أرشيف المقالات

تفسير آية الجلابيب

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
2تفسير آية الجلابيب   قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: 59].   تفسير الآية: المراد بأزواج النبي: أمهات المؤمنين التسع اللاتي مات رسول الله عنهن، وهن: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أمية، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب، رضي الله عنهن جميعاً.   والمراد ببنات النبي: بناته الثلاث اللاتي كن أحياءً وقت نزول هذه الآية، وهن: زينب وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهن، أما رقية بنت رسول الله رضي الله عنها فقد ماتت سنة 2 من الهجرة. ومعنى يدنين: أي: يرخين ويسدلن عليهن من جلابيبهن.   قال البيضاوي: ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض؛ فإن المرأة ترخي بعض جلبابها، وتتلفع ببعض.
وقال ابن عرفة: ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض إما في أنواع الجلابيب أو في أجزاء كل واحد منها، وهو الظاهر؛ لأن كل امرأة لها جلبابان.   قال ابن كثير: الجلباب هو: الرداء فوق الخمار.
قاله ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد.   قال المفسرون: أي: يا أيها النبي محمد قل لزوجاتك وبناتك وجميع أزواج المؤمنين الحرائر يغطين رؤوسهن ووجوههن وأجسامهن بثيابهن الواسعة إذا خرجن من بيوتهن لحاجتهن؛ ليتميزن عن نساء الكفار والإماء.
وسترهن لشعورهن ووجوههن وأجسامهن بجلابيبهن أقرب لئلا يتعرض لهن المنافقون والفسَّاق بأذى بقول أو فعل؛ لأنهم حين يرونهن متسترات يعرفون أنهن حرائر عفيفات فلا يطمعون فيهن.
وكان الله غفورا لما سلف من المؤمنات من تركهن إدناء الجلابيب عليهن من قبل علمهن، رحيما بهن أن يعاقبهن بعد توبتهن، ورحيما بعباده ببيانه لهم الأحكام التي فيها صلاحهم.   يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/ 181، 183)، ((البسيط)) للواحدي (18/ 292)، ((أحكام القرآن)) للكيا الهراسي (4/ 350)، ((الكشاف)) للزمخشري (3/ 560)، ((تفسير ابن عطية)) (4/ 399)، ((تفسير القرطبي)) (14/ 241 - 244)، ((تفسير البيضاوي)) (4/ 238)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/ 448) و (22/ 110، 111)، ((البحر المحيط في التفسير)) لأبي حيان (8/ 504)، ((تفسير ابن كثير)) (6/ 481، 482)، ((فتح الباري)) لابن رجب (2/ 346، 347)، ((تفسير ابن عرفة)) (3/ 310)، ((تفسير الإيجي)) (3/ 367)، ((فتح القدير)) للشوكاني (4/ 350)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (22/ 107).   أحاديث وآثار تتعلق بالآية: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (لما نزلت: ﴿ يدنين عليهن من جلابيبهن ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية).
رواه أبو داود (4101) وصححه الألباني.   وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ﴾ قال: (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب).
رواه ابن جرير في تفسيره (19/ 181) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهذا الإسناد من أصح ما يُروى عن ابن عباس في التفسير، وقد اعتمد على روايته البخاري في صحيحه كثيرا.
ينظر: ((العجاب في بيان الأسباب)) للحافظ ابن حجر (1/207).   وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به) قال الراوي: قلت لابن جُريج: وما لا تضرب به؟ فأشار لي كما تجلبب المرأة، ثم أشار لي ما على خدها من الجلباب، قال: تعطفه وتضرب به على وجهها، كما هو مسدول على وجهها.
رواه أبو داود في مسائل أحمد (732) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.   وعن مجاهد في قوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن} قال: (يتجلببن فيُعلم أنهن حرائر؛ فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة).
رواه ابن جرير في تفسيره بإسناد صحيح (19/ 182).   وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحرِمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه).
رواه أبو داود (1833) وحسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة بشواهده (ص: 107).   وعن فاطمة بنت المنذر قالت: (كنا نُخمِّر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق).
رواه مالك (1176) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.   وعن الضحاك قال: (كان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرت بهم امرأة سيئة الهيئة والزي حسب المنافقون أنها مُريبة وأنها من بُغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث، ولا يعلمون الحرة من الأمة؛ فأنزل الله في ذلك: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}، يقول: إذا كان زيهن حسنا لم يطمع فيهن المنافقون).
رواه ابن جرير في تفسيره (17/ 360).   وعن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله! قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: 60] هو الجلباب، فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور: 60]، فتقول: هو إثبات الجلباب.
رواه البيهقي في السنن الكبرى (13534) بإسناد رجاله ثقات.   من أقوال العلماء في الآية: قال الجصاص: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن.
((أحكام القرآن)) للجصاص (3/ 486).   قال ابن تيمية: لما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها.
وقد حكى أبو عبيدة وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن.
وفي الصحيح: أن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يُعرفن - وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب - كان الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة.
((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/ 110، 111).   قال الألباني: قوله: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} يعني: أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عُرِفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات، فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام، بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة؛ فإن هذا مما يُطمِّع الفساق فيها والتحرش بها، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر.
فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعا بالحجاب سدًّا للذريعة.
((جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة)) للألباني (ص: 90). قال الشنقيطي: من الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن}، فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء..
فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه، معارض بقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: {يدنين عليهن من جلابيبهن} يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {قل لأزواجك}، ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذِكْر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب.
ومن الأدلة على ذلك أيضا: قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، فاستقراء القرآن يدل على أن معنى: {إلا ما ظهر منها} الملاءة فوق الثياب، ولا يصح تفسير: إلا ما ظهر منها بالوجه والكفين.
((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) للشنقيطي (6/ 243، 244).   هداية: مما تهدي إليه هذه الآية الكريمة: ترغيب النساء في ستر وجوههن وجميع أجسامهن عند عند الرجال الأجانب، فقد أمر الله رسوله أن يأمر جميع نساء المؤمنين بذلك مع أمره لأزواجه وبناته، وفي قرن عموم النساء المؤمنات بأفضل نساء هذه الأمة تشريف عظيم، ولا شك أن كل مؤمنة يُشرِّفها أن تقرن بأمهات المؤمنين وبنات الرسول وتحب أن تقتدي بهن في العمل بهذه الآية الكريمة، وإذا علمت المؤمنة أن كشف الوجه كان من عادة الإماء لا الحرائر فإنها تنأى بنفسها أن تتشبه بالإماء، بغض النظر عن اختلاف الفقهاء في كون ستر الوجه والكفين للمرأة واجب أو مستحب، وقد بين الله في هذه الآية أن هذا الستر فيه مصلحة عظيمة لهن، حيث يَسْلَمن به من أذى الفساق والمنافقين، وختم الله الآية بذكر اسميه الغفور والرحيم ليرغِّب النساء في التوبة مما أخللن من الستر، وليعلمن أن الله رحيم بهن فيما شرعه لهن من الحجاب.   تنبيه: أجمع العلماء أن ستر المرأة لوجهها وكفيها مشروع، وأنه عبادة تؤجر المرأة عليه، وإنما اختلفوا هل هو مستحب أو واجب، وأجمع العلماء أنه لا يجوز للمرأة أن تتبرج بإبداء شيء من بدنها أو زينتها التي حرَّم الله عليها إبداءها أمام الرجال الأجانب عنها، وإنما اختلفوا في إبداء وجهها وكفيها إذا لم تكن متبرجة.
ينظر: ((منحة الغفار)) لابن الأمير الصنعاني (4/ 2011-2012)، ((جلباب المرأة المسلمة)) للألباني (ص: 5، 119 - 125)، ((حراسة الفضيلة)) لبكر أبو زيد (ص: 71، 73).   مسألة: لو أن امرأة مؤمنة اطمأن قلبها لقول من يرى عدم وجوب ستر المرأة لوجهها وكفيها من فقهاء الإسلام، فهل يسوغ الإنكار عليها إذا كشفت وجهها في الطريق من غير تبرج؟ ذكر هذه المسألة ابن مفلح رحمه الله في كتابه الآداب الشرعية (1/ 280)، وقرر أنه لا يسوغ الإنكار عليها لاختلاف الفقهاء في هذه المسألة.   وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس للعالم والمفتي أن يُلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل؛ ولهذا لما استشار الرشيد مالكا أن يحمل الناس على موطئه في مثل هذه المسائل منعه من ذلك..
ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا، كان في الأمر سعة.
وكذلك قال غير مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.
ولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنكر باليد، وليس لأحد أن يُلزم الناس باتباعه فيها؛ ولكن يُتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلَّد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.
((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (30/ 79، 80).   اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيبتعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأهل بيته وأزواجه وذريته.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣