نحن اليومَ في بداية عام جديد – سعيد ومبارك بإذن الله – وقد ودَّعنا عامًا مملوءًا بالصعوبات والأزمات، ومملوءًا أيضًا بالمبادرات الخيرة؛ والذي أحبُّ أن أركِّز عليه في هذه المقالة هو التغيراتُ الثقافية والسلوكية التي باتت تترسَّخ في واقع كثير من المسلمين.
من الواضح جدًا أن (العولمة) آخذةٌ في التمدُّد يومًا بعد يوم، وماضيةٌ في تغيير المناخ الفكري والنفسي والقيمي على نحو يُثير الاهتمام؛ ولعلي أشير في هذا المقام إلى الملاحظات التالية:
1 – العولمةُ حركةٌ كونية شاملة، تقوم على (المال) واستثماره، واتخاذه أداة للنفوذ والتمكُّن. أما التغيُّرات الثقافية فهي ليست مما يُتَّهم به صنَّاع العولمة والمستفيدون منها، لكنها تأتي تبعًا للتجديدات والإبداعات التقنيَّة، وتبعًا للتنظيمات الفنيَّة والإدارية المستحدَثة. إذن نحن فعلًا مغمورون اليوم بتيَّار مادي عنيف ومُتلاطم الأمواج، ومعرفةُ كُنْهِ هذا التيار تشكِّل نقطة الانطلاق على طريق مقاومته.
2 – في العام المنصرم يُلاحظ المرء أن معظمَ الناس أخذوا يستجيبون لمغريات الدِّعاية والإعلان، وصار هناك يقينٌ بأن الناسَ يندفعون نحو استهلاك أيِّ شيء يتمكَّن أصحابه من تعريف الناس به، وكأنهم يُراهنون على جهل معظم الناس وعدم قُدرتهم على التفريق بين ما ينفعهم وما يضرُّهم، ومما يؤلم في هذا السياق أن أموالًا هائلة يبدِّدها الأثرياء والميسورون في شراء ما يسمَّى بـ(الماركات العالمية) وذلك من أجل المباهاة والمفاخَرة، على حين أن الأمةَ في حاجة إلى الكثير الكثير من أجل سدِّ حاجات الفقراء وتحسين مستوى الاقتصادات الوطنيَّة، وما ذلك إلا لأن لدينا أعدادًا متزايدة من الشباب والشابات، تحيا فراغًا روحيًّا وفكريًّا مخيفًا، وهم يتوهَّمون أنهم عن طريق التملُّك والتمتُّع يشعرون بأن لهم قيمةً أو دورًا في الحياة!.
3 – هل أصبح الناس أكثرَ دنيويَّة؟ وهل صار إحساسُهم بمباهج الحياة العاجلة أقوى من إحساسهم بمعاني القُرب من الله – تعالى – وبمسرَّات ذكره والثناء عليه؟ هذا ما يمكنُ لكلِّ واحد منا أن يلمسَه في نفسه وفي أُسرته وبين إخوانه وزملائه، إن حركةَ الإنتاج الماديِّ الهائل والمتنوِّع والمتنامي قد جعلت وعيَ الناس محاطًا بل غارقًا في التفكير بالمرفِّهات، وغارقًا في هموم تلبية حاجات البَدَن ومستلزمات المتعة الشخصيَّة، وهذا كلُّه يجعل إحساسنا بما وراء المادَّة ضعيفًا، وهذا هو الواقع، فنحن نفكِّر في طرق الحصول على المال، وفي طرق الاستمتاع به في أشدِّ المواقف الروحيَّة إثارة لوجدان المسلم! وليس في هذا أيُّ مبالغة، وهذا في الحقيقة ما يحدث بالنسبة إلى من نعدُّهم مسلمينَ صالحين أو ملتزمين. أما المسلمون غيرُ الملتزمين فإن دنيويَّتهم تتجسَّد في إرواء رغباتهم عن طريق الوقوع في الموبقات وعن طريق الرِّشوة وأكل أموال الناس بالباطل وهضم الموظَّفين والعمال لديهم حقوقَهم المشروعة...
4 – أما على الصعيد الفكريِّ والعَقَدي فإن مرحلةَ (ما بعد الحداثة) تترك بصماتٍ قويةً في موقف الناس من المرجعيَّات ومن الأصول والثوابت التي يجب احترامُها والعمل على أساسها وفي إطارها. ومن الممكن القول: إننا نتعرَّض اليوم لحملة هائلة ومنسَّقة تستهدف كلَّ ماهو عزيز ومقدَّس لدى المسلمين، فالمسلمُ الملتزم مَظِنَّةٌ لأن يكونَ متطرفًا أو خرافيًا أو إرهابيًا، أو مستبدًا. والرسومُ المسيئة التي نُشِرت في الدنمارك ، وتصريحاتُ البابا الجديد دلَّت بوضوح على الاستهانة بمشاعر المسلمين ومعتقداتهم، وكلُّ هذا لا يشكِّل شيئًا أمام تحلُّل الجبهة الداخليَّة تجاه هذه الهجمة، فحين نُشِرت الرسومُ المشؤومة، وأحدثت الضجَّةَ الكبرى المعروفة، قامت صحفٌ عديدة، تَصدر في دول عربيَّة مختلفة بإعادة نشر تلك الرسوم، مما يدلُّ أن مشكلةَ الاستخفاف بمشاعر المسلمين صار جزءٌ منها داخليًا!!.
5 – حيال هذه الوضعيَّة الصعبة تفتَّح وعيُ كثير من المسلمين على ضرورة العمل الجادِّ لتحسين ردود أفعال المسلمين على العولمة، وصارت من ثَمَّ صورتُها في الأذهان أوضحَ، كما أن الثورةَ التي حدثت في عالم البثِّ وعالم الاتصالات جعلت إدراكَ المسلمين للواقع وتحدِّياته ومتطلَّباته أفضلَ بكثير مما كان عليه الأمرُ في السابق. وأستطيع أن أنوِّه هنا -وعلى نحو خاص- بإدراك الناس لقيمة التعليم الممتاز والتدريب المتقدِّم في تطوير الحياة العامَّة والشخصيَّة، وهذا شيء كبير بكلِّ المقاييس.
السؤالُ الذي يطرح نفسه هو: ما الذي ينبغي أن نركِّزَ عليه في العام الجديد، من أجل مواجهة المشكلات التي أشرتُ إليها؟ إن التيار الماديَّ الجارفَ الذي تنشره العولمة والذي يتمثَّل في إرواء الشهوات واقتناص الملذَّات من غير إبطاء، إن هذا التيارَ لا يمكن مقاومتُه من غير إنشاء تيار روحيٍّ يقوم على حبِّ الله ورسوله، والتمسُّكِ بتعاليم الإسلام؛ وإنشاءُ هذا التيار من مسؤوليَّة الدعاة الناصحين والإعلاميين الغَيورين على الإسلام والمسلمين، فلنركِّز من الآنَ إذن على التربية الروحيَّة المنضبطة بآداب الشريعة الغرَّاء. وعلينا في مواجهة الأنانيَّة والأَثَرَة الآخذة في الاتِّساع أن نعمِّق في نفوس النَّشء فضيلةَ (التعاطف) مع الأشياء، وفضيلة (حب الخير) للناس؛ لأن ذلك يقلِّل من التمحور حولَ الذات، ويساعد على مُداواة بعض الجراح التي تتركها (العولمة) في نفوس الفُقراء والمساكين والأرامل والأيتام وسائر المستضعَفين.
عامٌ جديد، أهلَّ علينا هلالُه، لا يتسع لكل الأعمال والمبادرات الخيِّرة التي علينا القيامُ بها، لكنه بالتأكيد يصلُح لأن نتخذَ منه نقطةَ انطلاق نحو الانتقال من وضعيَّة الدفاع والاستِخذاء والتراجع إلى وضعيَّة التقدم والبناء والعطاء، والمزيد المزيد من الأَوْبَة والتوبة إلى الصراط المستقيم. والله الموفق.
نحن اليومَ في بداية عام جديد – سعيد ومبارك بإذن الله – وقد ودَّعنا عامًا مملوءًا بالصعوبات والأزمات، ومملوءًا أيضًا بالمبادرات الخيرة؛ والذي أحبُّ أن أركِّز عليه في هذه المقالة هو التغيراتُ الثقافية والسلوكية التي باتت تترسَّخ في واقع كثير من المسلمين. من الواضح جدًا أن (العولمة) آخذةٌ في التمدُّد يومًا بعد يوم، وماضيةٌ في تغيير المناخ الفكري والنفسي والقيمي على نحو يُثير الاهتمام؛ ولعلي أشير في هذا المقام إلى الملاحظات التالية: 1 – العولمةُ حركةٌ كونية شاملة، تقوم على (المال) واستثماره، واتخاذه أداة للنفوذ والتمكُّن. أما التغيُّرات الثقافية فهي ليست مما يُتَّهم به صنَّاع العولمة والمستفيدون منها، لكنها تأتي تبعًا للتجديدات والإبداعات التقنيَّة، وتبعًا للتنظيمات الفنيَّة والإدارية المستحدَثة. إذن نحن فعلًا مغمورون اليوم بتيَّار مادي عنيف ومُتلاطم الأمواج، ومعرفةُ كُنْهِ هذا التيار تشكِّل نقطة الانطلاق على طريق مقاومته. 2 – في العام المنصرم يُلاحظ المرء أن معظمَ الناس أخذوا يستجيبون لمغريات الدِّعاية والإعلان، وصار هناك يقينٌ بأن الناسَ يندفعون نحو استهلاك أيِّ شيء يتمكَّن أصحابه من تعريف الناس به، وكأنهم يُراهنون على جهل معظم الناس وعدم قُدرتهم على التفريق بين ما ينفعهم وما يضرُّهم، ومما يؤلم في هذا السياق أن أموالًا هائلة يبدِّدها الأثرياء والميسورون في شراء ما يسمَّى بـ(الماركات العالمية) وذلك من أجل المباهاة والمفاخَرة، على حين أن الأمةَ في حاجة إلى الكثير الكثير من أجل سدِّ حاجات الفقراء وتحسين مستوى الاقتصادات الوطنيَّة، وما ذلك إلا لأن لدينا أعدادًا متزايدة من الشباب والشابات، تحيا فراغًا روحيًّا وفكريًّا مخيفًا، وهم يتوهَّمون أنهم عن طريق التملُّك والتمتُّع يشعرون بأن لهم قيمةً أو دورًا في الحياة!. 3 – هل أصبح الناس أكثرَ دنيويَّة؟ وهل صار إحساسُهم بمباهج الحياة العاجلة أقوى من إحساسهم بمعاني القُرب من الله – تعالى – وبمسرَّات ذكره والثناء عليه؟ هذا ما يمكنُ لكلِّ واحد منا أن يلمسَه في نفسه وفي أُسرته وبين إخوانه وزملائه، إن حركةَ الإنتاج الماديِّ الهائل والمتنوِّع والمتنامي قد جعلت وعيَ الناس محاطًا بل غارقًا في التفكير بالمرفِّهات، وغارقًا في هموم تلبية حاجات البَدَن ومستلزمات المتعة الشخصيَّة، وهذا كلُّه يجعل إحساسنا بما وراء المادَّة ضعيفًا، وهذا هو الواقع، فنحن نفكِّر في طرق الحصول على المال، وفي طرق الاستمتاع به في أشدِّ المواقف الروحيَّة إثارة لوجدان المسلم! وليس في هذا أيُّ مبالغة، وهذا في الحقيقة ما يحدث بالنسبة إلى من نعدُّهم مسلمينَ صالحين أو ملتزمين. أما المسلمون غيرُ الملتزمين فإن دنيويَّتهم تتجسَّد في إرواء رغباتهم عن طريق الوقوع في الموبقات وعن طريق الرِّشوة وأكل أموال الناس بالباطل وهضم الموظَّفين والعمال لديهم حقوقَهم المشروعة... 4 – أما على الصعيد الفكريِّ والعَقَدي فإن مرحلةَ (ما بعد الحداثة) تترك بصماتٍ قويةً في موقف الناس من المرجعيَّات ومن الأصول والثوابت التي يجب احترامُها والعمل على أساسها وفي إطارها. ومن الممكن القول: إننا نتعرَّض اليوم لحملة هائلة ومنسَّقة تستهدف كلَّ ماهو عزيز ومقدَّس لدى المسلمين، فالمسلمُ الملتزم مَظِنَّةٌ لأن يكونَ متطرفًا أو خرافيًا أو إرهابيًا، أو مستبدًا. والرسومُ المسيئة التي نُشِرت في الدنمارك ، وتصريحاتُ البابا الجديد دلَّت بوضوح على الاستهانة بمشاعر المسلمين ومعتقداتهم، وكلُّ هذا لا يشكِّل شيئًا أمام تحلُّل الجبهة الداخليَّة تجاه هذه الهجمة، فحين نُشِرت الرسومُ المشؤومة، وأحدثت الضجَّةَ الكبرى المعروفة، قامت صحفٌ عديدة، تَصدر في دول عربيَّة مختلفة بإعادة نشر تلك الرسوم، مما يدلُّ أن مشكلةَ الاستخفاف بمشاعر المسلمين صار جزءٌ منها داخليًا!!. 5 – حيال هذه الوضعيَّة الصعبة تفتَّح وعيُ كثير من المسلمين على ضرورة العمل الجادِّ لتحسين ردود أفعال المسلمين على العولمة، وصارت من ثَمَّ صورتُها في الأذهان أوضحَ، كما أن الثورةَ التي حدثت في عالم البثِّ وعالم الاتصالات جعلت إدراكَ المسلمين للواقع وتحدِّياته ومتطلَّباته أفضلَ بكثير مما كان عليه الأمرُ في السابق. وأستطيع أن أنوِّه هنا -وعلى نحو خاص- بإدراك الناس لقيمة التعليم الممتاز والتدريب المتقدِّم في تطوير الحياة العامَّة والشخصيَّة، وهذا شيء كبير بكلِّ المقاييس. السؤالُ الذي يطرح نفسه هو: ما الذي ينبغي أن نركِّزَ عليه في العام الجديد، من أجل مواجهة المشكلات التي أشرتُ إليها؟ إن التيار الماديَّ الجارفَ الذي تنشره العولمة والذي يتمثَّل في إرواء الشهوات واقتناص الملذَّات من غير إبطاء، إن هذا التيارَ لا يمكن مقاومتُه من غير إنشاء تيار روحيٍّ يقوم على حبِّ الله ورسوله، والتمسُّكِ بتعاليم الإسلام؛ وإنشاءُ هذا التيار من مسؤوليَّة الدعاة الناصحين والإعلاميين الغَيورين على الإسلام والمسلمين، فلنركِّز من الآنَ إذن على التربية الروحيَّة المنضبطة بآداب الشريعة الغرَّاء. وعلينا في مواجهة الأنانيَّة والأَثَرَة الآخذة في الاتِّساع أن نعمِّق في نفوس النَّشء فضيلةَ (التعاطف) مع الأشياء، وفضيلة (حب الخير) للناس؛ لأن ذلك يقلِّل من التمحور حولَ الذات، ويساعد على مُداواة بعض الجراح التي تتركها (العولمة) في نفوس الفُقراء والمساكين والأرامل والأيتام وسائر المستضعَفين. عامٌ جديد، أهلَّ علينا هلالُه، لا يتسع لكل الأعمال والمبادرات الخيِّرة التي علينا القيامُ بها، لكنه بالتأكيد يصلُح لأن نتخذَ منه نقطةَ انطلاق نحو الانتقال من وضعيَّة الدفاع والاستِخذاء والتراجع إلى وضعيَّة التقدم والبناء والعطاء، والمزيد المزيد من الأَوْبَة والتوبة إلى الصراط المستقيم. والله الموفق.