أرشيف المقالات

الكتب

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 ترجمة نفسية تحليلية 3 - هو ذا تاريخ إنسان.
! للأستاذ خليل هنداوي (ومع ذلك فكيف لي أن أكتب عن جبران من غير أن أذكر نفسي وقد كان بيننا من القرابة ما كان؟) ميخائيل نعيمة (الناقد الفنان يترك أثراً من نفسه في شخصية من يحلله، لأنه يحلل بنفسه ويفهم بنفسه (درسوا جبران في غضون الكتاب، ولم يدرسوا (نعيمة) وإنما في الكتاب وجهان متلاصقان في ناحية مفترقان في ناحية، لا يفترقان في ناحية إلا ليجتمعا، ولا يجتمعان إلا ليفترقا.
) (خ.
هـ) - 2 - وجه ميخائيل نعيمة لنعيمة - في كتاب جبران خليل جبران - وجه بادي الملامح مستقل النزعة، يجب أن نفتش عنه كما نفتش عن وجه جبران؛ ولا يكمل أحدهما إلا بالآخر.
ففيه نعيمة الإنساني ونعيمة الشاعر، ونعيمة المصور، ونعيمة الناقد.
لأنه ليس من أولئك الناقدين الجافين الذين يعجزون عن تمثيل شخصياتهم فيما يكتبون وفي أي نوع كتبوا؛ ونعيمة صاحب فلسفة يعمل لها وصاحب مذهب اجتماعي يدور حوله ويؤمن به كل الإيمان.
قد أخذ جبران مثلاً له، وألف من حياته رواية نفسية لفتى استحوذ عليه القلق، وألم بخيوط تلك الحياة وحاكها بفلسفته الإنسانية، وبلغ به ما شاء أن يبلغه الفن الذي يترجمه صاحبه والناس إلى قوة تنشط بهم من عقالات المعيشة المحدودة إلى المعيشة التي لا تحد.
فلسفة نعيمة الإنساني تكاد تطغى على كل تعاليمه موجة الإنسانية التي لا تقيم بين بني الإنسان حدوداً وفواصل. فهنالك الإنسانية المتصلة الشاملة المشتركة في الألم والهناء، الساخرة من هذه التقاليد التي فصلت بين أبناء الأصل الواحد.
وإذا عدت إلى فصله (تمخضت الفأرة فولدت جبلاً) عرفت ذلك العدو الذي فكك بين وشائح الإنسانية الحقيقية، وجاء بوشائح كاذبة مستعارة يبني عليها حضارته الجديدة ينظر نعيمة إلى الحياة المتآلفة في باطنها، المتنافرة في ظاهرها، حيث يمتزج كل شيء بشيء، ويتصل كل جزء بجزء، ولا جزء يستطيع أن يفنى بالانفصال.
يبشر (نعيمة) بهذه الدعوة الإنسانية التي يجد عروقها مغروسة في الشرق، والتي بشر بها الشرق من أزمان.

والإنسانية - في اعتقاده - لا تفر من نفسها إلا إلى نفسها - ولكن السامعين نداء أنفسهم قليل! وهي لا تقسم طرقها إلا لتجد سبيلها الواحد ومحجتها الواحدة فلسفة تحب العرى النفسي المجرد والطبيعة السامية، ألم يقل لي في حديث له (هذا الجبل عاريا ما أجمله! أحب كل عار في الحياة لأنه يظهر على الحياة بحقيقته) إن الحياة عارية والإنسانية عارية، فلماذا نستر عريهما بأوهامنا وتقاليدنا؟ والحياة جوهر عار فلماذا نجعل منها مركباً تفرح لتركيبه عقولنا وتضل عنه أرواحنا؟ (الحياة شركة شاملة للواحد فيها ما للكل، وللكل ما للواحد.
لأن الكل هو الواحد والواحد هو الكل.
لكننا أفسدنا تلك الشركة بما أدخلناه عليها من روح الاستئثار والكسب عندما جعلنا ثمناً لكل هباتها التي لا تثمن.
) وهذه الإنسانية المجردة التي يبشر بها (نعيمة) قد لا تروق للبعض لضيق آفاقهم، ولأن عقولهم تزين لهم أن يطعنوا هذه الإنسانية ويردوها منهزمة مجرحة.

وقد تثبت هذه الإنسانية أمام العقل، لأن (نعيمة) يستمد هذه الإنسانية من قلبه لا من عقله، فهو يريد لها القلوب وعاء لا العقول.
وقد جرب (نعيمة) كما جرب غيره أن يقف على غاية الحياة بعقله، جرب كثيراً وتاه كثيراً لأنه كلما بلغ به عقله نقطة، ضاعت عنه الثانية، فليس له إلا ما يبلغه أمامه، وليس له من ورائه شيء، سار به عقله إلى سلسلة متناقضات يصارع بعضها بعضاً وينفي بعضها بعضاً، وأين سبيل النجاة أيها العقل؟ وأخيراً يجد نعيمة سبيل النجاة في واحة الخيال المنعتق من كابوس المقاييس الزمنية والمكانية والتفلت من قيود التقاليد.
وجده في الخيال ووجد إنسانيته في الخيال، يخاطبه الناس بعقولهم ويخاطبهم بخياله وومضاته، أما طريق الوصول إليه، فهو الفن الذي يحمل صاحبه على جناحي الخيال إلى تلك المعيشة التي لا تحد - من الإنسان في الله، إلى الله في الإنسان فهو مع الحياة في سلم أبدي، لأن الحياة طاهرة الجوهر، لا تتمخض بالسوء؛ وهب أنها تمخضت بسوء - كما تراه مداركنا - فهذا السوء سوء عندنا، وليس بسوء عند الحياة، الحياة التي تسعى وراء تحقيق غايتها، وإنما الأجدر بنا أن نؤلف بين غايتنا وغاية الحياة، لأن السعادة التامة الكاملة، إنما تتم في هذه الألفة! وأنى لنا أن ندرك سبل الحياة وغايتها؟ - ستدرك كل ذلك - أيها الإنسان عندما تصبح إلهاً! (ما أشفق الحياة على بناتها وعلى أبنائها، فلا تضع في حدقتي مخلوق من نورها أكثر مما يحتاجه ذلك المخلوق ليستدل على طريقه.
ولا تودع ساقيه من قوتها أكثر مما يلزمه لقطع المسافة التي تخطها له) والإنسان خلال ذلك مزهو بكبريائه، تسول له ذاته أن يكون رب نفسه، والحياة تشفق على هذه الربوبية الضعيفة وتحضنها كالأم التي تحضن ولدها العاق المتألم - ستعرف غايتي أيها الإنسان عندما تصبح إلها! (يتبع) خليل هنداوي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣