للأستاذ ضياء الدخيلي
وإذا طوينا النواحي العلمية لصوم رمضان وأقبلنا نتحسس صداه في الشعر ونتلمس أثره في الأدب العربي وجدنا رمضان عبئًا ثقيلًا على الشعراء المتحللين من قيود الإسلام الأدبية وإن كانوا اسمًا في ربقة المسلمين، أقصد أولئك الشعراء الهائمين في وديان الغرام وراء الجواري والغلمان المترددين بكثرة على حانات الخمور ومواخير الفجور، قال أبو نواس يهجو رمضان ويتبرم من ظله الثقيل على أهوائه:
إلا يا شهر كم تبقى ... مرضنا ومللناكا
إذا ما ذكر الحمد ... لشوال ذممناكا
فياليتك قد بنت ... وما نطمع في ذاكا
لقد كان رمضان كابوسًا على الشعراء السادرين في بيداء الضلالة الهائمين وراء اللذات في كل واد، ساحقين في سبيل متعتهم كل القيود الأدبية. ولم يقتصر عليهم ثقل الصوم فهناك نفوس لا تتحمل الجوع ولا ترضخ لهذه الرياضة النفسية والجسمية فتثور في وجه التقاليد وتعلن تمردها على أحكام الصوم ومن ذلك ما قاله أعرابي ألزم بالصوم في مدينة جاء يزور أقاربه فيها فلم يطق الصوم وأرتحل وهو يقول:
يقول بنو عمي وقد زرت مصرهم ... تهيأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي ... سلام عليكم فاذهبوا بسلام
فبادرت أرضًا ليس فيها مسيطر ... على ولا مناع أكل طعام
وقال إعرابي آخر حضته امرأته على الصوم فأباه:
أتأمرني بالصوم لا رد درها ... وفي القبر صوم يا أميم طويل
روى ذلك ابن قتببة الدينوري في عيون الأخبار. ولكن الشعراء الذين قيدتهم التربية الإسلامية وزجرتهم عن مهاوي اللهو والباطل والمغريات بالفساد كانوا يرحبون بهذا الشهر الذي فيه تدريب النفس وضبطها وكبح جماحها ففي غالية المواعظ لنعمان الألوسي قال شاعر يرحب برمضان:
قد جاء شهر الصوم فيه الأمان ... والعتق والفوز بسكنى الج شهر شريف فيه نيل المنى ... وهو طراز فوق كم الزمان
طوبى لمن قد صامه واتقى ... مولاه في الفعل ونطق اللسان
ولكن هذه الأبيات أشبه بكلام الفقهاء منها بشعر الشعراء. وشاء أبو نواس أن يشارك أهل الزهد في هداهم كما تبرز في ميدان الفسوق وفاق الخلعاء في غوايتهم وتهتكهم، ورغب تلميذ ولبة بن الحباب أن لا تخلو من سابقة حلبة شعرية فترك في التقوى والورع أبياتًا سيارة تنافي ما أشتهر عنه من فساد الطريقة، فمن ذلك ما رواه أبو هفان من أن العتابي لما تنسك نهي أن ينشد شعر أبي نواس فأظله شهر رمضان فدخل إليه رجل معه رقعة فيها
شهر الصيام غدا مواجهنا ... فليبهجن رعية النسك
أيامه كوني سنين ولا ... تفني فلست بسائم منك
فكتب العتابي البيتين وقال وددت أنهما لي بجميع ما قلته من طارفي وتليدي، فقال الرجل أنهما لأب نواس فمزق الرقعة ورمى بها. وكان أبا نؤاس بعد أن أغترف من معين اللذات بكلتا يديه عافها وزهد فيها زهد الملل والسأم لا زهد الورع والعفة فمال عن الدنيا وهو يردد بيتيه السائرين:
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت مرح اللهو حيث أساموا
وبلْغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
وفي ديوان أبي نواس باب واسع للزهد بحثت فيه عن هذين البيتين الذين أعجب بهما العتابي فلم أجدهما، وليس هما بالجودة التي تسبغها عليها القصة فلعلهما من وضع القصاصين قاصدين الغرابة والطرافة. ولقد صادف عنف أحكام المجتمع الإسلامي في رمضان على الشعراء المتمردين على الآداب العامة - رد فعل قوي فيهم فنتج أدب ثائر صاخب على هذا الكابوس الذي حال بينهم وبين ما يشتهون ومنعهم من الاندفاع في تيارات لهوهم ومعاقرتهم اللذات، ففي عصر ازدهار الحضارة الإسلامية يصرخ أبو نواس في بغداد عاصمة الخلافة العباسية ويصخب صائحًا ممزقًا ثوب ريائه الشفاف:
منع الصوم العقارا ... وزوى اللهو فغارا
وبقينا في سجون الصوم ... للهم أسارى
غير أنا سندارى ... فيه من ليس يدارى نشرب الليل إلى ... الصبح صغارًا وكبارًا
وإذا غاب فتى ... منا شربنا (اليادكارا)
نتغنى ما اشتهينا ... هـ من الشعر جهارا
أسقني حتى تراني ... أحب الديك حمار
وقوله شربنا (اليادكارا) هذه الكلمة فارسية ومعناها الذكرى أي شربنا نخب الذكرى للغائب.
لكن أبن المعتز يتراجع عن الحان ويرد السقاة على أعقابهم احترامًا لقدسية رمضان ويقول:
ونهاني الصيام عن سفه الكأ ... س فردت على السقاة المداما
فإذا تولى شهر حرمان النفس من شهواتها يهب ابن المعتز مصفقًا طربًا بحبيبته الخمر ويقول مبتهجًا:
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... الآن فاغد على المدام وبكر
وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
ويشاركه القاضي الفاضل في فرحته بالعيد فيقول:
قضى تحبه الصوم بعد المطال ... وأطلق من قيد فتر الهلال
فدع ضيقة مثل شد الأسار ... إلى فرجة مثل حل العقال
وقم هائها مثل ذوب النضار ... وموج البحار وطعم الزلال
ويتبعهما بعد أجيال وقرون شوقي شاعر مصر بالأمس فيتغنى فرحًا بتخلصه من غل رمضان:
رمضان ولى هائها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
ما كان أكثره على ألافها ... وأقله في طاعة الخلاق
بالأمس قد كنا سجيني طاعة ... واليوم من العيد بالإطلاق
ضحكت إلى من السرور ولم تزل ... بنت الكروم كريمة الأعراق
ويذكرني حنين الشعراء إلى الخمر في هذا الشهر المبارك الذي تحارب فيه الموبقات ووسائل الفساد بما نقله محمود شكري الألوسي في (بلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب) من أن العرب في جاهليتهم كانوا يكثرون في شهر رمضان من شرب الخمر لأن الذي يتلوه هو شهور الحج التي يمتنعون فيها من السكر وكانوا يعتبرون رمضان أول شهور السنة وبه يبدؤنها ويسمونه (ذيمر) ولم يعدم المجتمع الإسلامي من الظرفاء من يتماجن متحديًا أحكام رمضان الصارمة فقد قال بعض الأدباء مستفتيًا الفقهاء مازحًا هازلًا وعلى سبيل الدعابة:
هذا رمضان كلنا نخشاه ... من أجل الصيام
ما قولك يا فقيه في فتواه؟ ... عجل بكلام
من بات معانقًا لمن يهواه ... في جنح ظلام
هل يفطر عندما يقبل فاه ... أم صام تمام؟
فأجابه ظريف آخر لابسًا طيلسان الفقهاء:
يا من سأل الفقيه في فتواه ... الشرع فسيح
إسمع لكلامنا وخذ معناه ... إن كنت فصيح
من بات معانقًا لمن يهواه ... إن كان مليح
لا يفطر عندما يقبل فاه ... بل صام صحيح
قال أبو هلال العسكري في (ديوان المعاني) كتب الحسين بن وهب إلى الحسن بن رجاء يوم شك وقد أفطر الواثق:
هززتك للصبوح وقد تهانا ... أمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من قناني الخمر عشر ... تطيب بهن دائرة المدام
فكن أنت الجواب فليس شيء ... أحب إلى من حذف الكلام
وقال آخر:
أقول لصاحبي وقد بد لي ... هلال الفطر من تحت الغمام
سنسكر سكرة شنعاء جهرًا ... وننعر في قفا شهر الصيام
وقال محمد الجعفري:
هل لك في صهباء مشمولة ... ليست من الدبس الذي ينبذ؟
فإن شعبان على طيبه ... درب إذا فكرت لا ينفذ
وقال أحمد بن يزيد: إلا فاسقياني من معتقة الخمر ... فلا عذر لي في الصبر أكثر من شهر
وإن كنتما لم تعلما فتعلما ... بأن زمان الصوم ليس من العمر
وحدث الصولي قال كتب علي بن جبلة إلى أبي دلف يستسقيه نبيذًا في يوم عيد الفطر فوجه إليه بما كفاه وبمائتي دينار فقال علي بن جبلة:
وأبيض عجلي رأيت غمامة ... وأسيافه تقضى على الحدثان
مددت إليه ذمتي فأجارها ... وأغنى يدي عن غيره ولساني
شربت ورويت النديم بماله ... وأدركت ثأر الراح من رمضان
وكان لشوال على ضمانة ... فكانت عطايا جوده بضمان
وقال أعرابي:
وجدنا دينكم سهلا علينا ... شرائعه سوى شهر الصيام
ويحدثنا الفرزدق الشاعر أن التبرم برمضان كان حتى في العصر الأموي على قرب عهدهم بصاحب الرسالة، وطبعًا أن ذلك الضجر كان من فساق المسلمين لا من أولئك الذين كانوا يتفانون في حب الجهاد حتى فتحوا شرق الأرض وغربها وأذلوا أقوى الأمم شوكة وأمنع الناس بلادًا وأكثرهم حصونا.
قال الفرزدق:
إذا ما مضى عشرون يومًا تحركت ... أراجيف بالشهر الذي أنا صائمه
وطارت رقاع بالمواعيد بيننا ... لكي يلتقي مظلوم قوم وظالمه
فان شال شوال نشل في أكفنا ... كؤوس تعادي العقل حين تسالمه
أشال الشيء رفعه وحمله قال أبو هلال العسكري في كتابه (ديوان المعاني) الذي فرغ من تأليفه سنة 395 هـ - ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق. قال وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الرياشي عن أبيه:
وقفنا فلوك أننا راضنا الهوى ... لهتكنا عند الرقيب نحيب
ومن دون ما نلقاه من لوعة الهوى ... تشق جيوب بل تشق قلوب
على أن شوالا أشال بوصلنا ... ومرتعه للعاشقين خصيب
وأنشد أبن بسام قوله يشكر رمضان إذ ساعده انشغال الناس فيه بالعبادات ففاز بأوطاره وأختلس من يهواه:
سقيا لشهر الصوم من شهر ... عندي له ما شاء من شكر
كم من عزيز فيه فزنا به ... أنهضه الليل من الوكر
ومن إمام كان لي وصله ... غلى كحيل العين بالسحر
لو كان يدري بالذي خلفه ... أعجله ذاك عن الوثر
وخلة زارتك مشتاقة ... في ليلة القدر على قدر
فأنصرف الناس بما أملوا ... وبؤت بالآثام والوزر
وأنشد المبرد للحارثي:
شهر الصيام وإن عظمت حرمته ... شهر طويل بطئ السير والحركة
يمشي الهوينا إذا ما رام فرقتنا ... كأنه بطة تنجر في شبكه
لا يستقر فأما حين يطلبنا ... فلا سليك يدانيه ولا سلكه
كأنه طالب ثأرًا على فرس ... أجد في إثر مطلوب على رمكه
يا صدق من قال أيام مباركة ... إن كان يكنى عن أسم الطول بالبركة
وسليك وسلكة من عدائي العرب المتهورين والرمكة الفرس فالحارثي هذا يشكو ثقل رمضان وبطء سيره لأنه يكرهه وأعاب آخر على الناس ما يبدون من الرغبة وانقضاء رمضان وتصرمه وفي مروره بعجل التعجل بانتقاص أيام عمرهم
مضى رمضان محمودًا ووافى ... علينا الفطر بقدمه السرور
وفي مر الشهور لنا فناء ... ونحن نحب لن ثفنى الشهور
وقد قال في نفس المعنى الشاعر الآخر
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهاب
وعسانا أطلنا الحديث وشغلنا قراء (الرسالة) الغراء بالتحدث عن رمضان الذي شغل الأدباء والشعراء طوال العصور الإسلامية ولقد بقيت في نفوسنا بقية من الحديث عن رمضان ترجلا إلى العام المقبل فإلى الملتقى
بغداد
ضياء الدخيلي الطبيب المتمرن في المستشفى التعليمي سابقًا
للأستاذ ضياء الدخيلي
وإذا طوينا النواحي العلمية لصوم رمضان وأقبلنا نتحسس صداه في الشعر ونتلمس أثره في الأدب العربي وجدنا رمضان عبئًا ثقيلًا على الشعراء المتحللين من قيود الإسلام الأدبية وإن كانوا اسمًا في ربقة المسلمين، أقصد أولئك الشعراء الهائمين في وديان الغرام وراء الجواري والغلمان المترددين بكثرة على حانات الخمور ومواخير الفجور، قال أبو نواس يهجو رمضان ويتبرم من ظله الثقيل على أهوائه:
إلا يا شهر كم تبقى ... مرضنا ومللناكا
إذا ما ذكر الحمد ... لشوال ذممناكا
فياليتك قد بنت ... وما نطمع في ذاكا
لقد كان رمضان كابوسًا على الشعراء السادرين في بيداء الضلالة الهائمين وراء اللذات في كل واد، ساحقين في سبيل متعتهم كل القيود الأدبية. ولم يقتصر عليهم ثقل الصوم فهناك نفوس لا تتحمل الجوع ولا ترضخ لهذه الرياضة النفسية والجسمية فتثور في وجه التقاليد وتعلن تمردها على أحكام الصوم ومن ذلك ما قاله أعرابي ألزم بالصوم في مدينة جاء يزور أقاربه فيها فلم يطق الصوم وأرتحل وهو يقول:
يقول بنو عمي وقد زرت مصرهم ... تهيأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي ... سلام عليكم فاذهبوا بسلام
فبادرت أرضًا ليس فيها مسيطر ... على ولا مناع أكل طعام
وقال إعرابي آخر حضته امرأته على الصوم فأباه:
أتأمرني بالصوم لا رد درها ... وفي القبر صوم يا أميم طويل
روى ذلك ابن قتببة الدينوري في عيون الأخبار. ولكن الشعراء الذين قيدتهم التربية الإسلامية وزجرتهم عن مهاوي اللهو والباطل والمغريات بالفساد كانوا يرحبون بهذا الشهر الذي فيه تدريب النفس وضبطها وكبح جماحها ففي غالية المواعظ لنعمان الألوسي قال شاعر يرحب برمضان:
قد جاء شهر الصوم فيه الأمان ... والعتق والفوز بسكنى الج شهر شريف فيه نيل المنى ... وهو طراز فوق كم الزمان
طوبى لمن قد صامه واتقى ... مولاه في الفعل ونطق اللسان
ولكن هذه الأبيات أشبه بكلام الفقهاء منها بشعر الشعراء. وشاء أبو نواس أن يشارك أهل الزهد في هداهم كما تبرز في ميدان الفسوق وفاق الخلعاء في غوايتهم وتهتكهم، ورغب تلميذ ولبة بن الحباب أن لا تخلو من سابقة حلبة شعرية فترك في التقوى والورع أبياتًا سيارة تنافي ما أشتهر عنه من فساد الطريقة، فمن ذلك ما رواه أبو هفان من أن العتابي لما تنسك نهي أن ينشد شعر أبي نواس فأظله شهر رمضان فدخل إليه رجل معه رقعة فيها
شهر الصيام غدا مواجهنا ... فليبهجن رعية النسك
أيامه كوني سنين ولا ... تفني فلست بسائم منك
فكتب العتابي البيتين وقال وددت أنهما لي بجميع ما قلته من طارفي وتليدي، فقال الرجل أنهما لأب نواس فمزق الرقعة ورمى بها. وكان أبا نؤاس بعد أن أغترف من معين اللذات بكلتا يديه عافها وزهد فيها زهد الملل والسأم لا زهد الورع والعفة فمال عن الدنيا وهو يردد بيتيه السائرين:
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت مرح اللهو حيث أساموا
وبلْغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
وفي ديوان أبي نواس باب واسع للزهد بحثت فيه عن هذين البيتين الذين أعجب بهما العتابي فلم أجدهما، وليس هما بالجودة التي تسبغها عليها القصة فلعلهما من وضع القصاصين قاصدين الغرابة والطرافة. ولقد صادف عنف أحكام المجتمع الإسلامي في رمضان على الشعراء المتمردين على الآداب العامة - رد فعل قوي فيهم فنتج أدب ثائر صاخب على هذا الكابوس الذي حال بينهم وبين ما يشتهون ومنعهم من الاندفاع في تيارات لهوهم ومعاقرتهم اللذات، ففي عصر ازدهار الحضارة الإسلامية يصرخ أبو نواس في بغداد عاصمة الخلافة العباسية ويصخب صائحًا ممزقًا ثوب ريائه الشفاف:
منع الصوم العقارا ... وزوى اللهو فغارا
وبقينا في سجون الصوم ... للهم أسارى
غير أنا سندارى ... فيه من ليس يدارى نشرب الليل إلى ... الصبح صغارًا وكبارًا
وإذا غاب فتى ... منا شربنا (اليادكارا)
نتغنى ما اشتهينا ... هـ من الشعر جهارا
أسقني حتى تراني ... أحب الديك حمار
وقوله شربنا (اليادكارا) هذه الكلمة فارسية ومعناها الذكرى أي شربنا نخب الذكرى للغائب. . . لكن أبن المعتز يتراجع عن الحان ويرد السقاة على أعقابهم احترامًا لقدسية رمضان ويقول:
ونهاني الصيام عن سفه الكأ ... س فردت على السقاة المداما
فإذا تولى شهر حرمان النفس من شهواتها يهب ابن المعتز مصفقًا طربًا بحبيبته الخمر ويقول مبتهجًا:
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... الآن فاغد على المدام وبكر
وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
ويشاركه القاضي الفاضل في فرحته بالعيد فيقول:
قضى تحبه الصوم بعد المطال ... وأطلق من قيد فتر الهلال
فدع ضيقة مثل شد الأسار ... إلى فرجة مثل حل العقال
وقم هائها مثل ذوب النضار ... وموج البحار وطعم الزلال
ويتبعهما بعد أجيال وقرون شوقي شاعر مصر بالأمس فيتغنى فرحًا بتخلصه من غل رمضان:
رمضان ولى هائها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
ما كان أكثره على ألافها ... وأقله في طاعة الخلاق
بالأمس قد كنا سجيني طاعة ... واليوم من العيد بالإطلاق
ضحكت إلى من السرور ولم تزل ... بنت الكروم كريمة الأعراق
ويذكرني حنين الشعراء إلى الخمر في هذا الشهر المبارك الذي تحارب فيه الموبقات ووسائل الفساد بما نقله محمود شكري الألوسي في (بلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب) من أن العرب في جاهليتهم كانوا يكثرون في شهر رمضان من شرب الخمر لأن الذي يتلوه هو شهور الحج التي يمتنعون فيها من السكر وكانوا يعتبرون رمضان أول شهور السنة وبه يبدؤنها ويسمونه (ذيمر) ولم يعدم المجتمع الإسلامي من الظرفاء من يتماجن متحديًا أحكام رمضان الصارمة فقد قال بعض الأدباء مستفتيًا الفقهاء مازحًا هازلًا وعلى سبيل الدعابة:
هذا رمضان كلنا نخشاه ... من أجل الصيام
ما قولك يا فقيه في فتواه؟ ... عجل بكلام
من بات معانقًا لمن يهواه ... في جنح ظلام
هل يفطر عندما يقبل فاه ... أم صام تمام؟
فأجابه ظريف آخر لابسًا طيلسان الفقهاء:
يا من سأل الفقيه في فتواه ... الشرع فسيح
إسمع لكلامنا وخذ معناه ... إن كنت فصيح
من بات معانقًا لمن يهواه ... إن كان مليح
لا يفطر عندما يقبل فاه ... بل صام صحيح
قال أبو هلال العسكري في (ديوان المعاني) كتب الحسين بن وهب إلى الحسن بن رجاء يوم شك وقد أفطر الواثق:
هززتك للصبوح وقد تهانا ... أمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من قناني الخمر عشر ... تطيب بهن دائرة المدام
فكن أنت الجواب فليس شيء ... أحب إلى من حذف الكلام
وقال آخر:
أقول لصاحبي وقد بد لي ... هلال الفطر من تحت الغمام
سنسكر سكرة شنعاء جهرًا ... وننعر في قفا شهر الصيام
وقال محمد الجعفري:
هل لك في صهباء مشمولة ... ليست من الدبس الذي ينبذ؟
فإن شعبان على طيبه ... درب إذا فكرت لا ينفذ
وقال أحمد بن يزيد: إلا فاسقياني من معتقة الخمر ... فلا عذر لي في الصبر أكثر من شهر
وإن كنتما لم تعلما فتعلما ... بأن زمان الصوم ليس من العمر
وحدث الصولي قال كتب علي بن جبلة إلى أبي دلف يستسقيه نبيذًا في يوم عيد الفطر فوجه إليه بما كفاه وبمائتي دينار فقال علي بن جبلة:
وأبيض عجلي رأيت غمامة ... وأسيافه تقضى على الحدثان
مددت إليه ذمتي فأجارها ... وأغنى يدي عن غيره ولساني
شربت ورويت النديم بماله ... وأدركت ثأر الراح من رمضان
وكان لشوال على ضمانة ... فكانت عطايا جوده بضمان
وقال أعرابي:
وجدنا دينكم سهلا علينا ... شرائعه سوى شهر الصيام
ويحدثنا الفرزدق الشاعر أن التبرم برمضان كان حتى في العصر الأموي على قرب عهدهم بصاحب الرسالة، وطبعًا أن ذلك الضجر كان من فساق المسلمين لا من أولئك الذين كانوا يتفانون في حب الجهاد حتى فتحوا شرق الأرض وغربها وأذلوا أقوى الأمم شوكة وأمنع الناس بلادًا وأكثرهم حصونا.
قال الفرزدق:
إذا ما مضى عشرون يومًا تحركت ... أراجيف بالشهر الذي أنا صائمه
وطارت رقاع بالمواعيد بيننا ... لكي يلتقي مظلوم قوم وظالمه
فان شال شوال نشل في أكفنا ... كؤوس تعادي العقل حين تسالمه
أشال الشيء رفعه وحمله قال أبو هلال العسكري في كتابه (ديوان المعاني) الذي فرغ من تأليفه سنة 395 هـ - ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق. قال وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الرياشي عن أبيه:
وقفنا فلوك أننا راضنا الهوى ... لهتكنا عند الرقيب نحيب
ومن دون ما نلقاه من لوعة الهوى ... تشق جيوب بل تشق قلوب
على أن شوالا أشال بوصلنا ... ومرتعه للعاشقين خصيب
وأنشد أبن بسام قوله يشكر رمضان إذ ساعده انشغال الناس فيه بالعبادات ففاز بأوطاره وأختلس من يهواه:
سقيا لشهر الصوم من شهر ... عندي له ما شاء من شكر
كم من عزيز فيه فزنا به ... أنهضه الليل من الوكر
ومن إمام كان لي وصله ... غلى كحيل العين بالسحر
لو كان يدري بالذي خلفه ... أعجله ذاك عن الوثر
وخلة زارتك مشتاقة ... في ليلة القدر على قدر
فأنصرف الناس بما أملوا ... وبؤت بالآثام والوزر
وأنشد المبرد للحارثي:
شهر الصيام وإن عظمت حرمته ... شهر طويل بطئ السير والحركة
يمشي الهوينا إذا ما رام فرقتنا ... كأنه بطة تنجر في شبكه
لا يستقر فأما حين يطلبنا ... فلا سليك يدانيه ولا سلكه
كأنه طالب ثأرًا على فرس ... أجد في إثر مطلوب على رمكه
يا صدق من قال أيام مباركة ... إن كان يكنى عن أسم الطول بالبركة
وسليك وسلكة من عدائي العرب المتهورين والرمكة الفرس فالحارثي هذا يشكو ثقل رمضان وبطء سيره لأنه يكرهه وأعاب آخر على الناس ما يبدون من الرغبة وانقضاء رمضان وتصرمه وفي مروره بعجل التعجل بانتقاص أيام عمرهم
مضى رمضان محمودًا ووافى ... علينا الفطر بقدمه السرور
وفي مر الشهور لنا فناء ... ونحن نحب لن ثفنى الشهور
وقد قال في نفس المعنى الشاعر الآخر
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهاب
وعسانا أطلنا الحديث وشغلنا قراء (الرسالة) الغراء بالتحدث عن رمضان الذي شغل الأدباء والشعراء طوال العصور الإسلامية ولقد بقيت في نفوسنا بقية من الحديث عن رمضان ترجلا إلى العام المقبل فإلى الملتقى
بغداد
ضياء الدخيلي الطبيب المتمرن في المستشفى التعليمي سابقًا