تعقيبات

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
للأستاذ أنور المعداوي الفن والحياة بيني وبين الدكتور طه حسين: كان للكلمتين اللتين كتبتهما عن (الفن والحياة) على صفحات (الرسالة) أثرهما البعيد عند أديبين كبيرين هما الدكتور طه حسين والأستاذ توفيق الحكيم، فقد عقب عليهما الدكتور في (الأهرام) بكلمة مستفيضة وكذلك فعل الأستاذ الحكيم في (أخبار اليوم). أما الكلمة الأولى فقد حاول فيها الدكتور أن يرسم الطريق فخانه التوفيق.

ومعذرة إذا ما بدأت ردي بهذه العبارة لأني لا أعرف في النقد صداقة ولا مجاملة! وأشهد أنني أعجبت كل الإعجاب بروح الدكتور حين بدأ تعقيبه على ما كتبت بهذه الكلمات: (وكذلك تشيع في بيئات المثقفين ألفاظ ظاهرة الوضوح شديدة الغموض (يقصد لفظي الفن والحياة) ومع ذلك يخيل إليهم أنهم يفهمونها حق الفهم فإذا أرادوا تفسيرها لم يحققوا منها شيئًا).

أعجبت بهذه الكلمات لأن صاحبها قد نسي ما بيني وبينه من صلات الود والصداقة في سبيل إبداء رأي يعتقد أنه الحق، وكذلك أفعل أنا حين أؤكد لقرَّاء (الرسالة) أنني أصبت بخيبة أمل مريرة حين خرجت من مقال الدكتور بحقيقة ناصعة، وهي أن كل ما كتبه حول (الفن والحياة) لم يكن سوى (لخبطة) من طراز ممتاز!! ولن أعيد اليوم ما قلته بالأمس حول (الفن والحياة) فقد قرأه الناس وعرفوا رأيي فيه، كل ما يهمني هو أن أنقل إليهم تلك الخطوط الرئيسية التي خرجت بها من مقال الدكتور طه حسين، ليروا أينا كان أكثر فهمًا لموضوعه وأينا كان أوفر احتشادًا لفنه! لقد تساءل الدكتور في ثنايا كلمته: هل يتاح للإنتاج الفني أن يبلغ ذروته دون أن يكون هناك اتصال بالحياة العامة الصاخبة أم لا سبيل إلى تلك الذروة إلا إذا اضطرب الكاتب أو الشاعر أو صاحب الفن في كل ما يضطرب الناس فيه من شئون حياتهم اليومية على اختلافها وتنوعها واختلاطها وتعقدها في أكثر الأحيان؟ إن صاحب الفن في رأي الدكتور وكذلك الكاتب والشاعر ليسوا محتاجين إلى أن يعيشوا في أعماق المجتمع لينتجوا فنًا تنبض فيه الحياة؛ (فالقراءة والاستمتاع من أخصب المصادر التي تتيح للأدباء وأصحاب الفن أن يتصلوا بالحياة ويسيغوها، وتتيح لهم بعد ذلك أن يصوروها خيرًا من الذين يبلون حلوها ومرها ويسعدون بنعيمها ويشقون بجحيمها)! إلى هنا ونقف قليلا لنناقش هذه الكلمات التي تحفل بطلاوة الأسلوب وتفتقر إلى سلامة النطق.

إذا أمكنك أن تصدق أن (القراءة والاستماع) من أخصب المصادر للاتصال بالحياة، فلا بأس عليك إذا كنت من بلد آخر غير مصر أن تقرأ ما نقله إليك عنها بعض الكتاب المغرضين من أمثال وندل ويلكي، لتستطيع بعد ذلك أن تصور الحياة المصرية خيرًا من الذين بلوا حلوها ومرها وسعدوا بنعيمها وشقوا بجحيمها كما يقول الدكتور طه حسين! ولا بأس عليك أيضًا إذا كنت من بلد آخر غير مصر أن تستمع لكاتب مثل جان كوكتو إذا ما حدثك عن البيئة الشعبية في مصر لتستطيع بعد ذلك أن تصور هذه البيئة خير تصوير، مع أن كوكتو مثلا لم يشهد من معالم الحياة المصرية غير فندق الكونتننتال ودار الأوبرا وأهرام الجيزة وجامعة فؤاد! أريد أن أقول لك إن القراءة قد تنقل إليك الحقائق مشوهة وإن الاستماع قد يطلعك على الوقائع محرفة، ومعنى هذا أن الأديب إذا اتصل بالحياة عن هذا الطريق فهو اتصال لا فائدة منه في الأغلب الأعم ولا خير فيه، لأنه اتصال مشوه المعالم ممسوخ السمات! إن الدكتور يستشهد على صدق ما ذهب إليه بما كتب جيته عن الشرق، فهو (قد كتب مثلًا أشياء رائعة صادقة فيها كثير من الدقة والصدق وحسن الاستقصاء مع أنه لم يزر الشرق ولم يشهد حياة الناس فيه، وإنما قرأ كتب الذين رحلوا إلى الشرق وقرأ ما ترجم من آثار الشرقيين في عصره ففهم الشرق خيرًا مما فهمه الذين رحلوا إليه والذين ترجموا آثاره)! هذا كلام لا يقوى على التمحيص ولا يثبت على المراجعة، لأن جيته الذي استمد كل معلوماته عن الشرق وحياة الشرقيين من كتب الغير، لا يمكن أن يكون أكثر صدقًا ولا استقصاء من هؤلاء الذين قرأ لهم ونقل عنهم، ورأوا الشرق رأي الحس والعين لا رأي الفكر والخيال! وإذا كان جيته قد صور الحياة في الشرق تصويرًا رائعًا عن طريق (القراءة والاستماع).
فمما لا شك فيه أنه لو قدر له أن يزور الشرق وأن يطلع بنفسه على حياة أهله لكتب خيرًا مما كتب ولأجاد التصوير خيرًا مما أجاد؛ لأن الواقع المحس شيء والواقع المنقول شيء آخر.

وإذن فلا مبرر إطلاقًا للقول بأن (القراءة والاستماع) من أخصب المصادر التي تتيح للأدباء أن يصوروا الحياة خيرًا من الذين بلوا حلوها ومرها وسعدوا بنعيمها وشقوا بجحيمها، إلى آخر هذه الكلمات التي تحفل بطلاوة الأسلوب وتفتقر إلى سلامة المنطق. بعد هذا انتقل الدكتور طه إلى رأي آخر حيث يقول: (وليس الأديب المعاصر مضطرًا إلى أن يخالط الناس مخالطة مادية، فحياة الناس كلها تحمل إليه، وليس اتصال الأديب بالحياة هو العسير الآن وإنما اعتزال الأديب للناس هو الشيء الذي لا يكاد يجد إليه سبيلا). إنني أوافق الدكتور على أن الأديب المعاصر متصل حقًا بالحياة، ولكن الدكتور ينسى أن هذا الاتصال يفترق عند أديب عنه عند أديب سواه.

هناك أديب يرقب مجرى الحياة من حجرة مغلقة، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من زقاق ضيق، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من شارع واسع، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من ميدان عام، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من كل حجرة وكل زقاق وكل شارع وكل ميدان! ومعنى هذا أن هناك أدبًا هو أدب الجدران المغلقة والآفاق المحدودة، وأن هناك أدبًا آخر هو أدب الهواء الطلق والآفاق الرحيبة!. ومالي أذهب بعيدًا والدليل قائم بين يدي من أدب الدكتور نفسه ممثلا في بعض أعماله الأدبية؟ لقد عالج الدكتور فيما عالج من فنون الأدب فن القصة، أعني أنه حاول فيما حاول أن يكون فنانًا يصور الحياة وينقل عن الحياة.

وها هو ميزان النقد يقرر في ثقة واطمئنان أنه قد أحس الحياة يومًا كما يجب أن تحس، وأنه قد عاش فيها بفكره وقلبه وشعوره، وأن هذا الإحساس الصادق الكامل الأصيل المتميز قد انعكس في صورته القوية الرائعة على صفحات (الأيام)! في هذه القصة الذاتية تلهب حسك الفني حرارة الحياة.

الحياة التي نقلتها حواس طه حسين لا حواس الناس وكتب الناس وأقوال الناس!! ترى هل يستطيع بعض الكتاب عن طريق (القراءة والاستماع) أن يصوروا حياة طلاب الأزهر في أمسهم الغابر خيرًا مما صورها هذا الأديب الذي بلى حلوها ومرها وأعني به الدكتور طه حسين؟ نترك (الأيام) لننتقل إلى (شجرة البؤس) و (دعاء الكروان)، ولننتقل من فن الحياة إلى فن المخيلة، ومن فن الهواء الطلق إلى فن الجدران المغلقة.

إن الأديب الذي يحاول أن يرسم صورة للحياة والناس في إقليم من أقاليم مصر وهو جالس في حجرته من ذلك البيت القائم في حي الزمالك، أشبه بمن يحاول أن يرسم صورة للحياة والناس في منطقة من مناطق القطب الشمالي وهو يعيش في منطقة من مناطق خط الاستواء.

أقول هذا ولا أزيد! ويختم الدكتور طه مقاله بهذه الكلمات: (ولكن أريد قبل كل شيء أن يطمئن الشباب الذين لا يتاح لهم التنقل ولا يتيسر لهم مخالطة الناس ومشاركتهم في حياتهم بالفعل، فإن هذا كله لم يتح لكثير من أفذاذ العبقريين ولا لكثير من أوساط الأدباء، فلا ينبغي أن ييأس الشباب الأدباء وأصحاب الفن إذا لم يتح لهم من ذلك ما يريدون)! لقد كنت أود أن يذكر لنا الدكتور طه اسم عبقري واحد من هؤلاء الأفذاذ الذين لم يتح لهم التنقل ولم يتيسر لهم مخالطة الناس عبقري واحد حتى لا أتهمه بأنه يلقي الكلام على عواهنه.

إنني أؤكد لقراء (الرسالة) أن طه حسين لو قدر له أن يعيش في بيئته التي نشأ فيها دون أن يرحل إلى أقطار الغرب ليتنقل هنا وهناك، وليتصل بالحياة في أوسع آفاقها ممثلة في مخالطة الناس من كل جنس ولون، ولو قدر له أن يقضي عمره في تلك البيئة التي نشأ فيها لكان حتى اليوم أديبًا محدود الأفق قاصر الأداة! مرة أخرى أعود فأقول: من أعماق الحياة ينبع الصدق في الفن، ولن يتحقق الصدق في الفن ما لم يستخدم الفنان كل حواسه في تذوق الحياة.

يرقب، ويتأمل، ويهتك الحجب، وينفذ إلى ما وراء المجهول.
فإذا استطاع أن ينقل كل ما يلهب الخيال فيها إلى لوحات من التصوير الفني فهو الفنان، وإذا استطاع أن ينقل إلى هذه اللوحات كل ما في القلب الإنساني من نبض وخفوق فهو الفنان الإنسان.
وعلى مدار القوة والضعف في دفقة الحياة وخفقة القلب يفترق العمل الفني عن مثيله في كل فن من الفنون! هذا هو الطريق، فمن شاء أن يسلكه فليسلك، ومن شاء أن ينحرف عنه فلينحرف.

ولكل اتجاه من هذين الاتجاهين ميزان يقام. الفن والحياة بيني وبين الأستاذ توفيق الحكيم: حلقت بك في أفق الدكتور طه حسين، وبقى لي أن أحلق بك في أفق الأستاذ توفيق الحكيم.

ومرة أخرى أقدم إليك الخطوط الرئيسية في كلمة هذا الفنان الصديق، تلك التي يبدأها بقوله: (ولقد رددت الألسن عبارات (الفن والحياة) و (الفن والشعور).

وهو كلام في جملته صحيح والخطأ فيه يسير)
! أما تلك العبارات التي أشار إليها الأستاذ توفيق الحكيم فقد وردت في كلمتي عن فنه، حين تحدثت عن هذا الفن بين واقع الفكر وواقع الحياة وحين وزنته بميزان القلب والشعور.

من حقه إذن أن يدافع عن نفسه فيما كتب على صفحات (أخبار اليوم)، ومن حقه أن ينسب إلي بعض الخطأ فيما أخذته عليه، وإن كان الأستاذ توفيق قد اتصل بي عقب أن كتبت عنه ما كتبت متفضلا بإبداء موافقته غير مشير إلى هذا الخطأ اليسير! مهما يكن من شيء فقد كان في كلام الدكتور طه شيء كثير من اللخبطة، أما كلام الأستاذ الحكيم ففيه شيء يسير من المغالطة! يقول الأستاذ توفيق: (القلب في الفن هو الصدق، لا الصدق بمعناه الضيق المقصور على الشعور العاطفي أو الوجداني، بل أيضًا الشعور بحقيقة فكرة من الأفكار.

على هذا النحو يجب كذلك أن نحدد معنى (الحياة) في الفن.
ما من شك أن الفن هو التعبير عن الحياة، وليس من السهل تصور فن منفصل عن الحياة)
. إن الفن يا صديقي ليس هو التعبير عن الحياة، وإنما هو صدق التعبير عن الحياة، لأن التعبير عن الحياة حين يخلو من (الصدق) لا يعد فنًا! هذه واحدة.

أما الثانية فهي قولك بأن القلب في الفن هو الصدق.

ترى أي قلب هذا الذي تقصد؟ أهو القلب الذي ينبض بشعور صاحبه وحده دون سواه؟ إن هناك كثيرًا من أمثال هذا القلب، القلب الذي يخفق بعاطفة لا تمثل عواطف كثير من الناس، وبالشعور بحقيقة فكرة لا تتفق وأفكار كثير من الناس.

صدقني إن قلبًا من هذا الطراز لا يمكن أن يمثل الصدق في الفن، لأنه إذا حقق شيئًا من المشاركة الوجدانية بين الفن وصاحبه، فإنه لا يحقق شيئًا من هذه المشاركة بين الفن ومتذوقه! كلماتك يا صديقي تحتاج إلى كثير من الدقة وإلى كثير من التحديد.

القلب في الفن هو الصدق؟ نعم، ولكنه القلب الذي تتفق دقاته ودقات قلوب الملايين، هو القلب الذي يهتز بين جنبي صاحبه فيهتز له الجيل الذي يعيش فيه ومن بعده أجيال، هو القلب الذي يقبس وهج حرارته من أفراح الناس وأحزان الناس، هو القلب الذي يرى فيه كل صاحب شعور صورة من قلبه، هو القلب الذي يستطيع كثير من الأحياء أن يفزعوا إليه فرارًا من أنفسهم! هنا يا صديقي يتحقق الصدق في الفن، لأن القلب الذي أعنيه بهذه الكلمات هو الذي يغترف من ماء الحياة! هذا عن الصدق في الفن، أما قولك بأنه ليس من السهل تصور فن منفصل عن الحياة فتجد الرد عليه في كلمتي عن الدكتور طه حسين. بقي أن أناقش المغالطة الأخيرة عندما تقول عن الحياة في الفن: (لا بد أن تكون الحياة في الفن وليس فقط كل ما يقع في العالم الخارجي ويضطرب فيه الإنسان بحسه وقلبه وشعوره، بل أيضًا كل ما يقع في العالم الخارجي ويستخرجه الإنسان بفكره وذهنه وتأملاته.

إن الحياة تسكن في كل جزء من أجزاء الإنسان الحي، في قلبه وفي غريزته وفي حسه وفي رأسه.

ولو جئت بإنسان، شاعر أو مفكر، وحبسته في جب وأغلقت عليه بسبعة أختام وتركته الأعوام، لأخرج بعد كل ذلك حياة!)
ما هذا الكلام يا أستاذ توفيق؟ إن أحدًا ممن يفهمون رسالة الفن لا يمكن أن يوافقك عليه!.

شاعر أو مفكر تحبسه في جب، ثم تغلق عليه بسبعة أختام وتتركه الأعوام، ثم يخرج بعد كل ذلك حياة؟! أية حياة تلك يا صديقي؟ إنها حياة المغاور والكهوف.

ولا يمكن أن ترضي حياة المغاور والكهوف إلا عشاق الفن منذ خمسين ألف سنة! معذرة يا صديقي فإننا نعيش في القرن العشرين، ومن مزايا القرن العشرين أنه يضيق بالحياة محبوسة بين جدران أربعة، فما بالك لو قدمت إليه فنًا تتنفس فيه الحياة داخل جب تغلق عليه بسبعة أختام؟!.

كلا يا أستاذ توفيق، إننا لا نريد أن نعيش في الماضي الغابر، ولكننا نريد أن نعيش في الماضي المشهود! أنور المعداوي

شارك المقال

المرئيات-١
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت