ظلت العلاقات بين العسكر والحكومات المدنية في باكستان مضطربة إما علنًا أو سرًا، ونادرًا ما خلت فترة من فترات الحكم المدني الباكستاني القصيرة دون حراجة في هذه العلاقة...لنعود قليلًا إلى الوراء وهو ما قد يتيح لنا فهمًا أعمق وأدق لمسار هذه العلاقة وراهنها ومستقبلها، فباكستان حين استقلت عن الهند عام 1947 ورثت مؤسسة عسكرية قوية والذي هو نتاج المؤسسة العسكرية البريطانية المحتلة حينها لشبه القارة الهندية والتي سبق لها أن اعتمدت بشكل كبير على العنصر البنجابي الباكستاني.
لم تمض سنوات على تأسيس باكستان حتى تفاجأ العسكر قبل غيرهم بدعوتهم إلى تسلم منصب وزارة الدفاع الذي كانت من نصيب قائد الجيش حينها الجنرال أيوب خان، فوجد الفرصة مواتية لفرض المؤسسة العسكرية على المشهد السياسي عام 1958 مستدعيًا نماذج الانقلابات العسكرية في سوريا ومصر وغيرهما، وما دامت أميركا وريثة بريطانيا في المنطقة وغيرها فقد ورثت بذورها وشتلاتها العسكرية فتمتنت وترسخت العلاقة بين راولبندي العاصمة العسكرية لباكستان والبنتاغون والسي آي إيه في واشنطن، وظلت العلاقة الباكستانية ـ الأميركية في جوهرها علاقة بين المؤسستين الأمنية والعسكرية في كلا البلدين، يُضاف إليه رغبة أميركية في اختصار طريق علاقاتها مع العالم الإسلامي من خلال التعامل مع مؤسسة عسكرية ما دام الخطر الداهم لها دائمًا أمنيًا لا تستطيع مؤسسة أخرى غير العسكر على التعاطي معه، ويزيد من سيلان لعاب الإدارة الأميركية أن مؤسسات كهذه تصدر قراراتها سريعًا دون الحاجة إلى العودة لمؤسسات بيروقراطية فضلًا عن العودة إلى الجمهور الذي ستكون الحكومات المدنية مسؤولة أمامه، وهو ما ظهر جليًا في موافقة الجنرال برفيز مشرف حين كان بالرئاسة على مطالب وزير خارجية أميركية آنئذ كولن باول ذات الست نقاط باتصال هاتفي دُهش لها الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش نفسه.
ربما جاءت الحرب الباردة بين الغرب والشرق لتزيد من أهمية العسكر في باكستان من اللحاظ الأميركي، لتتضاعف الأهمية مع الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 ، فاستغل العسكر حاجة الأميركيين لهم في مواجهة الشيوعية فانهمكوا في بناء مفاعلهم النووي، حيث كان يتحتم على الرئيس الأميركي أن يشهد سنويًا بعدم قدرتها على بنائه، لكن القطة خرجت من الكيس تمامًا في مايو أيار /1998 حين ردت باكستان بخمسة تفجيرات نووية كجواب على ثلاثة تفجيرات نووية نفذتها جارتها وخصمها اللدود الهند.
ربما تلك كانت نصف الكأس ولكن ثمة نصف آخر أيضًا فثمة قضايا حساسة ومفصلية لا يمكن للعسكر التنازل عنها في محيط اقليمي مضطرب كان مسرحًا لحروب شبه عالمية خلال العقود الماضية أولها الجهاد الأفغاني والثاني المواجهة مع طالبان وتداعيات ما يحصل في المنطقة العربية وإيران على باكستان لا تخفى، وبالتالي فيرى العسكر أن من حقهم أخذ قلقهم بشكل جدي من قبل الحكومات المدنية، وهي الحكومات التي كانت على الدوام تفضل الالتفات إلى تحسين علاقاتها مع الهند أو مع أفغانستان على حساب القلق الأمني والعسكري الذي يدفع العسكر ثمنه بشكل يومي.
لتوضيح المسألة أكثر لا بد من الخوض بشكل مباشر في تشابك العلاقة بين نواز شريف والجيش والاعتصامات التي احتشدت في إسلام آباد للمطالبة بإسقاطه، وما تردد عن دور عسكري فيها من أجل ممارسة ضغوط على شريف بعد أن تجاوز خطوطًا حمراء فاقعة يرى العسكر أنها تضر بالأمن القومي الذي يعنيهم بشكل عام.
الخطوط الحمراء كانت في إصرار شريف على محاكمة رمز المؤسسة العسكرية مشرف وهو ما سيعطي إشارات مقلقة للمؤسسة ومنتسبيها، فرأت فيها إذلالًا لها، والخط الأحمر الآخر هو إصرار شريف على المصالحة مع الهند دون أخذ الانشغالات العسكرية في الحسبان، لا سيما وأن دراسة تحدثت أن المناوشات والاشتباكات التي تدور الآن على حدود البلدين تعد الأكثر كثافة في تاريخ البلدين منذ انفصال بنغلاديش 1971، وجاء تعهد شريف للأميركيين والغربيين بشكل عام بعدم التدخل في أفغانستان فيما بعد الانسحاب الغربي ليكون القشة التي قصمت ظهر بعير العلاقة الهزيل والمهدود أصلًا.
بغض النظر عن كل هذه السردية التاريخية وعن كل سردية سياسية أو عسكرية للعلاقة بين الطرفين، وبقطع النظر عن صوابية أي منهما لا بد من تأكيد على أن الطرفين وعلى مدى عقود يغمسان خارج الصحن، والصحن هنا في الحقيقة والواقع صحن الأمن القومي، وما لم يجلس الطرفان مع المعارضة القوية في البرلمان لرسم صورة واضحة وجلية عن الأمن القومي الباكستاني وتفرعاته يتفق عليها الجميع، فإن الإشكالية ستظل، ويظل معها الطرفان يستغلان مصطلح " الأمن القومي" الغامض والضبابي من أجل أجندتهما الخاصة، وعليه لا بد من مجلس أمن قومي يدرس القضايا المستجدة بشكل دوري، ويصدر رأيه فيها، المصلحة العليا فيه لأمن باكستان وليس لأمن عسكر أو ساسة، وإلا فإن الكل سيكون محكومًا عليها بالسير في التيه.
أخيرًا فإن من يعتقد أن تصحيح الخلل في العلاقة بين المدني والعسكري يكمن في إرضاء جنرال أو إزعاج مسؤول مدني فهو مخطئ، ولعل قضية برفيز مشرف ووقوف المؤسسة العسكرية خلفه دليل على هذا، يُضاف إليه أن العلاقة بين الطرفين تم صوغها على مدى عقود وبالتالي انعكست على تصرفات الطرفين وسياستهما، وشكلت أنماط تفكير،وممارسة لديهما، وإلا فلماذا حرص رئيس الوزراء نواز شريف على جر قائد الجيش الذي هو تابع له دستوريًا على أن يكون في صفه بصراعه مع المعتصمين، بينما لجأ الأخيرون أيضًا إلى لقائه وكسبه إلى صفهم.. كل ذلك يعكس مدى الخلل في العلاقة بين الطرفين وهو ما تدفع ثمنه البلاد والعباد على مدى تاريخها.
أحمد موفق زيدان
ظلت العلاقات بين العسكر والحكومات المدنية في باكستان مضطربة إما علنًا أو سرًا، ونادرًا ما خلت فترة من فترات الحكم المدني الباكستاني القصيرة دون حراجة في هذه العلاقة...لنعود قليلًا إلى الوراء وهو ما قد يتيح لنا فهمًا أعمق وأدق لمسار هذه العلاقة وراهنها ومستقبلها، فباكستان حين استقلت عن الهند عام 1947 ورثت مؤسسة عسكرية قوية والذي هو نتاج المؤسسة العسكرية البريطانية المحتلة حينها لشبه القارة الهندية والتي سبق لها أن اعتمدت بشكل كبير على العنصر البنجابي الباكستاني. لم تمض سنوات على تأسيس باكستان حتى تفاجأ العسكر قبل غيرهم بدعوتهم إلى تسلم منصب وزارة الدفاع الذي كانت من نصيب قائد الجيش حينها الجنرال أيوب خان، فوجد الفرصة مواتية لفرض المؤسسة العسكرية على المشهد السياسي عام 1958 مستدعيًا نماذج الانقلابات العسكرية في سوريا ومصر وغيرهما، وما دامت أميركا وريثة بريطانيا في المنطقة وغيرها فقد ورثت بذورها وشتلاتها العسكرية فتمتنت وترسخت العلاقة بين راولبندي العاصمة العسكرية لباكستان والبنتاغون والسي آي إيه في واشنطن، وظلت العلاقة الباكستانية ـ الأميركية في جوهرها علاقة بين المؤسستين الأمنية والعسكرية في كلا البلدين، يُضاف إليه رغبة أميركية في اختصار طريق علاقاتها مع العالم الإسلامي من خلال التعامل مع مؤسسة عسكرية ما دام الخطر الداهم لها دائمًا أمنيًا لا تستطيع مؤسسة أخرى غير العسكر على التعاطي معه، ويزيد من سيلان لعاب الإدارة الأميركية أن مؤسسات كهذه تصدر قراراتها سريعًا دون الحاجة إلى العودة لمؤسسات بيروقراطية فضلًا عن العودة إلى الجمهور الذي ستكون الحكومات المدنية مسؤولة أمامه، وهو ما ظهر جليًا في موافقة الجنرال برفيز مشرف حين كان بالرئاسة على مطالب وزير خارجية أميركية آنئذ كولن باول ذات الست نقاط باتصال هاتفي دُهش لها الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش نفسه. ربما جاءت الحرب الباردة بين الغرب والشرق لتزيد من أهمية العسكر في باكستان من اللحاظ الأميركي، لتتضاعف الأهمية مع الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 ، فاستغل العسكر حاجة الأميركيين لهم في مواجهة الشيوعية فانهمكوا في بناء مفاعلهم النووي، حيث كان يتحتم على الرئيس الأميركي أن يشهد سنويًا بعدم قدرتها على بنائه، لكن القطة خرجت من الكيس تمامًا في مايو أيار /1998 حين ردت باكستان بخمسة تفجيرات نووية كجواب على ثلاثة تفجيرات نووية نفذتها جارتها وخصمها اللدود الهند. ربما تلك كانت نصف الكأس ولكن ثمة نصف آخر أيضًا فثمة قضايا حساسة ومفصلية لا يمكن للعسكر التنازل عنها في محيط اقليمي مضطرب كان مسرحًا لحروب شبه عالمية خلال العقود الماضية أولها الجهاد الأفغاني والثاني المواجهة مع طالبان وتداعيات ما يحصل في المنطقة العربية وإيران على باكستان لا تخفى، وبالتالي فيرى العسكر أن من حقهم أخذ قلقهم بشكل جدي من قبل الحكومات المدنية، وهي الحكومات التي كانت على الدوام تفضل الالتفات إلى تحسين علاقاتها مع الهند أو مع أفغانستان على حساب القلق الأمني والعسكري الذي يدفع العسكر ثمنه بشكل يومي. لتوضيح المسألة أكثر لا بد من الخوض بشكل مباشر في تشابك العلاقة بين نواز شريف والجيش والاعتصامات التي احتشدت في إسلام آباد للمطالبة بإسقاطه، وما تردد عن دور عسكري فيها من أجل ممارسة ضغوط على شريف بعد أن تجاوز خطوطًا حمراء فاقعة يرى العسكر أنها تضر بالأمن القومي الذي يعنيهم بشكل عام. الخطوط الحمراء كانت في إصرار شريف على محاكمة رمز المؤسسة العسكرية مشرف وهو ما سيعطي إشارات مقلقة للمؤسسة ومنتسبيها، فرأت فيها إذلالًا لها، والخط الأحمر الآخر هو إصرار شريف على المصالحة مع الهند دون أخذ الانشغالات العسكرية في الحسبان، لا سيما وأن دراسة تحدثت أن المناوشات والاشتباكات التي تدور الآن على حدود البلدين تعد الأكثر كثافة في تاريخ البلدين منذ انفصال بنغلاديش 1971، وجاء تعهد شريف للأميركيين والغربيين بشكل عام بعدم التدخل في أفغانستان فيما بعد الانسحاب الغربي ليكون القشة التي قصمت ظهر بعير العلاقة الهزيل والمهدود أصلًا. بغض النظر عن كل هذه السردية التاريخية وعن كل سردية سياسية أو عسكرية للعلاقة بين الطرفين، وبقطع النظر عن صوابية أي منهما لا بد من تأكيد على أن الطرفين وعلى مدى عقود يغمسان خارج الصحن، والصحن هنا في الحقيقة والواقع صحن الأمن القومي، وما لم يجلس الطرفان مع المعارضة القوية في البرلمان لرسم صورة واضحة وجلية عن الأمن القومي الباكستاني وتفرعاته يتفق عليها الجميع، فإن الإشكالية ستظل، ويظل معها الطرفان يستغلان مصطلح " الأمن القومي" الغامض والضبابي من أجل أجندتهما الخاصة، وعليه لا بد من مجلس أمن قومي يدرس القضايا المستجدة بشكل دوري، ويصدر رأيه فيها، المصلحة العليا فيه لأمن باكستان وليس لأمن عسكر أو ساسة، وإلا فإن الكل سيكون محكومًا عليها بالسير في التيه. أخيرًا فإن من يعتقد أن تصحيح الخلل في العلاقة بين المدني والعسكري يكمن في إرضاء جنرال أو إزعاج مسؤول مدني فهو مخطئ، ولعل قضية برفيز مشرف ووقوف المؤسسة العسكرية خلفه دليل على هذا، يُضاف إليه أن العلاقة بين الطرفين تم صوغها على مدى عقود وبالتالي انعكست على تصرفات الطرفين وسياستهما، وشكلت أنماط تفكير،وممارسة لديهما، وإلا فلماذا حرص رئيس الوزراء نواز شريف على جر قائد الجيش الذي هو تابع له دستوريًا على أن يكون في صفه بصراعه مع المعتصمين، بينما لجأ الأخيرون أيضًا إلى لقائه وكسبه إلى صفهم.. كل ذلك يعكس مدى الخلل في العلاقة بين الطرفين وهو ما تدفع ثمنه البلاد والعباد على مدى تاريخها. أحمد موفق زيدان