أرشيف المقالات

كلمة معالي الأستاذ / الحبيب الشطي

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
11وها هي منظمة المؤتمر الإسلامي تشق اليوم طريق العمل الجاد لخير كل المسلمين على كل صعيد، مهتدية بتوجيهات قادة هذه الأمة المخلصين، مستفيدة من آرائهم، متمتعة برعايتهم، محققة بفضل ذلك إنجازات طيبة متمثلة في إنشاء عديد من المؤسسات العاملة بجد واهتمام لتحقيق الوحدة الإسلامية نظرياً وعملياً ولشد الأمة الإسلامية إلى عقيدتها وأصولها وتراثها الحضاري. وبفضل تعاون علماء هذه الأمة – عبر المجمع – على التعريف بالنظريات الفقهية وبالمبادئ العامة في العدالة والحرية والأمن والسلم، وعلى تطبيق أحكام الشريعة تطبيقاً يجمع ما بين التطور والتفتح اللذين يقتضيهما العصر الحديث من ناحية والتمسك بالأصالة والارتباط بالعقيدة، من ناحية أخرى.
وإذا حققنا ذلك فعلاً أمكننا السير بثبات على طريق العزة والكرامة والسؤدد والانتصار. وإن أهمية الفقه الإسلامي في مجتمعاتنا الإسلامية تتجلى في كونه يتناول بشكل مباشر حياة الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات في المجتمعات غير الإسلامية.
ولذا فإن المؤسسة الجديدة التي تشرع منذ اليوم في عملها مؤسسة تعلق عليها أهمية كبرى لأنها ستتولي إصدار الفتاوى المنسجمة مع تطور الحياة في هذا العصر دون أن تخرج على مبادئ الدين الحنيف، كما أنها ستتولي وضع بحوث وآراء ودراسات تمكن قادة الأمة الإسلامية من أن يستوحوا منها الأنظمة المناسبة للمؤسسات والمجتمعات الإسلامية، مما يوفر الانسجام بين مختلف دولنا ويؤدي بالتالي إلى تمهيد طريق التضامن والوحدة أمام هذه الأمة.
ولا يخفي أننا اليوم، نظراً لمقتضيات الحياة المعاصرة، ونظراً لرواسب عهد التخلف والاستعمار الذي حاول التقليل من شأن تشريعنا وشتت صفوفنا بصورة جعلت كلا منها يجتهد منفرداً دون أن يهتم بما يصدر عن أشقائه من اجتهاد، في حاجة إلى مثل هذه الفتاوى أكثر من أي وقت مضى. أيها السادة ... إن السر في انتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بسرعة لم تعرفها الأديان التي سبقته وفي ازدهار الحضارة الإسلامية ازدهارًا لا مثيل له في تاريخ الإنسانية، يعود إلى ارتباط أجدادنا بعقيدتهم.
وإلى حرصهم المستمر على مراعاة الانسجام بين وقائع الحياة اليومية والأسس العامة للإسلام باعتباره منهجاً كاملاً لحياة الإنسان، صالحاً لكل زمان ومكان، وقد أبرزت هذا الانسجام إلى حد بعيد القاعدة الفقهية السليمة والمتينة التي أرساها أجدادنا لتنظيم حياة الفرد والأسرة والمجتمع، ولتنظيم علاقاتهم مع المجتمعات الأخرى خارج دار الإسلام. ولقد مكنت تلك القاعدة المسلمين من تنظيم حياتهم تنظيماً دينياً ودنيوياً في وقت واحد.
إذ أنهم جمعوا ما بين العبادة والعمل: فقد آمنوا بالله أعمق إيمان وأخلصوا له.
وتفانوا في الوقت نفسه، في إتقان أعمالهم، تفانياً جعلهم قادة التطور والتقدم والرقي كما جعلهم رواد زمانهم في حقول العلم والفكر والابتكار والإبداع، ولم يكن غريباً والحال هذه أن تنشر حضارتهم ظلالها على كل أرجاء الكرة الأرضية، مما جعل الشعوب الأخرى التي كانت إذ ذاك تعيش في ظلام القرون الوسطى ترسل أبناءها إلى جامعاتنا ومؤسساتنا الحضارية ليتزودوا من مناهل العلم والمعرفة بما يعود بالنفع عليهم.
ومن المعلوم أن الحضارة الغربية المعاصرة هي نتاج حضارتنا الزاهرة. وكما نجح أجدادنا في رفع راية الإسلام بالإيمان والعمل، فإننا لا شك قادرون على أن نحذو حذوهم لنعيد إلى الإسلام مكانته ومجده، لا سيما وأننا نتوفر على إمكانات وطاقات وثروات لم يتوفر مثلها لأجدادنا.

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير