أرشيف المقالات

من الأدب الإيطالي

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 الليالي العشر ترجمة اليوزباشي الأديب احمد طاهر يعد جيوفاني بوكاشيو زعيم النثر الإيطالي غير منازع في زعامته، وكانت رسائله نبراسا يستضيء به الكتاب من بعده، ونذكر منهم بترارك، شوسر، دريدن، كيتس، تنيسون.
أولئك وغيرهم كانوا فيما يخرجون للناس من كتب يغترفون من بحر بوكاشيو ويستلهمون وحيه ويتقفون أثره. ولد في قرية سرتالدو التي تبعد عشرين ميلا عن فلورنسا ونشأ بها.
ولما جاوز الحول السادس والعشرين رحل إلى نابولي وكانت مهد غرامه ومهبط وحي الحب على قلبه، فشغف بحب (ماريا داكوينو) فبدأت من حياته صفحة جديدة فياضة بالخير سيالة بالنفع.
فلقد كان حبها حبا كريما: بسط على نفس الفتى فضله فلقي فيه ما لقي المحبون من سعادة ونعيم، وفاض على نفوس الناس أجمعين بما أوحى إلى الفتى، فتلقوا منه نثرا هو أبدع ما أخرج للناس من أقلام الكاتبين، فيه دقة، وفيه روعة، وفيه جمال، على نحو ما خلقت الفتاة من دقة وروعة وجمال.
حتى لقد زعم الناس أن هذا البيان إن هو إلا وحي يوحي من الفتاة إلى هذا المحب المختار، ثم اصبح زعمهم يقينا فأغمضوا العين عن تلك الصلة الوشيجة بين المحبين، وانصرفوا إلى فضل الفتاة على رسائله، فما يذكرونها إلا برسائله وما يذكرون رسائله إلا بها، وغالوا فيما انصرفوا إليه فسموا الفتاة (صاحبة رسائل بوكاشيو).!! وعاد الفتى إلى فلورنسا عام 1350 وكان قد انتهى من كتابة الليالي العشر أو كاد، وأخرجها إلى الناس عام 1353م.
ولقد دفعه إلى كتابتها عاملان ألحا عليه: رغبته في إخراج شيء بديع قيم يزجيه إلى محبوبته، ولا أبدع لدى الكاتب من ثمرات قلمه، والزلفى إلى ملكة نابولي، وكانت تشتهي أن تقرأ للفتى خير ما ينتجه يراعه. وكانت عودته إلى فلورنسا في الوقت الذي أفلتت فيه المدينة من براثن الطاعون، ونضت عنها قميص قيصر بعد أن لم يترك فيها موضعا بغير قرح، ولا عضو بغير جرح.
وك هذا الوباء على ما روى لنا الكتاب حديث الناس في تلك السنين العجاف، فما كان عجبا أن يصدر بوكاشيو كتابه بوصف هذه المحنة التي تزلت بالبلاد.
ولقد وصفها في بيان فصيح، وأسلوب صريح، ثم تخلص من وصف الوباء إلى سرد قصصه المائة في الليالي العشر التي قدر لها أن تكون من اكبر كتب العالم مدى الدهر الفتيات السبع هذه إحدى قصص الليالي العشر، أو هي مقدمة قصص الليالي نوردها في اختصار وتلخيص، لا نحاول أن نتسامى إلى منزلة الكاتب في براعة الأسلوب، ولا ندعي القدرة على مجاراته في ميدان البلاغة، ولكن حسبنا الأمانة في النقل والدقة في التعبير عما أراده الكاتب مما كتب، أمانة ودقة لا ينقص منهما ما يقتضيه الأسلوب العربي من أحكام وأوضاع. فلورنسا اجمل مدائن إيطاليا، وأبهاها، وأغناها، تصبح ما بين عشية وضحاها أفقر البلاد واشدها بؤسا وفاقة بما أصابها من كارثة الوباء التي نزلت بها عام 1348م.
لقد كان هذا الوباء مرضا ملحا جبارا لم تفلح فيه عقاقير الأطباء ولا اعتصام الناس بالعزلة والفرار.
وماذا تعني العزلة وماذا يفيد الفرار؟ والوباء ينساب بين الناس انسيابا تحمله أنفاسهم حين يتحدث بعضهم إلى بعض، ويسري بينهم إذا لمس السليم ثياب الموبوء.
حتى إذا بدت على الجسم علامات حمر كانت نذيرا بالموت لا مفر منه، ودليلا على انقضاء الاجل، وتصرم أسباب الأمل، إن هي إلا أيام ثلاثة ثم ينتهي كل شيء إلى ما تنتهي إليه كل الأشياء. وغشي الناس من هول الكارثة فزع وجزع.
وإذا فزع الناس فما ايسر خروجهم على القوانين الوضعية، وإذا خلت قلوبهم من طمأنينة الثقة فما أيسر خروجهم على الشرائع السماوية، فإن تحرروا من هذه وتلك فليفعل كل امرئ ما شاء.
وإنهم لواجدين في هذه الفوضى متسعا لإشباع الشهوات، ورضاء النزوات، ومتى لم يكن من الموت بد ففي رأيهم أن من الخرق أن تموت عابسا كئيبا، وهذه قصور الأغنياء وخدور الغانيات فلنقتحمها وردا، ولننعم فيها قبل الموت بما حرمنا منه في الحياة، ولنمت وعلى وجوهنا ابتسامة اللذة ومخاييل السرور!! كذلك كانوا يقولون.
على أن بعض الناس أقام بينه وبين الناس سدا وحسب أن الحمية تعصمه من فتك المرض وظن بعضهم أن في الاعتصام بالجبال والتأبد في الخلاء، منجاة من الوباء، ففروا تاركين وراءهم حطام الدنيا ومتاع الحياة، وما يغني متاع الحياة وحطام الدنيا إذا فر الأخ من أخيه، وفصلت الزوجة عن زوجها، وأفزع الآباء والأمهات عن فلذات الأكباد؟ هذه جثث الموتى متناثرة في الطرق رأيتها بعيني ورأيت الكلاب تدس أنوفها في الأجساد فيسري إليها الداء، فتخر صريعة على الأرض وتقعد مكانها بين ضحايا الوباء. في خمسة اشهر من العام بين مارس ويوليو فتك الطاعون بمائة ألف من الأنفس، وما كنا نحسب أن في فلورنسا هذا العدد من الناس. ولكن! مالي اردد ذكرى هذه الفاجعة، ولقد برمت بها وبذكراها! أليس الخير كل الخير في أن يجتنب المرء ذكر ما تسوئه ذكراه، وينسى ما يجد السبيل إلى أن ينساه؟ فلأذكر إذا أنه عندما أصبحت فلورنسا قفرا من الأهل والسكان جمعت البأساء بين فتيات سبع لهن من الجمال حظ وافر، وعليهن من الثياب سواد، واجتمعن يوم الثلاثاء في كنيسة سنت ماري، ولم تحو الكنيسة غيرهن من شهود الصلاة.
وكانت تربطهن فوق رابطة البأساء صلة القرابة الوشيجة، وصلة أوثق من هذه وتلك هي صلة الصداقة والوفاء.
شهدن الصلاة ثم انتبذن ناحية من الكنيسة خلصن فيها نجيا يتدبرن فيما يجمل بهن أن يتخذن من سبيل في الحياة وقد تخلين عن متاع الدنيا وتخلى عنهن الأهل والخلان.
قالت كبراهن - يامبينيا: (الرأي عندي أن نرحل عن فلورنسا فننجو بأنفسنا من خطرها المحدق وشرها المحيق، وأي خطر اشد من الطاعون، وأي شر أسوء من أولئك المارقين يجوسون الطرق ويقتحمون الدور؟ هيا إلى الريف نجد فيه مراغماً، وهواء طلقا، وحياة وادعة، في كنف التلال الخضراء والمزارع تموج فيها الحنطة كموج البحر، ولا يرى البصر إلا نعيماً، مالنا ولهذه المدينة الخاوية على عروشها تبعث في النفس أمض الذكريات وأقساها؟). - قالت فلومينا (وكيف السبيل إلى هذه الرحلة وليس لنا ساعد من الرجال؟). - قالت أليزا (وأين الرجال يا أختاه، وكل أترابنا منهم قد تبدد شملهم، وانصدع جمعهم، فمنهم من فتك به الطاعون، ومنهم من ضرب في الأرض لا يعرف له مستقر فهم لا يرجعون). وفيما هن يقلبن الرأي على وجوهه إذ وفد عليهن ثلاثة فرسان: فتيان في ميعة الصبى وروعة الجمال، خرجوا يلتمسون بين الناس فتيات لهم بهن صلة، وما كانوا يبحثون إلا عن (نيفيل) و (يامبينا) و (فيلومينا) من فتياتنا السبع. صاحت يامبينا (لقد ابتسمت لنا الأقدار فساقت إلينا ثلاثة رجال أكفاء أشداء وأنا زعيمة لكن بأنهم سيلبون دعوتنا إذا دعوناهم) ثم أقبلت على الفرسان تقص عليهم ما كان فيه يتحدثن، وطلبت إليهم في توسل ورجاء أن يكونوا عونا لهن ونصراء، وأن يصحبوهن إلى حيث أردن. ضحك الفرسان منهن وتندروا على هذا الرأي ما شاء لهم أن يتندروا، ثم أنسوا من الفتيات جدا في الرأي وصلابة في العزم، فأذعنوا راضين، وتقدموا غير هازلين، وافترق الجمع على أن يكون الرحيل عن فلورنسا في صبيحة اليوم التالي. وذر من الشمس شعاع، فهب الفتيات والفرسان ومعهم الوصفاء وساروا على هدى العزيمة فرسخا ألقوا بعده عصا الترحال، وكان ذلك عند شَرَف من الأرض يشبه التل، تجلل هامته غابة باسقة الرماح، ممتدة الصفاح، يقوم في جوفها صرح شاهق يعجبك رواؤه، ويبهرك بناؤه، قد انبسط تلقاءه سرح فسيح، وتشعبت في أنحائه أبهاء واسعة، وفي مقاصيره من دلائل العز والميسرة، تحف مثورة، وصور مشهورة، وحاطت بالقصر حدائق ذات أشجار وأثمار تقوم على ريها نافورات تقذف بسهام الماء، فكأنما يصب على الأرض من السماء.
وكان كل ما في القصر متسقا منضوداً، كأنما أعد لاستقبال الوافدين، واسترواح المتعبين؛ وظل الفتيات والفتيان يمشون في سروحه وارجائه، وأفنيته وأبهائه، ويقطفون من زهوره وأثماره، ويتغنون في هذه الجنان، بأعذب الألحان، حتى حان موعد الغداء فمد سماطه في بهو الولائم.
وما انتهوا منه حتى تناول (ديونيو) أحد الفرسان آلة من آلات الموسيقى، وأمسكت (فيامتا) إحدى الفتيات بآلة أخرى، وواءمتا بين نغمتين طرب من مزاجهما الجميع حتى غنى ورقص ما وسعه الجهد. وظلوا كذلك حتى أدركهم الليل وهم في طربهم ماضون، وأسلمهم التعب إلى نوم عميق، وكانوا قد اتفقوا فيما بينهم على أن ينصبوا (يامبينيا) أميرة عليهم في الغداة، ولها عليهم حق الامر، وعليهم لها واجب الطاعة، على أن تدبر لهم شأن المحافل والجلسات وما يتخللها من الملاهي والمسرات. وفي ضحوة اليوم التالي لبوا دعوة الأميرة وانتظموا حولها فحيتهم تحية جميلة، وأخذت عليهم في رفق ولين تكاسلهم عن النهوض مبكرين، وفي نوم الضحى مضرة للأبدان تشفق منها عليهم وتعيذهم من إذا ها.
ثم سارت أمامهم إلى واد ذي زرع أخضر تقوم على عطفيه أشجار باسقة، وقالت: (هنا الشمس مشرقة مشرفة، ترسل علينا أشعة حامية محرقة، فليس من الرأي أن نواصل المسير ضنا راحتنا وحرصا على هنائنا، فلنجلس إلى ظل هذا الوادي الوادع تحت أغصان الزيتون، ولتكن جلستنا على نحو دائرة لا يلتقي طرفاها، وليقصص كل واحد وكل واحدة منا قصة شيقة، فإن هدأت الشمس وانكسرت حدتها اتخذنا في اللهو سبيلا آخر؛ ولتكن أنت يا (بامفيلو) أول من يقص علينا قصته: واستوى الفتى في جلسته وقص القصة الآتية: - (يتبع) اليوزباشي احمد الطاهر

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣