إياكم ومحقرات الذنوب
مدة
قراءة المادة :
8 دقائق
.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خرَجْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ خَيبرَ، فلم نَغنَمْ ذهبًا ولا فِضةً، إلا الأموالَ والثيابَ والمَتاعَ، فأهدَى رجلٌ من بني الضَّبيبِ يُقالُ له رِفاعَةُ بنُ زيدٍ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غلامًا يُقالُ له مِدعَمٌ، فوَجَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى وادي القُرَى، حتى إذا كان بوادي القُرَى، بينما مِدعَمٌ يَحُطُّ رَحلًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سهمٌ عائِرٌ فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنيئًا له الجنةُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كلَّا، والذي نفْسي بيدِه، إن الشملةَ التي أخَذها يومَ خَيبرَ من المغانمِ، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لَتَشتَعِلُ عليه نارًا».
فلما سَمِعَ ذلك الناسُ جاء رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَين إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: «شِراكٌ من نارٍ، -أو- شِراكانِ من نارٍ»[1].
هل كان يخطر ببال هذا الغلام أن هذه الشملة ستشتعل عليه نارًا؟
إنه رداء صغير ولعله لا يساوي عشرة دراهم، وبالرغم من ذلك قال الرسول: «لَتَشتَعِلُ عليه نارًا».
إن المؤمن الصادق يخاف ذنوبه، سواء كان هذا الذنب صغيرًا أو كبيرًا، وأما الكافر والفاجر فهو يعصي الله تعالى ليلًا ونهارًا ولا يبالي بذنوبه، وهذا حال كثير من أهل زماننا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ»، يَعْنِي المُهْلِكَاتِ [2].
وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ قُرْطٍ رضي الله عنه: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أُمُورًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُوبِقَاتِ.
قَالَ حميد: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ: صَدَقَ، وَأَرَى جَرَّ الإِزَارِ مِنْهَا [3].
كان أنس وعبادة رضي الله عنهما يقولان ذلك في زمان القرون الخيرية، فكيف لو جاؤوا فرأوا أهل زماننا؟
ومحقرات الذنوب تحتمل معان:
الأول: ما يفعله العبد من الذنوب، متوهمًا أنه من صغارها، وهو من كبار الذنوب عند الله تعالى.
والثاني: ما يفعله العبد من صغائر الذنوب، دون مبالاة بها، ولا توبة منها، فتجتمع عليه هذه الصغائر حتى تهلكه.
والثالث: ما يفعله العبد من صغائر الذنوب، لا يبالي بها، فتكون سببا لوقوعه في الكبائر المهلكة.
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من محقرات الذنوب:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: "يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا" [4].
قال بعض أهل العلم: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا" أي ملكًا مكلفًا يطلبها فيكتبها، وهذا يدل على أنها عظيمة عند الله تعالى.
قلت: وفي هذا نظر، والظاهر لي والله أعلم أن المعنى أن الله تعالى قد وكل ملائكة لكتابة أعمال العباد، وهم يكتبون أعمال العبد كلها صغيرها وكبيرها، لا كما قد يتوهم بعض الناس أن مكبرات الذنوب لا تكتب.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ" [5].
قال العلماء: وذلك أن الصغائر إذا اجتمعت ولم تكفر أهلكت صاحبها عياذً بالله.
وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَزَلُوا بِأَرْضٍ قَفْرٍ مَعَهُمْ طَعَامٌ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا النَّارُ، فَتَفَرَّقُوا فَجَعَلَ هَذَا يَجِيءُ بِالرَّوْثَةِ، وَيَجِيءُ هَذَا بِالْعَظْمِ، وَيَجِيءُ هَذَا بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا أَصْلَحُوا بِهِ طَعَامَهُمْ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَقَّرَاتِ، يَكْذِبُ الْكَذْبَةَ، وَيُذْنِبُ الذَّنْبَ، وَيَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ" [6].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِالْمُحَقَّرَاتِ» [7].
خَلِّ الذُّنُوبَ حَقِيرَهَا
وَكَثِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى
كُنْ مِثْلَ مَاشٍ فَوْقَ أَرْ
ضِ الشَّوْكِ يحْذَرُ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً
إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
وقال أبو عبد الرحمن الحُبُلي رحمه الله: مثل الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات كرجل لقاه سبع فاتقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحل إبل فاتقاه فنجا منه، فلدغته نملة فأوجعته، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى اجتمعن عليه فصَرَعْنَه، وكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقرات.
إن الذنوب صغيرها وكبيرها كالقذر الذي يصيب ثوبك، فهل ترضى أن يصيب ثوبك أي وسخ ولو كان صغيرا أو حقيرا؟
إن المؤمن يخشى ذنوبه وإن كانت صغارًا للأمور الآتية:
أولًا: الله تعالى يحاسب عباده على الصغير والكبير.
ثانيًا: المؤمن ينظر إلى عظم من عصاه وهو الله سبحانه.
ثالثًا: قد يظن العبد الذنب صغيرًا، لكنه عند الله عظيمٌ.
رابعًا: العاصي قد عرض نفسه لغضب الله وعقابه.
خامسًا: رب ذنب يظنه الإنسان صغيرا ويدخل به نار جهنم.
سادسًا: قد يموت العبد وهو يعصي الله تعالى.
سابعًا: الذنوب وإن كانت صغيرة فإنها تسبب ظلمة في القلب إذا لم يعقُبها استغفار.
ثامنًا: احتقار الذنوب واستصغارها سبب للوقوع في الكبائر والتهلكة.
تاسعًا: الذنوب يدل بعضها على بعض.
عاشرًا: الذنوب الصغار تكبر مع الإصرار.
الحادي عشر: احتقار الذنوب يعوق عن التوبة.
الثاني عشر: اجتماع المحقرات يهلك العبد.
وراجع مقالة لي نشرت على هذا الموقع بعنوان: لماذا يخشى المؤمن ذنوبه وإن كانت صغارًا؟ تكلمت عن هذه الأمور بالتفصيل.
والله الموفق..
[1] أخرجه البخاري (٤٢٣٤)، ومسلم (١١٥).
و"الشملة هي: الرداء الصغير الذي سرق من الغنيمة قبل توزيعها.
[2] أخرجه البخاري (6492).
[3] صحيح: أخرجه أحمد (3/ 470)، والدارمي (2810).
[4] حسن: أخرجه أحمد (6/ 70، 151)، وابن ماجه (4243).
[5] صحيح: أخرجه أحمد (5/ 331)، والروياني (1065).
[6] صحيح: أخرجه معمر في "جامعه" (20278)، وابن أبي شيبة (13/ 289).
[7] إسناده صحيح: أخرجه أحمد (2/ 368).