تتعالى شكوى المربين وعموم الآباء في العقود الأخيرة حول اتساع الفجوة بينهم وبين أبنائهم يومًا بعد يوم، وتتباعد بينهم الهموم والطموحات وتختلف الرؤى والاتجاهات بصورة لافتة ومخيفة أحيانًا! فأبناء يرومون التقدير والبحث عن ذواتهم، وآباء يبحثون عن السند والمعين المتفهم لآمالهم وآلامهم..
والمفارقة أن جميعهم قد أدار ظهره للآخر! فما السر في تصاعد هذه الأزمة؟!
نقول:
وإن تنوعت حيثيات الإجابة على هذا السؤال إلا أننا لن نبالغ إن أجملناه في انقطاع جسور الإمداد التربوي والثقافي والاجتماعي.. ونلخصه في "رداءة التواصل الاجتماعي" بين الآباء وأبنائهم، وتراجع المعايشة التربوية المباشرة بينهم، التي تؤهِّل لتكوين النسيج التربوي المترابط.
لا تزال الأمم تعتمد في نقل مكوناتها الثقافية والفكرية والقيمية والأخلاقية وحفظها من التشويه والعبث أو التغير والانحراف، وفي نقل تجاربها وخبراتها على أساليب التواصل المتناسبة مع كل زمان؛ بدءًا من التواصل بالإيحاءات والأصوات قبل معرفة الكلمات الحقيقية وانتهاءً بالتواصل الإلكتروني الحديث ومرورًا بالتواصل اللفظي والكتابي، لتحفظ الأمة هويتها وقيمها وعلومها.
وحاجتنا للتواصل المثمر أشد وأعظم لما نعاصره من موجة الانفتاح على الثقافات الأخرى.. وتبقى صورة التواصل الأكثر جدوى والأعمق أثرًا في الأفراد الذين يربطهم نسق اجتماعي معين هو ما يمكن أن نعرّفه "بالتواصل الاجتماعي الحي" والمعايشة المباشرة دون وسائط.
مهما اقتنعنا بجودة ما نحمله من ثقافة إسلامية رشيدة وأساليب اجتماعية موروثة نافعة أو خبرة وتجربة مفيدة؛ ستبقى عاجزة عن إحداث الفعل في أبنائنا وأجيالنا ما لم نوجد القناة الممتازة التي نحمل لهم من خلالها أجود ما نملك، ولن تكون حالنا أفضل من تحسين التواصل المباشر معهم.
وهل ثمة أسلوب عصري للتواصل يغني عن "التواصل الإيجابي الحي" الممزوج بلغة الحوار ولغة الجسد وتقاسيم الوجه ولغة الملامسة وتنهدات الأنفاس وحرارة المشاعر؟! ومشكلة المدنية المعاصرة أنها تغذي روح الأنانية، فتجعل من الوقت الذي سيقضيه الأب في صرف دواء لأحد أبنائه أو حضوره المجلس العمومي بمدرسة ابنه.. نوعًا من هدر الوقت؛ فيُوكِل المهمة لشخص آخر للقيام بها؛ إن لم تؤخَّر أو تُهمل!
وكذلك من المشكلات ما نلحظه من تحول الأبناء في بعض البيوت إلى دُمى متحركة، بعد تسليمهم للأجهزة الألكترونية الساعات الطويلة دون قيد أو هدف، فأسهمت وبشكل خطير نحو الانعزال الشعوري والهجران الاجتماعي.
والدراسات لم تخف أثر الأجهزة الألكترونية على الصحة النفسية وإن ساهمت في تنمية جوانب من الإبداع العقلي؛ فأكثر من عشرة ملايين مستخدم للإنترنت في السعودية، ويتجاوز 50% نسبة مستخدمي الأجهزة الذكية... كم نسبة مَن تفقدهم أسرهم من هؤلاء من المراهقين والمراهقات والأزواج والزوجات وعزَلَهم عاطفيًا واجتماعيًا عن أوساطهم؟!
وما مصير ا?علاقات الاجتماعية الأسرية والبناء التربوي مع ازدياد أعداد المستخدمين للإنترنت في غضون السنوات المقبلة، وتنوع الشرائح المتأثرة بالتواصل الإلكتروني الصامت والمأسورة له؟!
إن الإيمان بحيوية التواصل الحي بالأبناء وخطورته؛ يستنهض دور الآباء في انتشال الأبناء وإعادتهم إلى أمان الأسرة ومشاعرها الاجتماعية، بمبادرتهم وإسناد الأدوار المناسبة لهم، ومشاركتهم الحوار وإضفاء روح التفاعل الإيجابي، وتطبيق الهدي النبوي في الرعاية والاهتمام بشؤون الأهل وقضاء حاجاتهم ومعايشتهم لحظات المرح والمتعة، وترسيخ القيم في الأبناء عبر معايشة تربوية تفاعلية.
وهكذا سيجد الأبناء القنوات التي تنساب منها الإجابات الآمنة لأسئلتهم الملحة وتتوازن حاجاتهم وتستقر نفوسهم بين أجنحةٍ ملؤها الحب والدفء الصادق..
عبد الكريم عبد الله با عبد الله
تتعالى شكوى المربين وعموم الآباء في العقود الأخيرة حول اتساع الفجوة بينهم وبين أبنائهم يومًا بعد يوم، وتتباعد بينهم الهموم والطموحات وتختلف الرؤى والاتجاهات بصورة لافتة ومخيفة أحيانًا! فأبناء يرومون التقدير والبحث عن ذواتهم، وآباء يبحثون عن السند والمعين المتفهم لآمالهم وآلامهم.. والمفارقة أن جميعهم قد أدار ظهره للآخر! فما السر في تصاعد هذه الأزمة؟! نقول: وإن تنوعت حيثيات الإجابة على هذا السؤال إلا أننا لن نبالغ إن أجملناه في انقطاع جسور الإمداد التربوي والثقافي والاجتماعي.. ونلخصه في "رداءة التواصل الاجتماعي" بين الآباء وأبنائهم، وتراجع المعايشة التربوية المباشرة بينهم، التي تؤهِّل لتكوين النسيج التربوي المترابط. لا تزال الأمم تعتمد في نقل مكوناتها الثقافية والفكرية والقيمية والأخلاقية وحفظها من التشويه والعبث أو التغير والانحراف، وفي نقل تجاربها وخبراتها على أساليب التواصل المتناسبة مع كل زمان؛ بدءًا من التواصل بالإيحاءات والأصوات قبل معرفة الكلمات الحقيقية وانتهاءً بالتواصل الإلكتروني الحديث ومرورًا بالتواصل اللفظي والكتابي، لتحفظ الأمة هويتها وقيمها وعلومها. وحاجتنا للتواصل المثمر أشد وأعظم لما نعاصره من موجة الانفتاح على الثقافات الأخرى.. وتبقى صورة التواصل الأكثر جدوى والأعمق أثرًا في الأفراد الذين يربطهم نسق اجتماعي معين هو ما يمكن أن نعرّفه "بالتواصل الاجتماعي الحي" والمعايشة المباشرة دون وسائط. مهما اقتنعنا بجودة ما نحمله من ثقافة إسلامية رشيدة وأساليب اجتماعية موروثة نافعة أو خبرة وتجربة مفيدة؛ ستبقى عاجزة عن إحداث الفعل في أبنائنا وأجيالنا ما لم نوجد القناة الممتازة التي نحمل لهم من خلالها أجود ما نملك، ولن تكون حالنا أفضل من تحسين التواصل المباشر معهم. وهل ثمة أسلوب عصري للتواصل يغني عن "التواصل الإيجابي الحي" الممزوج بلغة الحوار ولغة الجسد وتقاسيم الوجه ولغة الملامسة وتنهدات الأنفاس وحرارة المشاعر؟! ومشكلة المدنية المعاصرة أنها تغذي روح الأنانية، فتجعل من الوقت الذي سيقضيه الأب في صرف دواء لأحد أبنائه أو حضوره المجلس العمومي بمدرسة ابنه.. نوعًا من هدر الوقت؛ فيُوكِل المهمة لشخص آخر للقيام بها؛ إن لم تؤخَّر أو تُهمل! وكذلك من المشكلات ما نلحظه من تحول الأبناء في بعض البيوت إلى دُمى متحركة، بعد تسليمهم للأجهزة الألكترونية الساعات الطويلة دون قيد أو هدف، فأسهمت وبشكل خطير نحو الانعزال الشعوري والهجران الاجتماعي. والدراسات لم تخف أثر الأجهزة الألكترونية على الصحة النفسية وإن ساهمت في تنمية جوانب من الإبداع العقلي؛ فأكثر من عشرة ملايين مستخدم للإنترنت في السعودية، ويتجاوز 50% نسبة مستخدمي الأجهزة الذكية... كم نسبة مَن تفقدهم أسرهم من هؤلاء من المراهقين والمراهقات والأزواج والزوجات وعزَلَهم عاطفيًا واجتماعيًا عن أوساطهم؟! وما مصير ا?علاقات الاجتماعية الأسرية والبناء التربوي مع ازدياد أعداد المستخدمين للإنترنت في غضون السنوات المقبلة، وتنوع الشرائح المتأثرة بالتواصل الإلكتروني الصامت والمأسورة له؟! إن الإيمان بحيوية التواصل الحي بالأبناء وخطورته؛ يستنهض دور الآباء في انتشال الأبناء وإعادتهم إلى أمان الأسرة ومشاعرها الاجتماعية، بمبادرتهم وإسناد الأدوار المناسبة لهم، ومشاركتهم الحوار وإضفاء روح التفاعل الإيجابي، وتطبيق الهدي النبوي في الرعاية والاهتمام بشؤون الأهل وقضاء حاجاتهم ومعايشتهم لحظات المرح والمتعة، وترسيخ القيم في الأبناء عبر معايشة تربوية تفاعلية. وهكذا سيجد الأبناء القنوات التي تنساب منها الإجابات الآمنة لأسئلتهم الملحة وتتوازن حاجاتهم وتستقر نفوسهم بين أجنحةٍ ملؤها الحب والدفء الصادق.. عبد الكريم عبد الله با عبد الله