للأستاذ عبد المنعم خلاف
كل من شاهد الجريدة الفرنسية السينمائية التي عرضت في الأسبوع الماضي في بعض دور السينما في القاهرة، لاشك قد امتلأ قلبه بكثير من التقزز والاشمئزاز والسخط لمنظر من مناظرها. هو منظر هذه (القطع الآدمية) المشوهة التي جمعتها الدعاية الفرنسية ضد الجزائر والغرب لتعرضها على عيون الناس في العالم كله كنموذج لبرها بعرب الجزائر! لقد جمعت قطعًا من الفقر والتشوه والعري والجهومة والضياع لتؤكلهم ثريدًا في عيد الأضحى. .! واجتهدت أن تأخذ لهم صورًا من مقاطع تبرز صورًا فنية للفقر والشناعة! ولو عرضت علينا صورًا لمجموعة من الذباب أو الكلاب الضالة لارتاحت إليها العيون بعض راحة لم تجدها في منظر هؤلاء التعساء! وإن منظر العرايا من زنوج المجاهل العائشين وراء التاريخ، المنقطعين عن العالم لأجمل كثيرًا من مناظر هؤلاء الكرام الذين أضناهم البؤس وأضوائهم الحكم المذل المرهق، وجعل على وجوههم سمات من العذاب والضيق؛ فإن الزنوج يتمتعون بالصحة الطبيعية والحرية الطبيعية والمجال الحر في مجاهلهم ومتقلباتهم الواسعة، أما أولئك العرب الذين كانوا مثال الرقة الأندلسية والنظافة الإسلامية والحرية العربية والذكاء اللامع والمشاركة الناجحة في الحضارة، فقد حولهم الحكم الفرنسي إلى مجموعة أشنع من مجاميع الذباب والكلاب الضالة. وإن الكلاب الضالة ربما لا تجد القوت الميسر ولا السهر على مصالحها، ولكنها على كل حال تجد حرية العيش، أما هؤلاء فلا يجدون إلا قيودًا من التعس والذل والحرمان من مقومات الأجسام ومقومات الأرواح.
إنني لا أستطيع أن أفهم من عرض مثل هذه المناظر إلا اهتمام فرنسا بأن تبرهن للعالم على أن هؤلاء العرب الذين ابتلوا بحكمها منذ مائة وعشرين سنة قوم هم حثالة الناس وفي المستوى الأدنى من الحياة، فهم أبعد الناس عن منحهم حق تقرير المصير والحريات العامة، وأقرب الناس إلى فرض القسوة الفرنسية عليهم. ولا أستطيع أن أفهم إصرار فرنسا على إفنائهم عن طريق الجهل والفقر والحرمان والتعس - مع أن فرنسا في زعمها أمة الرقة والجمال وتسجيل حقوق الإنسان - إلا أنها تضمر لتلك الكتلة العربية والإسلامية عداوة وحقدًا موروثًا لأسباب تاريخية لا يجهلها أحد، فهي تثأر منهم وتنكل بهم وتحرمهم أبسط حقوق الإنسان وهو حق الحياة وحق التعلم وحق الصحة.
إن عارًا على فرنسا أن تظل جامدة في أسلوب حكمها للمغرب العربي مع أن الإنجليز ابتدءوا يخففون وطأة حكمهم في الهند، درة تاجهم. وأصل بلاء العالم العربي بالاستعمار هو وقوعه على طريق الهند.
وإن من العار أيضًا عليها أن تعرض مثل هذه المناظر للذين ابتلوا بحكمها. لأنها هي المسئولة عما هم فيه من تخلف وحرمان ولو شاءت لرفعتهم واجتهدت في وصلهم بقافلة الإنسانية السائرة. والذين يملكون حظائر للحيوانات يجتهدون أن يعرضوا منها على عيون الناس للفخر بما تصل إليه من شبع وسمن وصحة وسعادة، ولو أنها تذهب بتلك الحيوانات أخيرًا للمذبح، أو تجز صوفها أو تأخذ لبنها أو تستخدمها في حرث الأرض وزرعها. فلماذا تعرض فرنسا مثل هذه المناظر التعسة لهؤلاء الذين انحطت بهم عن مستوى الحيوان؟! ألا إنها شهادة مسجلة على فرنسا، سجلتها بيدها لتثير بذلك لعنات الأحرار وسخطهم عليها!.
لقد طالما ذكرنا فرنسا برسالتها الإنسانية التي هي تاج مجدها الحقيقي، والعنصر الباقي لفخرها على مدى الزمان، ولكن الذين في مصر من الفرنسيين أصدقائهم يلوح لي أنهم لا يحركون ساكنا ولا يأبهون للتذكير، وقد أخذتهم سكرة الثقة بقوة فرنسا وغلبها على هؤلاء الضعفاء المبتلين بها.
ولكن لتعلم فرنسا أن الفخر الدولي قد سطع على أوكار الرجعية السياسية الجامدة التي تنقل جراثيم الطغيان والجهالة إلى محيط العالم الواسع كله، فلم تعد العين الإنسانية تطيق أن ترى مثل هذه المناظر التي تذكرها بأشنع صور القسوة الجاهلية، ولتعلم فرنسا أيضًا أن مجدها قد أخذ في الأفول منذ أن تخلت عن رسالتها الإنسانية، رسالة ثورتها، وأن سمعتها قد ساءت بواسطة حكمها للمغرب العربي ذلك الحكم العنيف المظلم الذي يحرم المحكومين النور والصحة والعلم ثم يعرضهم على رءوس الإشهاد ليسمع بهم وليمن عليهم بأكلة ثريد! بينما يأكل أكبادهم بالمرض ويطمس وجوههم بالفقر، وعقولهم بالجهل، ثم يشنع عليهم وينسب إليهم وإلى دينهم ونظام حياتهم ما هم فيه من شقاء.
وإن وجوه هؤلاء الأطفال الذين خصهم ذلك الشريط السينمائي بالتفاته لها مغزاها في التشنيع على هيئة شعرهم وعيونهم كان من الممكن، لو أرادت فرنسا، أن تخرج منها وجوه علماء وأطباء ومحامين ومهندسين وقواد وغيرهم، ولكن فرنسا أرادت أن تعطل قوى الحياة في هذه الأجسام إفناء أمتهم وضم أرضها إلى أرض فرنسا.
ولكن الله العادل الرحيم المقتص من الظالمين قد أراد أن يفني فرنسا ويحطم مجدها ويبلبل عقائدها ويضرب بعضها ببعض وقد دنس بنعال أعدائها حرمات أرضها قبل أن تفنى هؤلاء وتقضي عليهم القضاء الأخير الذي تتربصه منذ مائة وعشرين سنة. وسترى فرنسا أن هذه الأمة المغربية ستنهض وتشترك في تجديد رسالة العلم والحضارة الحقيقية.
وما في فرنسا من براكين الاختلاف كفيل بأن يدمر حياتها
ووقوعها بين قوتي المشرق الروسي والمغرب الانجلوأمريكان سيجعل أرضها مجالا للصراع المدمر الآني لا محالة، وبدلا من أنها كانت تجد في شمال إفريقية مجال لشد أزرها لو أنها أحسنت صنعًا إلى المغاربة وحكمت قلوبهم بالحب، ستجد في هذا المغرب ألبا عليها وقوة تشترك في هدمها. وقد فات أوان الظلام واختلف الحساب وانعكس عليها قصدها من إفناء المغاربة بعد سطوع الفجر الدولي.
وإن الذين يشهدون محافل المغاربة في مصر ليرى العزم المصمم والإيمان الراسخ والجهاد الهازئ بالآلام في سبيل الحرية والحياة.
وإن قلوب المشارقة من العرب والمسلمين لتغلى غليان السخط والعداوة والاحتقار للحكم الفرنسي في شمال إفريقية كلما رأت هذه النخبة الممتازة من شباب تونس والجزائر ومراكش الذين كان من حسن حظ العرب والمغرب عموما أنهم استطاعوا الإفلات من الأغلال الفرنسية ليلفتوا إليها من الخارج متعاونين مع المشارقة. وإنهم لنماذج صالحة تثير الفرح بمستقبل المغرب إذا ما انزاح عنه النير الفرنسي، وإنهم أيضًا ليثيرون السخط على فرنسا حينما نرى وجوههم السميحة وألسنتهم الفصيحة ونقارنها بما رأيناه مع هذه الوجوه المطموسة بسمات الحرمان وإمارات النكال في هذا الشريط السينمائي الذي أرادته فرنسا دعاية لها فكان دعاية عليها.
وإننا لنحس إحساسًا صادقًا أن المغرب العربي المبتلى بفرنسا يغلي غليانًا تفور له قلوب العرب في الشرق بالغضب والسخط على ذلك الحكم القاسي الذي يربط على الجناح الأيسر للعروبة بالحديد ويوقد عليه بالنار ويحبسه أن يخفق طليقا موازيًا للجناح الأيمن لها حتى ينهض العرب معًا.
فإذا كانت فرنسا لا تحسب حسابًا لصداقة العرب وهم أمة كبيرة في البحر الأبيض على الأقل ولا تعاملهم بقانون الجوار والمصالح المشتبكة فإنها تبرهن بذلك على أنها لا تنظر إلا لحاضرها وانظر إلى أمة لا تنظر حاضرها ولا تسعى لمستقبلها بكسب صداقة سبعين مليونًا من الجيران الدائمين المعتدلين الأوفياء الأشراف.
عبد المنعم خلاف
للأستاذ عبد المنعم خلاف
كل من شاهد الجريدة الفرنسية السينمائية التي عرضت في الأسبوع الماضي في بعض دور السينما في القاهرة، لاشك قد امتلأ قلبه بكثير من التقزز والاشمئزاز والسخط لمنظر من مناظرها. هو منظر هذه (القطع الآدمية) المشوهة التي جمعتها الدعاية الفرنسية ضد الجزائر والغرب لتعرضها على عيون الناس في العالم كله كنموذج لبرها بعرب الجزائر! لقد جمعت قطعًا من الفقر والتشوه والعري والجهومة والضياع لتؤكلهم ثريدًا في عيد الأضحى. .! واجتهدت أن تأخذ لهم صورًا من مقاطع تبرز صورًا فنية للفقر والشناعة! ولو عرضت علينا صورًا لمجموعة من الذباب أو الكلاب الضالة لارتاحت إليها العيون بعض راحة لم تجدها في منظر هؤلاء التعساء! وإن منظر العرايا من زنوج المجاهل العائشين وراء التاريخ، المنقطعين عن العالم لأجمل كثيرًا من مناظر هؤلاء الكرام الذين أضناهم البؤس وأضوائهم الحكم المذل المرهق، وجعل على وجوههم سمات من العذاب والضيق؛ فإن الزنوج يتمتعون بالصحة الطبيعية والحرية الطبيعية والمجال الحر في مجاهلهم ومتقلباتهم الواسعة، أما أولئك العرب الذين كانوا مثال الرقة الأندلسية والنظافة الإسلامية والحرية العربية والذكاء اللامع والمشاركة الناجحة في الحضارة، فقد حولهم الحكم الفرنسي إلى مجموعة أشنع من مجاميع الذباب والكلاب الضالة. وإن الكلاب الضالة ربما لا تجد القوت الميسر ولا السهر على مصالحها، ولكنها على كل حال تجد حرية العيش، أما هؤلاء فلا يجدون إلا قيودًا من التعس والذل والحرمان من مقومات الأجسام ومقومات الأرواح.
إنني لا أستطيع أن أفهم من عرض مثل هذه المناظر إلا اهتمام فرنسا بأن تبرهن للعالم على أن هؤلاء العرب الذين ابتلوا بحكمها منذ مائة وعشرين سنة قوم هم حثالة الناس وفي المستوى الأدنى من الحياة، فهم أبعد الناس عن منحهم حق تقرير المصير والحريات العامة، وأقرب الناس إلى فرض القسوة الفرنسية عليهم. ولا أستطيع أن أفهم إصرار فرنسا على إفنائهم عن طريق الجهل والفقر والحرمان والتعس - مع أن فرنسا في زعمها أمة الرقة والجمال وتسجيل حقوق الإنسان - إلا أنها تضمر لتلك الكتلة العربية والإسلامية عداوة وحقدًا موروثًا لأسباب تاريخية لا يجهلها أحد، فهي تثأر منهم وتنكل بهم وتحرمهم أبسط حقوق الإنسان وهو حق الحياة وحق التعلم وحق الصحة. . .
إن عارًا على فرنسا أن تظل جامدة في أسلوب حكمها للمغرب العربي مع أن الإنجليز ابتدءوا يخففون وطأة حكمهم في الهند، درة تاجهم. وأصل بلاء العالم العربي بالاستعمار هو وقوعه على طريق الهند.
وإن من العار أيضًا عليها أن تعرض مثل هذه المناظر للذين ابتلوا بحكمها. لأنها هي المسئولة عما هم فيه من تخلف وحرمان ولو شاءت لرفعتهم واجتهدت في وصلهم بقافلة الإنسانية السائرة. والذين يملكون حظائر للحيوانات يجتهدون أن يعرضوا منها على عيون الناس للفخر بما تصل إليه من شبع وسمن وصحة وسعادة، ولو أنها تذهب بتلك الحيوانات أخيرًا للمذبح، أو تجز صوفها أو تأخذ لبنها أو تستخدمها في حرث الأرض وزرعها. فلماذا تعرض فرنسا مثل هذه المناظر التعسة لهؤلاء الذين انحطت بهم عن مستوى الحيوان؟! ألا إنها شهادة مسجلة على فرنسا، سجلتها بيدها لتثير بذلك لعنات الأحرار وسخطهم عليها!.
لقد طالما ذكرنا فرنسا برسالتها الإنسانية التي هي تاج مجدها الحقيقي، والعنصر الباقي لفخرها على مدى الزمان، ولكن الذين في مصر من الفرنسيين أصدقائهم يلوح لي أنهم لا يحركون ساكنا ولا يأبهون للتذكير، وقد أخذتهم سكرة الثقة بقوة فرنسا وغلبها على هؤلاء الضعفاء المبتلين بها.
ولكن لتعلم فرنسا أن الفخر الدولي قد سطع على أوكار الرجعية السياسية الجامدة التي تنقل جراثيم الطغيان والجهالة إلى محيط العالم الواسع كله، فلم تعد العين الإنسانية تطيق أن ترى مثل هذه المناظر التي تذكرها بأشنع صور القسوة الجاهلية، ولتعلم فرنسا أيضًا أن مجدها قد أخذ في الأفول منذ أن تخلت عن رسالتها الإنسانية، رسالة ثورتها، وأن سمعتها قد ساءت بواسطة حكمها للمغرب العربي ذلك الحكم العنيف المظلم الذي يحرم المحكومين النور والصحة والعلم ثم يعرضهم على رءوس الإشهاد ليسمع بهم وليمن عليهم بأكلة ثريد! بينما يأكل أكبادهم بالمرض ويطمس وجوههم بالفقر، وعقولهم بالجهل، ثم يشنع عليهم وينسب إليهم وإلى دينهم ونظام حياتهم ما هم فيه من شقاء.
وإن وجوه هؤلاء الأطفال الذين خصهم ذلك الشريط السينمائي بالتفاته لها مغزاها في التشنيع على هيئة شعرهم وعيونهم كان من الممكن، لو أرادت فرنسا، أن تخرج منها وجوه علماء وأطباء ومحامين ومهندسين وقواد وغيرهم، ولكن فرنسا أرادت أن تعطل قوى الحياة في هذه الأجسام إفناء أمتهم وضم أرضها إلى أرض فرنسا. . . ولكن الله العادل الرحيم المقتص من الظالمين قد أراد أن يفني فرنسا ويحطم مجدها ويبلبل عقائدها ويضرب بعضها ببعض وقد دنس بنعال أعدائها حرمات أرضها قبل أن تفنى هؤلاء وتقضي عليهم القضاء الأخير الذي تتربصه منذ مائة وعشرين سنة. وسترى فرنسا أن هذه الأمة المغربية ستنهض وتشترك في تجديد رسالة العلم والحضارة الحقيقية.
وما في فرنسا من براكين الاختلاف كفيل بأن يدمر حياتها
ووقوعها بين قوتي المشرق الروسي والمغرب الانجلوأمريكان سيجعل أرضها مجالا للصراع المدمر الآني لا محالة، وبدلا من أنها كانت تجد في شمال إفريقية مجال لشد أزرها لو أنها أحسنت صنعًا إلى المغاربة وحكمت قلوبهم بالحب، ستجد في هذا المغرب ألبا عليها وقوة تشترك في هدمها. وقد فات أوان الظلام واختلف الحساب وانعكس عليها قصدها من إفناء المغاربة بعد سطوع الفجر الدولي.
وإن الذين يشهدون محافل المغاربة في مصر ليرى العزم المصمم والإيمان الراسخ والجهاد الهازئ بالآلام في سبيل الحرية والحياة.
وإن قلوب المشارقة من العرب والمسلمين لتغلى غليان السخط والعداوة والاحتقار للحكم الفرنسي في شمال إفريقية كلما رأت هذه النخبة الممتازة من شباب تونس والجزائر ومراكش الذين كان من حسن حظ العرب والمغرب عموما أنهم استطاعوا الإفلات من الأغلال الفرنسية ليلفتوا إليها من الخارج متعاونين مع المشارقة. وإنهم لنماذج صالحة تثير الفرح بمستقبل المغرب إذا ما انزاح عنه النير الفرنسي، وإنهم أيضًا ليثيرون السخط على فرنسا حينما نرى وجوههم السميحة وألسنتهم الفصيحة ونقارنها بما رأيناه مع هذه الوجوه المطموسة بسمات الحرمان وإمارات النكال في هذا الشريط السينمائي الذي أرادته فرنسا دعاية لها فكان دعاية عليها.
وإننا لنحس إحساسًا صادقًا أن المغرب العربي المبتلى بفرنسا يغلي غليانًا تفور له قلوب العرب في الشرق بالغضب والسخط على ذلك الحكم القاسي الذي يربط على الجناح الأيسر للعروبة بالحديد ويوقد عليه بالنار ويحبسه أن يخفق طليقا موازيًا للجناح الأيمن لها حتى ينهض العرب معًا.
فإذا كانت فرنسا لا تحسب حسابًا لصداقة العرب وهم أمة كبيرة في البحر الأبيض على الأقل ولا تعاملهم بقانون الجوار والمصالح المشتبكة فإنها تبرهن بذلك على أنها لا تنظر إلا لحاضرها وانظر إلى أمة لا تنظر حاضرها ولا تسعى لمستقبلها بكسب صداقة سبعين مليونًا من الجيران الدائمين المعتدلين الأوفياء الأشراف.
عبد المنعم خلاف