدة من أعماق نفسية متعبة متألمة، فهي أسئلة ردة فعل على حالة قاسية عابرة، ولهذا أعجبتني عقلانيته حين قال: (كنتُ أفتقر للرشد الذي يمكنني من فرز هذه الأسئلة وتصنيفها ). لذلك كانت أسئلته كما هي الحال لدى كثير من الشاكين في الله وعدله ورحمته هي أسئلة غير منظمة أو منهجية بل تعاني من الفوضى وعدم الترتيب والتسلسل المنطقي في طرحها، وهذا غير مستغرب ؛ لأنها وليدة ( الغضب ) و( الخوف ) وهما من حالات فقدان التركيز العقلي والسيطرة على النفس . 2- منطق المتشكك: إذا لم تُجب دعائي وتحقق رغباتي فلن أؤمن بوجودك يا رب ! واستوقفني كلامه عن دعاء الله الدائم، من دون استجابة فورية لإبعاد والده عن حياتهم، ومن خلال تجربتي الشخصية في الحوار مع بعض الشباب والشابات، أكاد أجزم أن ( مشكلة فهمهم لاستجابة الدعاء ) متمحورة حول هذه الدنيا والآن، فإذا لم يُستجب لهم الآن وفورًا فإن الله غير موجود، أما أن تُحدثه عن أنها قد تُدخر له في يوم القيامة ، وهذا أفضل للمؤمن بالآخرة، أو بأنه يُصرف عنه من السوء مثلها، فيرى كل تلك الأجوبة لا شيء لأنه كل همه هو الدنيا ولا شيء غير الدنيا. وهذا المنطق " الطفولي " الساذج الذي يريد أن يخضع حكمة الله وسننه الكونية العامة لأهوائه وطلباته الشخصية، هو الذي يقف وراء الشك في وجود الله لدى الكثيرين منهم، لذلك تكون تلك الشكوك بمثابة اعتراض غاضب على حكمة الله لعدم تلبية رغباتهم الآنية. 3- الإلحاد العاطفي: ومن خلال وصف " لانغ " لقصة إلحاده يتبين بأن هناك ما يسميه بعض المحللين " بالإلحاد العاطفي "، وقد طرأ لي أن أشبه (المتشكك في وجود الله) بإنسان محبط مكتئب أغلق على نفسه أضيق مكان في " قبو " منزله، فضاقت رؤيته للكون والحياة ولم يعد يرى أي شيء منهما إلا من ثقب صغير في فتحة الباب، كذلك الملحد حين يحاكم حكمة الله ورحمته وعدله إلى مشكلته الشخصية فقط، فيصبح الأمر كأن بينه وبين الدين عداوة أو ثأر شخصي، فيصبح أي استنقاص للدين يثيره جدًا ويجذبه، وأما الأجوبة العقلانية عن أسئلته فتعد مملة ومكررة لأبعد حد، بل قد قرأت لأحدهم مرة، أنه إذا رأى كتابًا أو مقالًا فيه آية، تركه إلى غير رجعة، فهل مثل هذا يقال عنه أنه يبحث عن الحق؟! إن للباحث عن الحق صفات، ليست منها هذه المواقف المتوترة، المتشبعة بالكراهية لله ورسله إلى درجة الحنق الشديد، وإذا لم يكن هذا هو ضيق الأفق، فما هو تعريفه إذن؟
الإسلام مُشوّهًا ! ونعود إلى قصة " د. جيفري لانغ " ففي سنة 1982 أصبح أستاذًا في جامعة سان فرنسيسكو وهو لم يزل في الثامنة والعشرين بعد، والتقى وقتها بأسرة مسلمة من السعودية أهداه أحد أفرادها ترجمة للقرآن، يقول د. جيفري: ( كنت لا أعرف عمليًا شيئًا عن الإسلام لكني كنت أفترض ولا أدري لماذا، أن الدين الإسلامي أكثر أديان العالم خرافة )(ضياع ديني ص 36 )
هل أنت تخاطبني؟ عندما فتح القرآن وبدأ يقرأ صدمته هذه الآية الكريمة {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}[البقرة: 2]، يقول: ( أحسست برعشة تنتابني عندما قرأت هذه الآية، أخذت أفكر في نفسي: هل أنت تخاطبني؟!... تولد لدي شعور غريب بأن القرآن كان يخاطبني فعلًا !! )(ضياع ديني ص 37 ) وسبب ذلك كما يذكر هو بنفسه: أنه وجد طريقة القرآن ملائمة لعرض الوحي، فهو ليس كالكتاب المقدس عند النصارى في عهديه القديم والجديد يقدم سردًا لتاريخ شعب أو سيرة نبي أو معلم عظيم، أو مجموعة أقوال رسول، إن صيغة الخطاب في القرآن مباشرة من الله إلى البشر، ولهذا يقول: ( اعتقدت أن هذا هو بالضبط ما نتوقعه من وحي إلهي.. وكلما تقدمت في القرآن ازداد احترامي لطريقته وأساليبه.. لقد تبينت أن المتكلم قد أدخل إلى النص عددًا من المقاطع يعلم أنها ستثير أسئلة وردود فعل معينة لدى القارئ، ومن ثم يجيب على ردود فعله المتوقعة سلفًا في مقاطع تالية، إن القرآن يشغل القارئ بحديث ذهني وروحي.. لقد أحسست أن المتكلم يعرف على وجه الدقة الطبيعة البشرية ) بتصرف من كتاب ( ضياع ديني ص 37-38).
وكأن القرآن يقرؤك ! وقد وصف " جيفري لانغ " في كتبه الثلاثة شعوره نحو القرآن، ولم يجد أدق من وصف فريدريك دني في كتابه " الإسلام " وهو شخص غير مسلم ولكن جاء بعبارة أذهلته: ( تلك التجربة العجيبة غير الطبيعية التي يشعر بها المرء أحيانًا لدى قراءته القرآن، وتلك اللحظات التي يشعر فيها القارئ بحضور شيء غامض وأحيانًا مرعب معه، وبدلًا من قراءة القرآن، فإن القارئ يشعر وكأن القرآن يقرؤه ). ( حتى الملائكة تسأل ص 206)( ضياع ديني ص 38)( الصراع من أجل الإيمان ص 81 ). ثم جاء بعبارة من أروع ما قرأت تنبض بالصدق مع الله، قال: ( إن الذين يضعون مصالحهم الدنيوية والذاتية فوق الإيمان، هؤلاء لا ينتفعون من قراءة القرآن ما لم يغيروا بُنيتهم الفكرية ). كم هي مبهرة وأخاذة هذه العبارة، إنها في الصميم: ( ما لم يغيروا بُنيتهم الفكرية ) ! في الحلقة القادمة إن شاء الله سنمضي في محاولة اكتناه هذا الشعور: كيف وجد " لانغ " أن القرآن كأنه يقرؤه؟ وسنعرض أسئلته الفكرية التي بحث عنها طويلًا ووجد لها إجابة في كتاب الله عزوجل.
عندما فتح القرآن وبدأ يقرأ صدمته آية، يقول بروفيسور الرياضيات الذي كان ملحدًا وقتها: ( أحسست برعشة تنتابني عندما قرأت هذه الآية، أخذت أفكر في نفسي: هل أنت تخاطبني؟! ... تولد لدي شعور غريب بأن القرآن كان يخاطبني فعلًا !! ). ما هذه الآية؟ ولماذا أحدثت لديه تلك الرعشة والشعور الغريب؟ أسئلة الإنسان وإجابات القرآن ! هذا ما سنتعرف عليه – إن شاء الله - في هذا المقال وما يليه في صحبة " بروفيسور" رياضيات أمريكي كان ملحدًا منذ مراهقته حتى شرح الله قلبه للإسلام، وقد كتب تجربته مع القرآن بطريقة مشوقة ومثيرة، مسجلًا تفاصيل رائعة عندما كان يطرح على القرآن أسئلته المشكلة عن الخالق ومعنى الحياة ووجود الشر في العالم، تلك الأسئلة التي قادته إلى الإلحاد، ثم يسجل بروعة وذكاء كيف عثر على الإجابات عنها بعد تدبره المعمق في آيات الكتاب الكريم. جاذبية الإسلام لا تقاوم ! لقد دُهش د. مراد هوفمان من كتابات صاحبنا، وهوفمان لمن لا يعرفه مسؤول ألماني مرموق شغل عدة مناصب دبلوماسية في الحكومة الألمانية، وأعلن إسلامه في الثمانينيات من القرن العشرين، وقد كتب مقدمة أحد كتب صاحبنا بهذه العبارات المؤثرة: (كم دهشت عندما أدركت أن هذا الكتاب ذو مغزى عظيم جدًا، وقد كتب بشكل رائع على غير ما يتوقعه المرء من مدرس رياضيات وبعد بحث وتفكير دقيقين. لقد كان الكتاب وصفًا مفعمًا بالحيوية للطريقة التي شعر بها " جيفري لانغ "، وهو يصطرع من الداخل بالانجذاب بلا مقاومة إلى الإسلام ). ما أجمله من وصف: " جاذبية الإسلام لا تقاوم "، وقد كتب المستشرق الفرنسي الماركسي (مكسيم رودنسون ) كتابًا بعنوان: (جاذبية الإسلام) متحدثًا فيه عن الأشياء التي تجعل الإسلام جذابًا في العقول والنفوس، والمحزن حقًا أن كثيرًا من أبناء المسلمين أصيبوا اليوم ببلادة، فلا يشعرون بهذه الجاذبية في دينهم، ولا يحاولون أن يعيدوا اكتشاف روعة دينهم ! جدّدوا إيمانكم ! لنبدأ في محطات هذه الرحلة الممتعة، ولنتأمل هذه " الرحلة القرآنية "، لقد كتب البروفيسور المسلم الأمريكي " جيفري لانغ " ثلاثة كتب مهمة، حكى فيها كثيرًا من تجربته الفكرية مع القرآن، وهي: " الصراع من أجل الإيمان - انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام " ترجمة د. منذر العبسي. ثم كتاب " حتى الملائكة تسأل - رحلة إلى الإسلام في أمريكا " ترجمة منذر العبسي. ثم أصدر كتابه " ضياع ديني - صرخة المسلمين في الغرب " ترجمة إبراهيم يحيى الشهابي. وقد قرأت هذه الكتب وحاولت أن أوصل إليكم بعضًا من " حرارة الإيمان " التي فيها، كما أنه قد راق لي أن أنقل لكم التجربة الفكرية لهذا الأستاذ الجامعي في كيفية عثوره على إجابات القرآن عن أسئلته الوجودية ومشكلاته الفلسفية العميقة في الحياة. وما أحوجنا إلى أن نجدد إيماننا بالتواصل مع المسلمين الجدد، فلديهم ما يبعث " الطاقة " المحركة في قلوبنا التي تحتاج إلى وهج الإيمان لتعود إليها قوة الحياة المؤمنة بكل عنفوانها وحيويتها . قصته باختصار ! يقول " جيفري لا نغ " كثيرًا ما يسألني الناس عن إسلامي، لذلك كنت أشرح الأمر في نصف ساعة، ولأن السؤال يتكرر كانت إجابتي تزداد قصرًا في كل مرة أسأل هذا السؤال، لقد لخصت قصتي في هذه الكلمات: ( ولدت مسيحيًا، ثم إني في الثامنة عشرة من عمري أصبحت ملحدًا بسبب الاعتراضات العقلانية على فكرة الله في المسيحية، بقيت ملحدًا لمدة عشر سنوات تالية، قرأت تفسيرًا للقرآن <أي ترجمة القرآن > في سن الثامنة والعشرين، فوجدت فيه إجابات متماسكة ومنطقية لأسئلتي. هذا الأمر دفعني للإيمان بالله عن طريق الإسلام من خلال قراءتي للقرآن، وهكذا أصبحت مسلمًا ) ( حتى الملائكة تسأل ص 272 ). لماذا شكّ في وجود الله؟ لكن كيف استسلم للشك في وجود الله في سن مبكرة؟ يقول د. جيفري لانغ: ( نحن لا نختار ذكرياتنا، بل تنساب إلى عقولنا، وتملأ اللحظات الخالية من التفكير ) ويا لها من عبارة عميقة صادقة فكثيرًا ما تحتل ذكرياتنا السيئة مراكز التفكير المنطقي وتعطلها. وقد حاول أن يتذكر في كتابه ( ضياع ديني ص 30 – 34 ) قصة إلحاده وسببها، وهي مهمة جدًا لمعرفة نفسيات بعض الملحدين وسبب شكهم في وجود الله، وسأقوم بتلخيصها كما رواها هو: نشأتُ في مدينة صاخبة عنيفة، في بيت لا يقل عنها صخبًا وعنفًا، كان والدي على الدوام متوحشًا مدمرًا ، يحاول أن يكبت غضبه كل ليلة بشرب مفرط للخمر، وإدمانه على الخمر، جعله أكثر تقلبًا وأسرع إثارة... عشت وإخوتي الأربعة طفولة قلقة يسودها الرعب ، وأسوأ ما كان في حياتنا رؤية والدي وهو يوبخ أمي بطريقة ساخرة مهينة ويهددها ... إن الخوف الذي يتولد لديك وأنت ترى والدك يعنف أمك ويضربها يختلف تمامًا عن أي خوف آخر ؛ لأنها هي المنبع الوحيد للطف والحنان والحب والحماية ، أمي كانت هي الشخص الوحيد الذي أستطيع محبته، كانت أقرب أصدقائي إلي، حاميتي، وبطلي الوحيد ، كانت كاثوليكية عميقة الإيمان، ممرضة متفرغة، وقفت حياتها للآخرين، يحبها الجيران كلهم، وكانت أكثر من عرفت إحسانًا وعطاء. إن أقسى إثم على الإطلاق إدراكك أنك لا تستطيع فعل شيء لمنع والدك من إيذاء أمك، وحرصًا على سلامتك تختبئ في فراشك عندما يصب أبوك جام غضبه على أمك، وبذلك تكون قد استبدلت بسلامتك الشخصية احترامك لنفسك، إنك تعاني مع حادثة كهذه، بل تدرك بوضوح أكبر مدى ضعفك وعجزك وتفاهتك وجبنك ، إن كرهًا ينمو ويفرخ في ذاتك ليس فقط تجاه الرجل الذي نسميه " أبًا "، بل تجاه نفسك أيضًا ، إذ من المريع جدا أن تضع شخصًا ما في الخيار بين نفسه وبين أمه... عندما كنت صغيرًا كنت أحلم بحياة ليست فيها والدي، كنت أريد أن يختفي العنف، كنت أريد أن أتخلص من الخوف ، كنت أشعر أني وقعت في شرك حلم مزعج لا مخرج منه. لذلك كنت أدعو الله أن يزيح والدي من حياتنا وأن يوقف الألم ، ولكن والدي ظل موجودًا دائمًا، فشرعت أشك منذ حداثة سني بوجود الله... كل ما كنت أراه في عالمي هو الفوضى والعنف، ولهذا كان سهلًا علي أن أشك بوجود الله... تركتُ الإيمان بالله بسبب الخوف والغضب المنسوجين في فوضى طفولتي وجرحها. لم أستطع أن أفهم السبب أو أدرك الحكمة التي تجعل أمي تعاني من عنف والدي وسوء معاملته، لم أستطع أن أتخيل أي ذنب اقترفت، أو أي ذنب اقترفناه – نحن أبناءها – ليكون جزاءنا هذا الأب، كنتُ أفتقر للرشد الذي يمكنني من فرز هذه الأسئلة وتصنيفها بالرغم من أنه كان يمور في نفسي غضب ، ويهيمن علي خوف يحفزانني على إثارتها، من قبيل: لماذا خلق الله مثل هذا العالم العنيف؟ لماذا جعلنا نزاعين للإجرام قابلين للفساد والتخريب؟ لماذا لم يجعلنا ملائكة أو شيئًا آخر أفضل؟ لماذا جعل الأقوياء يعذبون الضعفاء ويضطهدونهم؟ كنت أريد أن أعرف لماذا، وأطالب بالجواب، كنت أريد تفسيرًا مقنعًا مترابطًا، كنت أريد أن أعرف الحقيقة لا أكثر. لقد أوجز بروفيسور الرياضيات قصة إلحاده بكل شفافية. ما أدق تحليلك يا "جيفري" ! إن حديث د. جيفري لانغ عن قصة إلحاده كان يتسم بالدقة الشديدة وبنبرة ممزوجة بالصدق في كل حرف منها، وبقليل من التمعن سنجد أن هناك ثلاثة أمور مهمة تحتاج إلى بعض التعليقات: 1 - أسئلة يفرزها الخوف ويكتبها الغضب: حالتا الخوف الشديد والغضب العارم كانتا وراء طرح أسئلة الشك في الله، بمعنى أن تلك الأسئلة لم تكن نابعة عن حالة التفكير الهادئ المتزن، وإنما كانت وليدة من أعماق نفسية متعبة متألمة، فهي أسئلة ردة فعل على حالة قاسية عابرة، ولهذا أعجبتني عقلانيته حين قال: ( كنتُ أفتقر للرشد الذي يمكنني من فرز هذه الأسئلة وتصنيفها ). لذلك كانت أسئلته كما هي الحال لدى كثير من الشاكين في الله وعدله ورحمته هي أسئلة غير منظمة أو منهجية بل تعاني من الفوضى وعدم الترتيب والتسلسل المنطقي في طرحها، وهذا غير مستغرب ؛ لأنها وليدة ( الغضب ) و( الخوف ) وهما من حالات فقدان التركيز العقلي والسيطرة على النفس . 2- منطق المتشكك: إذا لم تُجب دعائي وتحقق رغباتي فلن أؤمن بوجودك يا رب ! واستوقفني كلامه عن دعاء الله الدائم، من دون استجابة فورية لإبعاد والده عن حياتهم، ومن خلال تجربتي الشخصية في الحوار مع بعض الشباب والشابات، أكاد أجزم أن ( مشكلة فهمهم لاستجابة الدعاء ) متمحورة حول هذه الدنيا والآن، فإذا لم يُستجب لهم الآن وفورًا فإن الله غير موجود ، أما أن تُحدثه عن أنها قد تُدخر له في يوم القيامة ، وهذا أفضل للمؤمن بالآخرة، أو بأنه يُصرف عنه من السوء مثلها، فيرى كل تلك الأجوبة لا شيء لأنه كل همه هو الدنيا ولا شيء غير الدنيا . وهذا المنطق " الطفولي " الساذج الذي يريد أن يخضع حكمة الله وسننه الكونية العامة لأهوائه وطلباته الشخصية، هو الذي يقف وراء الشك في وجود الله لدى الكثيرين منهم، لذلك تكون تلك الشكوك بمثابة اعتراض غاضب على حكمة الله لعدم تلبية رغباتهم الآنية. 3- الإلحاد العاطفي: ومن خلال وصف " لانغ " لقصة إلحاده يتبين بأن هناك ما يسميه بعض المحللين " بالإلحاد العاطفي "، وقد طرأ لي أن أشبه (المتشكك في وجود الله) بإنسان محبط مكتئب أغلق على نفسه أضيق مكان في " قبو " منزله، فضاقت رؤيته للكون والحياة ولم يعد يرى أي شيء منهما إلا من ثقب صغير في فتحة الباب، كذلك الملحد حين يحاكم حكمة الله ورحمته وعدله إلى مشكلته الشخصية فقط، فيصبح الأمر كأن بينه وبين الدين عداوة أو ثأر شخصي، فيصبح أي استنقاص للدين يثيره جدًا ويجذبه، وأما الأجوبة العقلانية عن أسئلته فتعد مملة ومكررة لأبعد حد، بل قد قرأت لأحدهم مرة، أنه إذا رأى كتابًا أو مقالًا فيه آية، تركه إلى غير رجعة، فهل مثل هذا يقال عنه أنه يبحث عن الحق؟! إن للباحث عن الحق صفات، ليست منها هذه المواقف المتوترة، المتشبعة بالكراهية لله ورسله إلى درجة الحنق الشديد، وإذا لم يكن هذا هو ضيق الأفق، فما هو تعريفه إذن؟ الإسلام مُشوّهًا ! ونعود إلى قصة " د. جيفري لانغ " ففي سنة 1982 أصبح أستاذًا في جامعة سان فرنسيسكو وهو لم يزل في الثامنة والعشرين بعد، والتقى وقتها بأسرة مسلمة من السعودية أهداه أحد أفرادها ترجمة للقرآن، يقول د. جيفري: ( كنت لا أعرف عمليًا شيئًا عن الإسلام لكني كنت أفترض ولا أدري لماذا، أن الدين الإسلامي أكثر أديان العالم خرافة ) (ضياع ديني ص 36 ) هل أنت تخاطبني؟ عندما فتح القرآن وبدأ يقرأ صدمته هذه الآية الكريمة { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } [البقرة: 2] ، يقول: ( أحسست برعشة تنتابني عندما قرأت هذه الآية، أخذت أفكر في نفسي: هل أنت تخاطبني؟!... تولد لدي شعور غريب بأن القرآن كان يخاطبني فعلًا !! ) (ضياع ديني ص 37 ) وسبب ذلك كما يذكر هو بنفسه: أنه وجد طريقة القرآن ملائمة لعرض الوحي، فهو ليس كالكتاب المقدس عند النصارى في عهديه القديم والجديد يقدم سردًا لتاريخ شعب أو سيرة نبي أو معلم عظيم، أو مجموعة أقوال رسول، إن صيغة الخطاب في القرآن مباشرة من الله إلى البشر، ولهذا يقول: ( اعتقدت أن هذا هو بالضبط ما نتوقعه من وحي إلهي.. وكلما تقدمت في القرآن ازداد احترامي لطريقته وأساليبه.. لقد تبينت أن المتكلم قد أدخل إلى النص عددًا من المقاطع يعلم أنها ستثير أسئلة وردود فعل معينة لدى القارئ، ومن ثم يجيب على ردود فعله المتوقعة سلفًا في مقاطع تالية، إن القرآن يشغل القارئ بحديث ذهني وروحي.. لقد أحسست أن المتكلم يعرف على وجه الدقة الطبيعة البشرية ) بتصرف من كتاب ( ضياع ديني ص 37-38). وكأن القرآن يقرؤك ! وقد وصف " جيفري لانغ " في كتبه الثلاثة شعوره نحو القرآن، ولم يجد أدق من وصف فريدريك دني في كتابه " الإسلام " وهو شخص غير مسلم ولكن جاء بعبارة أذهلته: ( تلك التجربة العجيبة غير الطبيعية التي يشعر بها المرء أحيانًا لدى قراءته القرآن، وتلك اللحظات التي يشعر فيها القارئ بحضور شيء غامض وأحيانًا مرعب معه، وبدلًا من قراءة القرآن، فإن القارئ يشعر وكأن القرآن يقرؤه ). ( حتى الملائكة تسأل ص 206) ( ضياع ديني ص 38) ( الصراع من أجل الإيمان ص 81 ). ثم جاء بعبارة من أروع ما قرأت تنبض بالصدق مع الله، قال: ( إن الذين يضعون مصالحهم الدنيوية والذاتية فوق الإيمان، هؤلاء لا ينتفعون من قراءة القرآن ما لم يغيروا بُنيتهم الفكرية ). كم هي مبهرة وأخاذة هذه العبارة، إنها في الصميم: ( ما لم يغيروا بُنيتهم الفكرية ) ! في الحلقة القادمة إن شاء الله سنمضي في محاولة اكتناه هذا الشعور: كيف وجد " لانغ " أن القرآن كأنه يقرؤه؟ وسنعرض أسئلته الفكرية التي بحث عنها طويلًا ووجد لها إجابة في كتاب الله عزوجل.