أرشيف المقالات

المساحة الضبابية

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2المساحة الضبابية   يتغطرس فرعون ويتكبر ويَدَّعي ما ليس له، ويصل به الأمر إلى تهديد نبي الله موسى عليه السلام الذي أرسله ربه، فيحكي القرآن قوله: • ﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 29].   فيرد النبي الحكيم بمنطق العقل والمناقشة بالحجة، كما حكى عنه القرآن: • ﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 30]، يا سلام! ما أحلاه من كلام وما أوضحه من تعبير.   ولم يكن أمام فرعون إلا الاستسلام للمنطق العقلي والتجاوب معه، خاصة حين تريد تكذيب المدعي، فيجيبه فرعون: • ﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [الشعراء: 31] فالشك موجود "إن كنت من الصادقين" ؟؟   وتأتي اللحظة المناسبة والفرصة المواتية والنعمة المندسة، إنها إظهار الحق وبيانه بما لا يقبل الشك ويدحض أقوى الحجج، لذا يُعبر القرآن الكريم عن تلك اللحظة بحرف "الفاء" أي التعقيب المباشر بلا تأخير ولا تردد ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ [الأعراف: 107، 108].   ما أعظمك يا موسى عليه السلام، ليست آية واحدة بل اثنتين: تحول العصا إلى ثعبان حقيقي، - وهو والملأ عنده يدركون أنها حقيقة وليست سحر -، ثم آية ثانية يخرج موسى عليه السلام يده فإذا هي بيضاء للناظرين أي بياضاً تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نوراً كنور الشمس يكاد يغشي الأبصار أو قريباً منه.
فتحير فرعون لما أبصر الآيتين، وبقي لا يدري ماذا يقول أو يفعل، حتى ذلّ عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وبلغت به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحسّ به من جهة موسى عليه السلام وغلبته على ملكه وأرضه.
وبعد البُهت الذي أصابه، وبعد النظر في موقفه المخجل، أعلن أول خطوة وهي السعي في تعمية هذه الحجة، والتقليل من شأنها، ولما كانت واضحة بيّنة "شيء مبين" حاول نقلها إلى المنطقة المظلمة أو الضبابية التي يصعب الجزم بها ويتحير الناس بشأنها،، فحكى القرآن عنه: • ﴿ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ [الشعراء: 34، 35] [1].   فيعلن أن هذا موسى عليه السلام "ساحر عليم" ، ومن المعلوم أن السحر قضية ضبابية غير واضحة المعالم ويصعب تحديدها بدقة، مما يجعل الملأ يبتعدون عن مساحة "المبين" إلى المساحة "الضبابية" وهكذا شأن الضِعاف والمهزومين، حين تضيق بهم ساحة النور يبحثون عن الظلام، وحين تغلبهم ساحة البيان يتوارون بالضباب عله ينقذهم ويخرجهم من أزمتهم، فهم ينسون - أو يتناسون - أن: "البقاء مع النور والبيان ولو بالاعتراف بالخطأ، خير من التواري بالظلام والضباب"


[1] ثلاثة أمور فعلها فرعون مع الملأ: التعمية + تحريك المشاعر السلبية نحو موسى عليه السلام + استشارتهم.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣