الروح - أحمد كمال قاسم
مدة
قراءة المادة :
5 دقائق
.
قد يبدو السؤال غريبًا ولكن سل نفسك، من أنا؟ هل أنا يدي هل أنا قدمي هل أنا جسمي كله؟!
لو كنت صادقًا مع نفسك لأحسست أنك لست كل هذاأ ولأحسست أنك شيء مختلف يميزك مهما تغير شكلك وجسمك، ولأحسست أن هذا الجسم ما هو إلا رداء لك، يوفر لك إمكانية أن تعيش في هذا الكون المادي، وتتواءم معه، إن وجودك الحقيقي هو وجود روحك التي هي أنت، وحيث أنه لا يمكن لأحد إنكار وجوده فلا يمكن له كذلك إنكار وجود الروح، ولكن ذلك بالطبع بشرط التجرد عن الهوى والتفكير السليم..
انهزام العقل المادي أمام حقيقة الروح وعلاقتها بالموت.
إن العقل المادي ليقف أمام ظاهرتي الحياة والموت وقفة فيها حيرة عميقة، فكيف يموت الإنسان؟
هذا سؤال قد يبدو سهلًا بالنسبة لبعض العلماء الماديين، سيقول لك: "لقد أصاب العطب أجزاءه الأساسية من مخ وقلب فمات"، ولكن قل له مهلًا سيدي، لدي في جعبتي سؤالان آخران..
أولًا: لماذا يموت الإنسان فجأة؟!
وهذا هو السؤال الأسهل فيهما، فسيلاحقك برده: "إنه يموت فجأة كما تتعطل بك السيارة فجأة في الطريق".
قل له حسنًا فإليك بالسؤال الأصعب..
ثانيًا: سلمنا لك أن الإنسان يموت فجأة كما تتوقف الآلة فجأة! ولكن الآلة يمكن إصلاحها، أليس كذلك؟
فلماذا لا يستطيع الطب إعادة الحياة لإنسان قد مات؟! إذًا إجابة السؤال الأول ليست بهذه التفاهة..
لا ريب أنه توجد حلقة مفقودة لا يمكن تفسيرها بالطب الحديث، فما هي؟
إنها الروح وآلية عملها بالجسم البشري، وعلاقتها ببث الحياة فيه، وعلاقة فراقها له بموته -أيًا كان شكل وكيفية هذا الفراق.
فتأمل..
وجود الله.
إذا سلمنا بوجود شيء شديد الصلة بنا اسمه الروح، وقد فشلنا في معرفة كنهه وحقيقته، فمن باب أولى أن نسلم أنه من الحماقة إنكار وجود الله لمجرد أننا لا نراه أو لا ندركه بحواسنا الخمسة، إنها حقًا حجة سخيفة إن دلت فإنما تدل على طفولة عقلية!
إنني أؤمن بأن وجود الله لا يحتاج إلى برهان، وإنما يُدرك إدراكًا مباشرًا بحاسة روحية غير حواسنا المادية، وأن الفطرة السليمة ترى ربها بهذه الحاسة الروحية، كما ترى العين السليمة الشمس في وضح النهار، فالروح في صلة دائمة مع الله الذي نفخها فينا، فقد حدثنا الله تعالى عن نفخ الروح في أبينا آدم فقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29].
ما هية الروح والعلم البشري عبر العصور..
لقد جعل الله تعالى كنه الروح سرًا خفيًا من أسراره التي أخفاها عن البشر فإذا تأملنا في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء:85].
أقول إذا تأملنا في هذه الآية العظيمة نجد أن الآية توحى بمعنى استحالة الإحاطة بكنه الروح وأيضًا نجد أن كلمة" أوتيتم" جاءت بصيغة الماضي وحيث أن القرآن الكريم هو كتاب الله الخالد الصالح لكل العصور فإن هذا التعبير في الماضي سيظل قائمًا ابدًا ومعناه أننا مهما تقدم ينا العلم أو تقدمنا به فلن نعرف ماهية الروح على وجه التحديد
الروح مصدر الإرادة الحرة.
إننا عندما نريد شيئًا لا نريده بأجسامنا، وإنما تنبع الإرادة من مصدرها الأول وهي الروح، وبالتالي فإن إرادتنا ليست خاضعة لقوانين الفيزياء، نحن نريد ما نشاء في الوقت الذي نشاء وفي المكان الذي نشاء، إنما ما يخضع لقوانين الفيزياء عادةً هو إمكانية تنفيذ هذه الإرادة، والله تعالى يخلق أفعالنا لنا عندما تريد أرواحنا شيئًا ما، وذلك طبقًا لقوانين الفيزياء الذي وضعها هو بنفسه يقول الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات من الآية:96].
الاستنتاج:
إن الروح البشرية هي من أسرار الله في خلقه، التي يستحيل على البشر سبر غورها مهما طال بهم الأمد، وإنها لهي الحاسة التي ندرك به ربنا، ونتواصل معه اتصالًا مباشرًا في صلواتنا ودعائنا وفي غيرهم، وإنها لهي مصدر إرادتنا الحرة التي لا تخضع لأي نوع من الجبرية بفضل الله علينا، فالحمد لله رب العالمين الذي نفخ فينا من روحه. والله أعلم.