بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. ورد في السنة النبوية والآثار العديد من الملابس التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، حاصل ما جاء فيها أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما يتيسر من اللباس الذي كان معروفًا في قومه، فلا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، ولا يتميز بلبسة دون الناس، ولا يقتصر على لبسة واحدة، بل يلبس من أنواع القماش كلها إلا الحرير، ومن أنواع الثياب ما كان ساترًا جميلًا منها، وقد جمع العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى خلاصة ما ورد في الأحاديث من وصف ملابس النبي صلى الله عليه وسلم، ننقله هنا مع شيء من الاختصار، ولا نُطوِّلُ على القارئ الكريم بذكر الأحاديث الواردة في ذلك، فمحلها كتب السنة الشريفة، يمكن الرجوع إليها في كتب اللباس والزينة.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "كانت له عمامة -ما يُلفُّ على الرأس، كما هو اللباس الشعبي في بعض البلاد اليوم كاليمن والسودان- تُسمى: السحاب، كساها عليًا، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة، وكان يلبَس القلنسُوة بغير عمامة، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة، وكان إذا اعتمَّ أرخى عِمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن حريث قال: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المنبرِ وَعَلَيهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ قَدْ أرخَى طَرفَيهَا بينَ كَتِفَيْهِ"، وفي مسلم أيضًا عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ عمَامَةٌ سَودَاء"، ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبةُ القتال والمِغفَرُ على رأسه ، فلبسَ في كل مَوطِنٍ ما يُناسبه. ولبس صلى الله عليه وسلم القميص -وهو: كالثياب المعروفة اليوم، وفي بعض البلاد يسمى(الجلباب أوالجلابية)-، وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كُمُّه إلى الرُّسُغ. ولبس الجُبَّةَ -وهي: ثوب سابغ، واسع الكُمَّين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب، يشبه في زماننا الجبة في اللباس الأزهري المعروف، انظر (المعجم الوسيط: [1/104]). والفَرّوج، وهو شبه القَباء -وهو: ثوب يلبس فوق الثياب، ويتمنطق عليه- (انظر: المعجم الوسيط: [2/713]). والفرجية -وهي: ثوب واسع طويل الأكمام، يتزيا به علماء الدين. انظر: (المعجم الوسيط: [2/679]). ولبس في السفر جُبة ضَيِّقَةَ الكُمَّين. ولبس الإِزار والرداء -وهو: اللباس الذي يلبسه الناس في الإحرام اليوم-، قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طولَ ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان، طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر. ولبس حُلة حمراء، والحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلة إلا اسمًا للثوبين معًا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتًا لا يُخالطها غيره، وإنما الحلةُ الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي. ولبس الخميصة المُعْلَمَةَ والساذَجَة. ولبس ثوبًا أسود. ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس. روى الإِمام أحمد وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك: "أن ملك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ، فلبسها، فَكأَنِّي أنظرُ إلى يَدَيْه تَذَبْذَبانِ". قال الأصمعي: "المساتق فراء طوال الأكمام". قال الخطابي: "يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس؛ لأن نفس الفروة لا تكون سندسًا". واشترى سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبَسها، وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. ولبس الخفين، ولبس النعل الذي يسمى التَّاسُومة. ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند. ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة، ولبس الدرع التي تسمى: الزردية، وظاهر يومَ أُحد بين الدرعين. وفي (صحيح مسلم) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فأخرجت جبةَ طيالِسة كَسِروانية لها لبنةُ دِيباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، فقالت: "هذِهِ كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلما قبضت قبضتُها"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبَسُها، فنحنُ نَغْسلهَا للمرضى تسْتَشفى بها. وكان له بردان أخضران - البردة كساء مخطط مفتوح المقدم يوضع على الكتفين كالعباء لكنه أصغر منها، يلتحف به لابسه أو يسدله سدلًا، وقريب منه الكساء- وكِساء أسود، وكساء أحمر ملبَّد، وكساء من شعر. وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول، قصيرَ الكُمَّين، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء. وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ والحِبَرَةُ، وهي ضرب من البرود فيه حمرة. وكان أحبَّ الألوان إليه البياضُ، وقال: «هي مِنْ خَيْرِ ثِيَابكُمْ، فَالبسوها، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكمْ» وفي (الصحيح) عن عائشة أنها أخرجت كِساءً ملبَّدا وإزاراَ غليظًا فقالت: "قُبِضَ روح رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذين". وأما الطيلسان -وهو: غطاء يطرح على الرأس والكتفين، أو على الكتفين فقط-، يلبسه اليوم كثير من القساوسة وأحبار اليهود ، (انظر: المعجم الوسيط : [2/553]) ، فلم ينقل عنه أنه لبسه، ولا أحدٌ من أصحابه، بل قد ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدَّجَّال فقال: «يخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبِهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيالِسَةُ»، ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة، فقال: "ما أشبَههُم بيهود خيبر". ومن ها هنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف. وكان غالبُ ما يلبس هو وأصحابُه ما نُسِجَ مِن القطن، وربما لبسوا ما نُسِجَ من الصوف والكتَّان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: "دخل الصَّلْتُ بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جُبة صوف، وإزارُ صوف، وعِمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد، وقال: أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى بن مريم ، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسُنَّةُ نبينا أحقُّ أن تُتَّبَعَ". ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضلُ من غيره، فيتحرَّونه ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرَون زِيًّا واحدًا من الملابس، ويتحرَّون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا، وليس المنكرُ إلا التقيد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها. والصواب أن أفضل الطرق طريقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها، وأمر بِها، ورغَّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديَه في اللباس أن يلبس ما تيسر مِنَ اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية، والبردَ الأخضر، ولَبسَ الجبة، والقَباء، والقميص، والسراويل، والإِزار، والرداء، والخف، والنعل، وأرخى الذؤابة من خَلْفِه تارة، وتركها تارة، وكان يتلحَّى بالعمامة تحت الحنك، وكان إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه، وقال: «اللَّهمَّ أَنتَ كَسَوتَنِي هذا القَمِيصَ أَو الرِّدَاءِ أَوِ العِمَامَةَ، أَسْألُكَ خَيرَهُ وَخَيرَ مَا صنعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صنعَ لَهُ». وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامِنه. ولبس الشعر الأسود ، كما روى مسلم في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّل مِنْ شَعَر أَسْوَدَ". وفي (الصحيحين) عن قتادة قلنا لأنس: "أيُّ اللباسِ كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" قال: "الحِبَرَة". والحِبَرة: برد من برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان مِن نسج اليمن؛ لأنها قريبة منهم، وربما لبسوا ما يُجلب مِن الشَّام ومصر، كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبطُ. وفي (صحيح النسائي) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بُردة من صوف، فلبسها، فلما عَرِق فوجد رِيحَ الصوف، طرحها، وكان يُحبُ الرّيحَ الطَّيِّب. وفي (سنن أبي داود) عن عبد اللّه بن عباس قال: "لَقَدْ رأيتُ عَلَى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ". وفي (سنن النسائي) عن أبي رِِمْثَةَ قال: "رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخضَرَانِ". والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر، وهو كالحلة الحمراء سواء، فمن فهم مِن الحُلة الحمراء الأحمر البحت، فينبغي أن يقول إِنَّ البرد الأخضر كان أخضرَ بحتًا، وهذا لا يقولُه أحد" انتهى باختصار. (زاد المعاد: [1/135-145]). ومن أراد الاطلاع على صور أسماء الألبسة السابقة الواردة، فيمكنه الرجوع إلى كتاب (اللباس والزينة من السنة المطهرة) لمحمد عبد الكريم القاضي، كما يمكن الرجوع لمعرفة تفاصيل هيئات هذه الألبسة إلى كتاب (المعجم العربي لأسماء الملابس) لرجب إبراهيم، وكتاب (المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب) للمستشرق دوزي رينهارت. وقد رجعنا إليه ونقلنا كتابيًا ما يمكن أن يوضح صورة اللباس الحقيقية. والله تعالى أعلى وأعلم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. ورد في السنة النبوية والآثار العديد من الملابس التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، حاصل ما جاء فيها أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس ما يتيسر من اللباس الذي كان معروفًا في قومه، فلا يرد موجودًا، ولا يتكلف مفقودًا، ولا يتميز بلبسة دون الناس، ولا يقتصر على لبسة واحدة، بل يلبس من أنواع القماش كلها إلا الحرير، ومن أنواع الثياب ما كان ساترًا جميلًا منها، وقد جمع العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى خلاصة ما ورد في الأحاديث من وصف ملابس النبي صلى الله عليه وسلم، ننقله هنا مع شيء من الاختصار، ولا نُطوِّلُ على القارئ الكريم بذكر الأحاديث الواردة في ذلك، فمحلها كتب السنة الشريفة، يمكن الرجوع إليها في كتب اللباس والزينة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "كانت له عمامة -ما يُلفُّ على الرأس، كما هو اللباس الشعبي في بعض البلاد اليوم كاليمن والسودان- تُسمى: السحاب، كساها عليًا، وكان يلبَسُها ويلْبَسُ تحتها القَلَنسُوة، وكان يلبَس القلنسُوة بغير عمامة، ويلبَسُ العِمامة بغير قلنسُوة، وكان إذا اعتمَّ أرخى عِمامته بين كتفيه، كما رواه مسلم في ( صحيح مسلم ) عن عمرو بن حريث قال: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المنبرِ وَعَلَيهِ عِمَامَة سَوْدَاءُ قَدْ أرخَى طَرفَيهَا بينَ كَتِفَيْهِ"، وفي مسلم أيضًا عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ عمَامَةٌ سَودَاء"، ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابة، فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنه دخل مكة وعليه أهبةُ القتال والمِغفَرُ على رأسه ، فلبسَ في كل مَوطِنٍ ما يُناسبه. ولبس صلى الله عليه وسلم القميص -وهو: كالثياب المعروفة اليوم، وفي بعض البلاد يسمى(الجلباب أوالجلابية)-، وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كُمُّه إلى الرُّسُغ. ولبس الجُبَّةَ -وهي: ثوب سابغ، واسع الكُمَّين، مشقوق المقدم، يلبس فوق الثياب، يشبه في زماننا الجبة في اللباس الأزهري المعروف، انظر (المعجم الوسيط: [1/104]). والفَرّوج، وهو شبه القَباء -وهو: ثوب يلبس فوق الثياب، ويتمنطق عليه- (انظر: المعجم الوسيط: [2/713]). والفرجية -وهي: ثوب واسع طويل الأكمام، يتزيا به علماء الدين. انظر: (المعجم الوسيط: [2/679]). ولبس في السفر جُبة ضَيِّقَةَ الكُمَّين. ولبس الإِزار والرداء -وهو: اللباس الذي يلبسه الناس في الإحرام اليوم-، قال الواقدي: كان رداؤه وبرده طولَ ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان، طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر. ولبس حُلة حمراء، والحلة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلة إلا اسمًا للثوبين معًا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتًا لا يُخالطها غيره، وإنما الحلةُ الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر البحتُ منهي عنه أشد النهي. ولبس الخميصة المُعْلَمَةَ والساذَجَة. ولبس ثوبًا أسود. ولبس الفَروة المكفوفة بالسندس. روى الإِمام أحمد وأبو داود بإسنادهما عن أنس بن مالك: "أن ملك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ، فلبسها، فَكأَنِّي أنظرُ إلى يَدَيْه تَذَبْذَبانِ". قال الأصمعي: "المساتق فراء طوال الأكمام". قال الخطابي: "يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس؛ لأن نفس الفروة لا تكون سندسًا". واشترى سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبَسها، وقد روي في غير حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. ولبس الخفين، ولبس النعل الذي يسمى التَّاسُومة. ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند. ولبس البيضة التي تسمى: الخوذة، ولبس الدرع التي تسمى: الزردية، وظاهر يومَ أُحد بين الدرعين. وفي (صحيح مسلم) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فأخرجت جبةَ طيالِسة كَسِروانية لها لبنةُ دِيباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، فقالت: "هذِهِ كانت عند عائشة حتى قُبِضَت، فلما قبضت قبضتُها"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبَسُها، فنحنُ نَغْسلهَا للمرضى تسْتَشفى بها. وكان له بردان أخضران - البردة كساء مخطط مفتوح المقدم يوضع على الكتفين كالعباء لكنه أصغر منها، يلتحف به لابسه أو يسدله سدلًا، وقريب منه الكساء- وكِساء أسود، وكساء أحمر ملبَّد، وكساء من شعر. وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول، قصيرَ الكُمَّين، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج، فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء. وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ والحِبَرَةُ، وهي ضرب من البرود فيه حمرة. وكان أحبَّ الألوان إليه البياضُ، وقال: « هي مِنْ خَيْرِ ثِيَابكُمْ، فَالبسوها، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكمْ » وفي (الصحيح) عن عائشة أنها أخرجت كِساءً ملبَّدا وإزاراَ غليظًا فقالت: "قُبِضَ روح رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذين". وأما الطيلسان -وهو: غطاء يطرح على الرأس والكتفين، أو على الكتفين فقط-، يلبسه اليوم كثير من القساوسة وأحبار اليهود ، (انظر: المعجم الوسيط : [2/553]) ، فلم ينقل عنه أنه لبسه، ولا أحدٌ من أصحابه، بل قد ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدَّجَّال فقال: « يخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ يَهُودِ أَصْبِهَانَ عَلَيْهِمُ الطَّيالِسَةُ »، ورأى أنس جماعة عليهم الطيالسة، فقال: "ما أشبَههُم بيهود خيبر". ومن ها هنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف. وكان غالبُ ما يلبس هو وأصحابُه ما نُسِجَ مِن القطن، وربما لبسوا ما نُسِجَ من الصوف والكتَّان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال: "دخل الصَّلْتُ بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جُبة صوف، وإزارُ صوف، وعِمامة صوف، فاشمأزَّ منه محمد، وقال: أظن أن أقوامًا يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى بن مريم ، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن، وسُنَّةُ نبينا أحقُّ أن تُتَّبَعَ". ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضلُ من غيره، فيتحرَّونه ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرَون زِيًّا واحدًا من الملابس، ويتحرَّون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا، وليس المنكرُ إلا التقيد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها. والصواب أن أفضل الطرق طريقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها، وأمر بِها، ورغَّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديَه في اللباس أن يلبس ما تيسر مِنَ اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية، والبردَ الأخضر، ولَبسَ الجبة، والقَباء، والقميص، والسراويل، والإِزار، والرداء، والخف، والنعل، وأرخى الذؤابة من خَلْفِه تارة، وتركها تارة، وكان يتلحَّى بالعمامة تحت الحنك، وكان إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه، وقال: « اللَّهمَّ أَنتَ كَسَوتَنِي هذا القَمِيصَ أَو الرِّدَاءِ أَوِ العِمَامَةَ، أَسْألُكَ خَيرَهُ وَخَيرَ مَا صنعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ ما صنعَ لَهُ ». وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامِنه. ولبس الشعر الأسود ، كما روى مسلم في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "خرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّل مِنْ شَعَر أَسْوَدَ". وفي (الصحيحين) عن قتادة قلنا لأنس: "أيُّ اللباسِ كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" قال: "الحِبَرَة". والحِبَرة: برد من برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان مِن نسج اليمن؛ لأنها قريبة منهم، وربما لبسوا ما يُجلب مِن الشَّام ومصر، كالقباطي المنسوجة من الكتان التي كانت تنسجها القبطُ. وفي (صحيح النسائي) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بُردة من صوف، فلبسها، فلما عَرِق فوجد رِيحَ الصوف، طرحها، وكان يُحبُ الرّيحَ الطَّيِّب. وفي (سنن أبي داود) عن عبد اللّه بن عباس قال: "لَقَدْ رأيتُ عَلَى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحُلَلِ". وفي (سنن النسائي) عن أبي رِِمْثَةَ قال: "رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخضَرَانِ". والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خضر، وهو كالحلة الحمراء سواء، فمن فهم مِن الحُلة الحمراء الأحمر البحت، فينبغي أن يقول إِنَّ البرد الأخضر كان أخضرَ بحتًا، وهذا لا يقولُه أحد" انتهى باختصار. (زاد المعاد: [1/135-145]). ومن أراد الاطلاع على صور أسماء الألبسة السابقة الواردة، فيمكنه الرجوع إلى كتاب (اللباس والزينة من السنة المطهرة) لمحمد عبد الكريم القاضي، كما يمكن الرجوع لمعرفة تفاصيل هيئات هذه الألبسة إلى كتاب (المعجم العربي لأسماء الملابس) لرجب إبراهيم، وكتاب (المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب) للمستشرق دوزي رينهارت. وقد رجعنا إليه ونقلنا كتابيًا ما يمكن أن يوضح صورة اللباس الحقيقية. والله تعالى أعلى وأعلم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.