أرشيف المقالات

مصير الإنسانية في أيدي الشيوخ

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 عن مجلة (العلم والحياة) الفرنسية كانوا قديما يتساءلون: ماذا نفعل بالشيوخ؟ أما اليوم فيجب أن نتساءل: ماذا عسى أن يفعل بنا الشيوخ؟ يؤخذ من الإحصاءات الرسمية أن متوسط الحياة البشرية في عصرنا أصبح يتراوح بين الخمسين والستين من الأعوام، وقد كان لبضعة عقود خلت نحو الخمسة والثلاثين.
وهذه الزيادة ترجع إلى تقدم الطب وانتشار الوسائل الصحية وتحسين طرق المعيشة ونحوها.
وقد لوحظ أيضا لعوامل ذاتها نقص كبير في وفيات الأطفال بجميع أنحاء العالم حتى في أكثر البلدان انحطاطا والواقع أن مصير العالم هو اليوم في أيدي هؤلاء ألا شيوخ الذين يفرضون على الشعوب إرادتهم ويلبسونها الأثواب التي يفصلون.
وهم ولا جدال أولياء الأمر يأمرون وينهون في الشؤون السياسية والحربية والفنية والأدبية والعلمية وغيرها.
إنهم جاوزوا الستين من العمر فبلغوا حد الشيخوخة؛ غير أن هذا الحد سيمتد كلما ارتفع متوسط العمر البشري.
فالمرأة في أوائل هذا القرن كانت تدعى عجوزا وهي بعد في الثلاثين أو الخامسة والثلاثين؛ والرجل الخمسيني كان يعد شيخا، أما اليوم فلو دعونا امرأة خمسينية عجوزا ورجلا ستينيا شيخاً لغضبا وحقهما أن يغضبا؛ لأنهما لا يزالان يحتفظان برواء الشباب ونشاطه.
أما اليوم فلو دعونا امرأة خمسينية عجوزا ورجلاً ستينيا لغضبا شيخاً وحقهما أن يغضبا؛ لأنهٍما لا يزالان يحتفضان برواء الشباب ونشاطه.
أما القول بأن الحياة تبتدئ في الأربعين فسيخلفه بعد وقت قريب تحديد آخر فيقال إنها تبتدئ في الستين أو السبعين إن هذا العصر الذي يدعى بحق العصر الذري لا بأس أن ندعوه أيضاً عصر الشيوخ.
وما الشيوخ إلا رجال يجمعون إلى الحزم والحنكة انشاط وصفاء الذهن.
ولنا أمثلة عديدة في الذين يملكون زمام الأمر ويديرون شؤون الشعب، فالملك هاكون السابع، كان عمره فوق السبعين، وابن السعود هو اليوم في العقد السابع، والمرحوم عبد الله ملك شرقي الأردن كان عمره حين قتل 89 سنة، وستالين الذي يبسط سلطانه على بضع مئات من الملايين يحمل على كتفيه 72 حولا، ومستشاره للشؤون الخارجية أندره ويشنسكي بلغ الثامنة والستين، وتشرشل الذي قاد الحلفاء إلى النصر في الحرب الأخيرة دخل في السابعة والسبعين، ولكل من ويزمن رئيس إسرائيل وهربرت هوفر رئيس الولايات المتحدة سابقا سبعة وسبعون عاما، وكارلوس سفورزا وزير خارجية إيطاليا في الثامنة والسبعين، وأدوار هريو رئيس المجلس الفرنسي في التاسعة والسبعين، وكونراد أدنور مستشار ألمانيا الغربية في الخامسة والسبعين، وماك آرثر ومرشال القائدان الأميركيان في الواحدة والسبعين، ودي جسباري رئيس وزارة إيطاليا في السبعين، وكلامنت أتلي رئيس الوزارة السابق البريطانية أتم الثامنة والستين، ورئيس جمهورية فرنسا فنسان أوربول وهاري ترومان رئيس الولايات المتحدة وروبرت شومان في السادسة والستين، وبين قادة البشر يعد شان كاي شك أحدثهم سنا فعمره اليوم 64 سنة فمن الشواهد المتقدمة يتضح لنا أن مقاليد الناس هي ولا جدال في أيدي شيوخهم وفي الميدان العلمي تجد أبرز الوجوه وجوه الذين ندعوهم مسنين مما يبرهن على أن للعمل العقلي علاقة بطول العمر.
ففي الأكاديمية الفرنسية عشرة أعضاء جاوزوا الثمانين منهم الأميرال لاكاز الذي تعدى حدود التسعين.
وفي أكاديمية الفنون نذكر جان روي الذي بلغ الواحدة والتسعين.
وفي أكاديمية العلوم والآداب والسياسة سبعة أعضاء قطعوا الثمانين أكبرهم الأستاذ تروشي وعمره 88.
وللأستاذ هرتمن من جامعة الطب 92 سنة، ولجوستاف شربانتيه من مجمع الفنون الجميلة 91 سنة وبين العلماء الطاعنين في السن نذكر مخترع السينما أوغست ليميار وهو الآن في التاسعة والثمانين، وأستاذ التشريح فلورنس سابان في الثمانين، والطبيعي شارل أبول في التاسعة والسبعين، والفلكي هنري روس في الرابعة والسبعين، وألبير أنشتين صاحب نظرية النسبية في الثانية والسبعين، والتوأمان بيكار وجان أوغست الطبيعيان المشهوران في السابعة والستين.
ويحسن أن نذكر في هذا المجال بطل الصحة الأستاذ أميل مال من الأكاديمية الفرنسية الذي بلغ الثمانية والثمانين دون أن يمرض في حياته إلا مرة واحدة بالحمى التيفوئيدية وهو في سن الواحدة والعشرين.
وفي رأي هذا الأستاذ أن العمل هو وحده الذي يحفظ الصحة ويطيل الحياة.
وقد يظهر هذا الرأي لأول وهلة غريبا.
أما الحقيقة فهي أن العمل ينشط القوى ويوقظ قبل كل شيء الرغبة في الحياة.
ومن الطبيعي أن القوى الجسدية تتهدم كلما تقدم الإنسان في العمر؛ غير أن القوى العقلية تزداد نشاطا وصفاء بفضل التمرين والاختبارات الماضية.
وعلى هذا فالإنسان الذي يزاول الأعمال اليدوية تنحط قواه العضلية عند بلوغه حدا من العمر بخلاف من يزاول الأعمال العقلية فإنه يشعر في ذلك الحد نفسه أنه أشد نشاطا وأصفى فكرا.
وقد فرض نظام التقاعد على البالغين الثامنة والستين مع أنهم يكونون في هذا السن في أوج نشاطهم العقلي.
ولو أن نظام التقاعد يراعي بحذافيره في كل البلدان لكان عدد كبير من الموهوبين مقعدا عن العمل.
نذكر منهم في عالم الفنون الموسيقي المشهور جان سيبيوس وعمره اليوم 86 سنة، والمصور فرانك برانغوين 84 وتوسكانيني 84 وبول كارد 82 والمصور هنري ماتيس 82 واوغدن بتري 80 وبيكاسو 80 وكوربيزيه المهندس الشهير 74 والموسيقية راندا لندوسكا 74 وفي فن التمثيل السينمائي نقتصر على ذكر اتيل باريمور وعمره 74 وساشا غيتري 66 وبوريس كارلون 64 وموريس شفالييه63 وشارل شابلن 62 وكودرينس 62 ومن هذه الأمثلة التي سردناها لا يجرؤ أحد أن يسأل: ماذا نفعل بالشيوخ؟

شارك الخبر

المرئيات-١