اليهود والتوتر بين غزة ومصر
مدة
قراءة المادة :
7 دقائق
.
لا تكاد إسرائيل تصدق ما تراه بأم العين من حِراكٍ للجيش المصري على الحدود الجنوبية لقطاع غزة بعد أن تواترت الأنباء عن أن ما تقوم به الآليات العسكرية المصرية ليس فقط هدم الأنفاق وإغلاق طرق التهريب، كما صرّح عدد من المسؤولين المصريين، وهو ما يقع بردًا وسلامًا على صنّاع القرار في تل أبيب.
بل إن حجم قلق الفلسطينيين، وعلى رأسهم حركة حماس، ازداد بصورة متسارعة في الأيام الأخيرة بعد ورود أنباء عن نوايا مصرية بإقامة منطقة أمنية عازلة على الحدود المشتركة، ورغم شح المعلومات حول هذا الموضوع، لكن ما توافر من معطيات يشير إلى أن الجيش المصري سيقيم منطقة عازلة على طول الحدود مع غزة بعرض 500 متر، لمنع التهريب والسيطرة على الأنفاق.
وقد قام كاتب هذه السطور بجولة ميدانية على الحدود المصرية - الفلسطينية، وشاهد إزالة الجيش المصري كل ما يتواجد في المنطقة القريبة على الحدود مع غزة بمسافة 250-300 متر، كي تتحرّك قواته على الحدود براحة أكبر، ويمكن بسهولة مراقبة التحرُّكات العسكرية، وسماع دوي الانفجارات التي يقوم بها لتفجير المنازل التي يشتبه بوجود أنفاق أسفل منها.
منطقة مكشوفة
كما تواصلت هاتفيًا مع بعض سكان المنطقة الحدودية المصرية مع غزة، وأكدوا أنهم تلقوا من الجيش بلاغات بضرورة إخلاء منازلهم، ودمَّر 13 منزلًا في حي "الصرصورية" بعد اكتشاف فوهات أنفاق بداخلها، وشرعت جرافات عسكرية بإزالة الأشجار الكثيفة المنتشرة على الحدود في رفح.
ورغم أن المنطقة العازلة سيتم إقامتها داخل حدود مصر ، لكن أحد كبار العاملين بمجال الأنفاق في غزة قال إنها ستُشكِّل كابوسًا لقطاع التهريب، سواءً الأسلحة أو البضائع؛ لأن الحدود المصرية -الفلسطينية بعد إقامة المنطقة العازلة ستشبه الحدود المصرية الإسرائيلية قرب مدينة إيلات، والحدود الفلسطينية الإسرائيلية شرق غزة.
وأضاف: ستكون منطقة جرداء مكشوفة للجيش المصري دون عناء أو استعانة بأقمار صناعية وأجهزة متطورة، بل يكفي نشر عدة أبراج عسكرية على طول المنطقة كما تفعل إسرائيل، بما يعني القضاء على إمكانية تزويد غزة باحتياجاتها الأساسية.
وقد علمتُ من مصادر مطلعة داخل سيناء بخروج مسيرات حاشدة للمصريين من سكان المنطقة الحدودية بمحيط دوار "سلامة" بمنطقة الصرصورية ومحيط ميدان الجندي المجهول القريبين من الحدود في اليومين الأخيرين، وقاموا بإشعال عدد كبير من إطارات السيارات تعبيرًا عن رفضهم للقرار.
وتحدث الصحفيون عن أن الجيش المصري أرسل تعزيزات عسكرية من آليات ومدرعات لمحيط المناطق الحدودية التي تشهد تظاهرات، وحلّقت مروحيات عسكرية شرق معبر رفح.
بل إن الخبير العسكري المصري اللواء طلعت مسلم توقّع أن تشهد سيناء الفترة القادمة عمليات مسلحة من قبل بعض أهاليها ممن يستخدمون الأنفاق في تجارتهم، بعد تدمير قوات الجيش منازلهم.
على صعيد رد فعل حماس، فإن قنوات تواصلها مع مصر شبه منقطعة في جميع الاتجاهات، وقد علمت بقرار المنطقة العازلة من وكالات الأنباء، ما جعل الخبر يقع عليها كالصاعقة المدوية، ليُشكِّل مفاجأة غير سارة، وحاولت بدقة متناهية صياغة رد فعل أولي حذر.
واقتصر رد فعل حماس الرسمي على القرار المصري، على الناطق باسم حكومتها في غزة، إيهاب الغصين، الذي قال إن المناطق العازلة لا تكون بين الإخوة وحدود الدول الشقيقة؛ لأن غزة هي خط الدفاع الأول عن مصر، متمنيًا ألا تكرّس هذه الخطوة الحصار على غزة، وتفاقم معاناة أهلها.
واعتبر مشير المصري، عضو المجلس التشريعي عن حماس، المنطقة العازلة استكمالًا للجدار الفولاذي الذي أقامه الرئيس المخلوع مبارك، وامتدادًا لجدار الفصل العنصري في الضفة الغربية الذي أقامه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون!
تهدئة الميدان
فيما نفى د.
يوسف رزقة، المستشار السياسي لرئيس حكومة حماس في غزة إسماعيل هنية، وجود أي حالة عِداء بين غزة ومصر تُبرِّر إقامة المنطقة العازلة، نافيًا وجود أي أسباب أمنية وعسكرية لإنشائها، معتبرًا أن إسرائيل هي الطرف الوحيد السعيد من هذا القرار.
ولئن كان رد الفعل الرسمي الصادر عن حماس ناعمًا دبلوماسيًا، فإن مصدرًا مطِّلِعًا في الحركة قال إن المنطقة العازلة تفتح صفحة جديدة من التوتر مع السلطات المصرية، سواءً لما تُشكلِّه من أضرار اقتصادية معيشية على سكان القطاع، أو ما سيُسفِر عنها من تضييق الخناق على القوى المسلحة للتزود بالعتاد المطلوب الذي كان يمرّ عبر الأنفاق.
وأضاف: المفارقة التي نعيشها اليوم أن حماس تحدثت مع مصر إبان حقبة الرئيس المعزول محمد مرسي عن إقامة منطقة تجارية حرة على الحدود المشتركة، وتمت مناقشتها بينهما، وتحديدها على الأرض من الناحية التفصيلية، من أجل التبادل التجاري بين غزة ومصر، وإنهاء تجارة الأنفاق التي تدخل على مصر سنويًا قرابة مليار دولار، كما تقول المصادر الاقتصادية.
أما على الصعيد الميداني، فقد نظم الجهاز العسكري لحماس، كتائب القسام، عرضًا عسكريًا للعشرات من مسلحيه في مدينة رفح على الحدود مع مصر، أثناء ركوبهم سيارات دفع رباعي، بتاريخ 23/8/2013م، وقد أثار ذلك ردود فعل متباينة داخل حماس؛ لأنه يرسل رسائل استفزازية لمصر، وقد يزيد من تصعيدهم للعلاقة مع الحركة، واتهامها بأحداث مسلحة داخل سيناء، دأبت الحركة على نفيها دائمًا.
فيما أعلنت جماعة السلفية الجهادية وجيش الإسلام في غزة، إقامة خيمة دعوية كبرى بمدينة رفح الحدودية مع مصر، رغم أن علاقتها بحماس ليست على ما يرام في الآونة الأخيرة، فيما أعلنت كتائب المقاومة الإسلامية، وهي تشكيل عسكري جديد ظهر لأول مرة في نوفمبر 2012م وله توجهات سلفية؛ أنها ستضرب تل أبيب إذا قام الجيش المصري باقتحام غزة، وأي قذيفة مدفعية تطلق على غزة من الحدود المصرية ستقوم بردها على إسرائيل.
ومع ذلك؛ فإن الأجواء السائدة في حماس لا تذهب باتجاه تصعيد الموقف مع مصر، سواءً سياسيًا أو عسكريًا، بل إن هناك آراء تدفع نحو التهدئة معها، وعدم إفساح المجال لأي سلوك ميداني قد يزيد من حدة الموقف صعوبة على غزة.
أخيرًا..
فإن الحديث السائد في قطاع غزة اليوم بعد قرار مصر إقامة المنطقة العازلة على حدود غزة، وصل إلى حد التكهن بإمكانية نشوب مواجهة مسلحة بين الجانبين، للدرجة التي دفعت وكالة "الرأي" الرسمية التابعة لحكومة حماس، إلى عنونة أحد تقاريرها بالقول: هل يهاجم الجيش المصري قطاع غزة؟
عدنان أبو عامر