الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله؛ رجل العلم والجهاد

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .

غيّب الموت في شهر رمضان الفضيل عالِمًا جليلًا فذًا وعلمًا من أعلام الدعوة الإسلامية والعلوم الشرعية بدولة الجزائر قلّ أن يتكرّر مثله وهو سماحة الشيخ عبد الرحمن شيبان أحد المجاهدين الذين ناصروا الدعوة الإسلامية في الجزائر منذ وقت مبكر وأسسوا فيها صروح العلم والفكر والإصلاح.

فقد عرفته الجزائر داعية ومصلحًا ومفكرًا ورجل إجماع يجتمع حول كلمته العلماء والساسة، كما عرِفته الأمَّة الإسلامية مدافعًا عن قضاياها العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ولد الشيخ عبد الرحمن بن شيبان سنة 1818م، ببلدة الشرفة الجزائرية.
وتعلم القرآن الكريم وتلقى مبادئ العربية، والتوحيد، والفقه، بمسقط رأسه وفي العشرين من عمره شدَّ الرحال إلى الجامعة الزيتونية بتونس سنة 1938م، ونال شهادة التحصيل في العلوم سنة 1947م، وإلى جانب ذلك كان يقوم بالنشاط الثقافي، وترأس جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين بتونس.

في عام 1948م عيّنه رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإمام الرحال محمد البشير الإبراهيمي أستاذًا للبلاغة والأدب العربي، بمعهد الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة وفي عام 1954م صُنِّف من أساتذة الطبقة الأولى بالمعهد بقرار من المجلس الإداري لجمعية العلماء كما أصبح عضوًا عاملًا في الجمعية وعضوًا في لجنة التعليم العليا المكلفة بإعداد مناهج التربية والتعليم، والكتب المدرسية بمدارس الجمعية المنتشرة في أرجاء القطر الجزائري.

بداية حياته المهنية:

عمل محرِّرًا في الجرائد الجزائرية منها جريدة النجاح، والمنار، والشعلة وغيرها وكان من الكُتاب الدائمين في جريدة (البصائر) لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بتكليف من الإمام الإبراهيمي، المدير المسؤول عن الجريدة.

جهاده بالنفس والقلم:

التحق بالمجاهدين في المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني خلال ثورة التحرير بالجزائر.
وكان عضوًا في لجنة الإعلام فيها، وشارك في تحرير جريدة (المقاومة الجزائرية، لسان حال جبهة وجيش التحرير الوطني، وفيها كتب عدة مقالات هامة تحت ركن "صفحات خالدة من الإسلام" يسقط فيها الماضي على الحاضر.

واقتيد رحمه الله إلى مخافر الشرطة الفرنسية، بعدما أصبح معهد بن باديس بقسنطينة -الذي كان الشيخ أحد أركانه- يزود الثورة بالمجاهدين.

بعد استقلال الجزائر:

ساهم مساهمة إيجابية مع مجموعة من النواب من أهل العلم والجهاد في جعل الإسلام دين الدولة و"العربية اللغة الوطنية الرسمية" حيث كان من أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد دستور الجزائر، وذلك في مواجهة التيار التغريبي الذي طالب بإصرار بأن يكون "الإسلام دين الشعب" و"العربية لغة الشعب"، حتى لا يكون للدولة الجزائرية الوليدة أي التزام بتطبيق تعاليم الإسلام، واستعمال اللغة العربية في أجهزة الدولة.

جمع نخبة من أعضاء جمعية العلماء ومعلميها، لإحباط دعوة تجعل "اللائكية" أساسا للدستور الجزائري فكان الرد الحاسم بتوجيه نداء إلى الشعب الجزائري للتمسك بدينه.

عُيِّنَ مفتشًا عاما للغة والأدب العربي، والتربية الإسلامية في مؤسسات التعليم الثانوي الرسمي بمرسوم رئاسي.
في مارس 1964م، وكان نائبًا للمرحوم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في رئاسة اللجنة الوزارية المكلفة بإدراج المعلمين والأساتذة الذين كانوا في التعليم العربي الإسلامي الحُرّ.

تولى رئاسة اللجنة الوطنية المكلفة بالبحث التربوي التطبيقي والتأليف المدرسي، للمرحلتين: الإعدادية والثانوية بوزارة التربية الوطنية، وأشرف على تأليف نحو (20) كتابًا في القراءة، والأدب، والنقد، والتراجم، والبلاغة، والعروض، والتربية الإسلامية.

في المجال الديني:

عُيِّنَ وزيرًا للشؤون الدينية لمدة ست سنوات (1980-1986)م حيث أشرف على تنظيم ستة ملتقيات سنوية للفكر الإسلامي منها: ملتقى للقرآن الكريم، فالسنة النبوية، فالاجتهاد، فالصحوة الإسلامية، فالإسلام والغزو الثقافي، فالإسلام والعلوم الإنسانية.
وكان عضوًا في المجلس الإسلامي الأعلى وشارك في الندوات العلمية والدينية والتربوية، داخل الوطن وخارجه.
إضافة إلى كونه أحد الأعضاء المؤسسين لمجمع الفقه الإسلامي الدولي مُمَثِلًا للجزائر حتى وفاته رحمه الله.

وكان له إسهامه الفاعل في تأسيس معهد أصول الدين بالعاصمة (معهد العلوم الإسلامية حاليًا) وبذل جهدا في افتتاح "جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية" بقسنطينة، وتعيين الداعية المصلح الإسلامي المرحوم الشيخ محمد الغزالي رئيسًا لمجلسها العلمي، وتمكينه من إلقاء دروسه المتلفزة المشهورة المتمثلة في حديث الاثنين.

ومن جهوده رحمه الله أن طبع آثار إمام النهضة الجزائرية المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، وفي طليعتها: (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ومجالس التذكير من حديث البشير النذير).

شجع قراءة صحيح البخاري ، رواية ودراية، في مساجد العاصمة وفي أرجاء الجزائر، كما ترأس بعثات الحج الجزائرية إلى الأراضي المقدسة (1980-1986)م.

جهوده بعد التقاعد:

يرجع الكثيرون الفضل الكبير للشيخ عبد الرحمن شيبان في إعادة بعث جمعية العلماء، خاصة بعد صدور القانون الخاص بالجمعيات عام 1992م فقد أعاد بمعية زملائه بناء هياكل الجمعية وفروعها بالولايات، لتغطي التراب الوطني كاملًا.
كما أسس مكاتب لها في عدد من البلدان الإسلامية والأوروبية كمكتب لندن وكان النائب الأول لرئيس الجمعية الشيخ أحمد حماني رحمة الله عليه، ورئيسا لتحرير البصائر لسان حالها.

ظل مداومًا على إلقاء دروس دينية في التفسير ، والحديث، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، في المساجد، والمراكز الثقافية في العاصمة وغيرها.

وتولى رحمه الله رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وإدارة جريدة البصائر الأسبوعية، لسان حال الجمعية منذ سنة 1999م وعلى صفحاتها دافع كما لم يدافع أحد قبله عن الجمعية ورد الشبهات حولها في سلسلة من المقالات تحت عنوان (حقائق وأباطيل).

استرجع في 27 يناير 2002م (نادي الترقي) التاريخي الذي وُلدت في أحضانه جمعية العلماء بالعاصمة سنة 1931م فاستأنف نشاطاته بمحاضرات أسبوعية، كما أنه بعث تراث جمعية العلماء المتمثل في جرائدها: الشريعة ، السنة، الصراط، الشهاب، والبصائر كاملة (12 مجلدًا) وأسس وأشرف على شُعب جمعية العلماء في مختلف الولايات.

مواقفه:

كان من أبرز المتصدين إلى جانب فضيلة الشيخ القرضاوي لفتوى الأزهر بجواز بناء الجدار الفولاذي على حدود غزة المحاصرة وقال: "أرى أن من الجرأة على الدين أن يعتبر الأزهر كل الذين يعارضون بناء الجدار مخالفين لما أمرت به الشريعة..."، وأعلن في المقابل عن وقوفه إلى جانب الشيخ القرضاوي الذي أفتى بأن "بأن بناء هذا الجدار هو عملٌ محرّم شرعًا لأنه يسد كل المنافذ على أهلنا في القطاع ليزيد من حصارهم وتجويعهم وإذلالهم والضغط عليهم، حتى يركعوا ويستسلموا للعدو المتربص الحاقد القاتل".

أفتى بعدم وجود عذر شرعي يبيح للأئمة "عدم إعطاء الصلاة حقها بنية إدراك شيء دنيوي" وذلك في معرض ردِّه على الجدل الذي أثير حول جواز اختصار صلاة التراويح لتمكين الآلاف من متابعة مباراة كرة القدم بين منتخبي الجزائر وزامبيا حيث قال: "حاولوا افتكاك فتوى مني تُبيح لهم اختصار التراويح، فقلت لهم إن التراويح ليست واجبة لكن من يُفضِّل متابعة جلد منفوخ تتقاذفه الأرجل، على أداء حق الله فهو مسئول عن أفعاله، وبهذا أخليت مسؤوليتي أمام الله".

مرضه ووفاته:

بعد رحلة عمر في الدّعوة والفكر والعمل للإسلام دامت 93 عامًا انتقل الفقيد إلى جوار ربه إثر مرض عُضال ألزمه الفراش بإحدى العيادات الخاصة بالعاصمة الجزائرية ودفن بمقبرة سيد أعمر الشريف بمسقط رئسه بولاية البويرة وحضر مراسم الدفن وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بوعبد الله غلام الله إلى جانب عدد من الوزراء والشخصيات الوطنية والدعوية، ونعى بوفاته عدد من الشخصيات على رأسهم الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة إضافة إلى عدد من الهيئات والمؤسسات الإسلامية على رأسها هيئة علماء المسلمين في العراق، ورابطة علماء فلسطين ، ورابطة العلماء السوريين، وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ومؤسسة القدس الدولية، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحركة مجتمع السِّلِم، وحركة النهضة في الجزائر.

ألا رحم الله الشيخ عبد الرحمن شيبان فقد كان من الرجال الذين حفظوا بلدهم من مخططات الاستعمار الفرنسي ومحاولاته طمس الهوية العربية والإسلامية للشعب الجزائري، وحفظوا أبناء وطنهم من مشاريع التغريب والتغييب...
الذين رحلوا وتركوا جيلًا تربّى على أفكارهم وتضطلع من علومهم ومعارفهم ليكملوا المسير.


محمد لافي
 

شارك المقال

المرئيات-١
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت