القصص

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
قصيدة غرام.
للقصصي الفرنسي جي دي موباسان بقلم الأستاذ عبد الغني العطري غادر القطار مدينة جنوا متجها نحو مرسيليا، ومتقفيًا تعرجات الشاطئ الصخري الطويلة، وأخذ يسلك سبيله - بخفة وسرعة ونشاط، كثعبان أسود مخيف - بين اليم والجبل، زاحفًا فوق الشواطئ ذات الرمال الصفر التي تدغدغها الأمواج الصغيرة بخيوط دقيقة لجينية، ثم يدخل - دون تمهل - فوهة النفق الأسود، كما تدخل البهائم في أجحارها، أو الطيور الغَردة في أوكارها وكان في العربة الأخيرة من القطار، شاب في ريعان صباه، وامرأة أُوتيت من السمن حظًا وفيرًا.
جلسا متقابلين وجهًا لوجه، دون أن ينطقا بحرف، أو ينبسا ببنت شفة.
وكان كلاهما يختلس من صاحبه النظر، بين الفينة والفينة.
أما المرأة فكان لها من العمر نحو خمس وعشرين ربيعًا، وكانت جالسة قرب النافذة تمتع ناظريها بمناظر الطبيعة المُرَنِّية وهي إلى ذلك امرأة قروية صلبة العود، قوية البنية، من مقاطعة بييمون الإيطالية، ذات عينين سوداوين، وصدر ناهد جسيم، ووجنتين مكتنزتين باللحم والشحم، وقد ألقت تحت مقعدها الخشبي عدة حُزم ورِزم، واحتفظت فيما بين ركبتيها بسلة أما هو.

فقد كان على النحو العشرين من عمره، وكان نحيلًا مهزولًا مسقَّمًا بصبغة سمراء قاتمة، وهي من علامات الرجال الذين يعملون في الأرض، خلال فصل الصيف، وفي حر الهاجرة وكان إلى جانبه منديل حوى كل ما ملكت يمينه من (ثروة!) ونشب: حذاء وقميص، وسروال وصدار.
وقد أخفى عدا ذلك تحت المقعد أشياء أخرى: مِجرفة ومعولًا، ُربط بعضها إلى بعض بحبل.
لقد كان ذاهبًا إلى فرنسا ليبحث فيها عن عمل يعتاش من ورائه أخذت الشمس تتسلق القبة الزرقاء، بخطوات مبتدئة رزينة، وأخذت تقذف من برجها العاجي البعيد وابلًا من أشعتها النارية المستمرة على الشاطئ الهادئ الوديع. كان ذلك في أواخر شهر أيار، وأريج الزهر العطري يعبق في الجو، ويدخل العربات، التي ظلت نوافذها مفتحة، وكان شجر البرتقال والليمون في إبان إزهاره، وأريج زهره الناضر يعبق في الجو ويتطاير مع النسيم برقة وعذوبة وقوة، فيفعم الأنوف، ويملأ الخياشم، ويمتزج برائحة الورد الفواحة العطرة التي كانت تنبت على طول الطريق بكثرة مفرطة كما ينبت العشب أو الكلأ في البساتين وأمام الخرائب المتهدمة، وفي الحقول والمزارع أيضًا. لقد كانت هذه الورود والأزاهير في المكان الملائم لها على هذا الشاطئ الوديع، وكانت تملأ جو البلدةَ بشذاها الفواح، وأريجها التضوع، حتى أنها تجعل النسيم حلو طيبًا كقطعة من حلوى! وليس ذلك ما تصنعه فحسب بل كانت تجعل النسيم شيئًا ألذ من الخمر، ولكنه مسكر كالخمر! أما القطار فكان يسير الهوينى، كما لو أنه يبغي عامدًا أن يطيل مشيته في هذه الحديقة الحالمة؛ وكان يقف بين الآونة والأخرى في المحطات الصغيرة أمام بعض المنازل البيض، ثم يستأنف مسيره الهادئ الواني ثانية بعد أن يصفَّر طويلًا، لم يكن أحد يركب القطار من تلك المحطات، ولم يكن يُرى أحد أيضًا؛ حتى إن المرء ليحسب أن الخليقة ناعسة بأسرها، وأن أحدًا لا يجد القوة والنشاط لتغيير موضعه في ذلك الصباح اللاهب من فصل الربيع وكانت المرأة البدينة تسبل جفنيها بين الآونة والأخرى ثم تفتحها على حين غرة، عندما تشعر بأن السلة التي وضعتها بين قدميها على وشك السقوط، فتمسكها بحركة سريعة نشيطة، وتمد رأسها إلى النافذة، وتمتع ناظريها بمشاهد الكون المرئية، ثم تعود إلى إغماض جفنيها من جديد، وكانت بعض قطرات من العرق تلتمع فوق جبهتها، ثم تتنفس بجهد وعناءٍ، كما لو كانت تعاني ضغطًا شديدًا أما الفتى القروي فقد أحنى رأسه، وأستسلم لنوم عميق لذيذ وعندما كان القطار يغادر محطة صغيرة، استيقظت المرأة على حين غرة ثم أخرجت من سلتها رغيفًا من الخبز وبيضًا مسلوقًا وقارورة من الخمر وأجاصًا جيدًا مورَّد الخد وشرعت تأكل وأستيقظ الشاب فجأة أيضًا على صوت حركاتها الأخيرات وأخذ يرنو إليها ويطيل النظر إلى لقمة تَطعَمها وتذهب بها من بين ركبتيها إلى فمها.
ومكث كذلك: مشبك الذراعين، محملق العينين، بارز العارضتين، مغلق الشفتين وكانت المرأة تَطْعَم غداءها رغبة ملحة ونهَم شديد، وتحسو مع كل لقمة جرعة من صهبائها كي يسوغ طعامها ويسهل عليها ابتلاعه.
وكانت تمتنع هنيهة عن طعامها بين الفينة والفينة لتستجم أولًا وترسل نَفَسًا طويلًا ثانيًا لقد أتت على كل ما لديها من طعام وشراب، فلم تُبقي شيئًا من الخبز أو البيض أو الأجاص أو الخمر.
وما أن انتهت القروية البدينة من غدائها حتى أغمض الفتى جفنيه.
ولما شعرت المرأة بالشبع، وامتلاء المعدة، نزعت أزرار ثوبها من عراها، كي تصيب بعض الراحة بعد هذا الشبع المفرط.
ونظر إليها الفتى من جديد، ولكنها لم تضطرب من نظراته ولم تقلق، بل ثابرت على فك أزرارها، وكان ضغط نهديها المتوثبين الشديد، يبعد القماش بعضه عن بعض، ويظهر من الفرجة - التي أخذت تتسع - شيئًا من قميصها القطني الأبيض، وقليلًا من بشرتها، ولما وجدت القروية البدنية.
ولما وجدت القروية البدينة نفسها أقر عينًا، وأهدأ بالًا، وأكثر راحة وسرورًا، رفعت رأسها للفتى، وقالت له تحدثه بالإيطالية: - لقد بلغت شدة الحر حدًا تعسر معه التنفس وضاق فأجابها الشاب، باللغة نفسها، واللهجة ذاتها: - إن الطقس حسن، ملائم للسفر والسياحة كل الملائمة والتفتت إليه فسألته: - أأنت من مدينة بيمون؟ - بل من آستى - أما أنا فمن كازال لقد كانا من بلدتين متجاورتين، فآلف ذلك بين قلبيهما، وجمع بين روحيهما، فأخذا يتجاذبان أطراف الأحاديث.
تحدثنا طويلًا.

وطويلًا جدًا، عن أمور وأشياء مبتذلة، لا قيمة لها وشأن يذكر؛ أشياء تعيد العامة ذكرها، وتكررها في كل ظرف أو مناسبة.
وهي في الحق أقصى ما يصل إليه تفكير هذه الطبقة الضيق.
تحدثنا عن البلدة، وعن أخبارها وظرائفها.
لقد كان لديهما معلومات مشتركة غزيرة، يعرفها كلاهما بالتفاصيل والدقائق.
وأخذا يذكران الأشخاص، ويعددان الأسماء التي يعرفان أصحابها.
وكانت أواصر الصداقة والمودة تزداد توثقًا بينهما كلما ذكرا شخصًا جديدًا رأياه، أو صحباه، أو عرفاه.
وكانت الكلمات تنطلق من ثغريهما بقوة وحماس، وسرعة ونشاط، مع نهاياتها الموسيقية الرنانة، ونغماتها الإيطالية الحلوة.
ثم أخذ كلاهما يعرف صاحبه إلى نفسه: أما المرأة فقد كانت متزوجة ولها من الأولاد ثلاثة تركتهم إلى أختها لترعاهم، وتقوم على خدمتهم، لأنها أخذت تشغل منصب مرضع وفير الربح، لدى سيدة فرنسية في مرسيليا وأما الفتى الشاب فقد كان يبحث عن شغل، وقد قيل له: إنه سيجد - دون ريب - عملًا في مرسيليا لأنهم يكثرون من البناء والعمار هناك وما أن بلغا هذا الحد من الحديث حتى اعتصما بالسكوت وأخذت الحرارة تزداد والنهار يَرْمض، وذكاء يشتد سعيرها كلما غذَّت الخطا في تسلق القبة الزرقاء، وكانت أشعة الشمس اللاهبة تسقط على عربات القطار فتزيد في شدة الحر، وتضاعف أواره المتسعر، وأخذت غمامة من الغبار الكثيف تتطاير خلف القطار، وتدخل العربات.
وكان أريج زهر البرتقال والورود يزداد تضوعًا وانتشارًا، فيملأ الخياشيم ويفعم الأنوف واستولت على المسافرْين الفتَّيْين من جديد رغبة ملحة في الرقاد، فاستسلما طائعين لسلطان الكرى القاهر وعدا بعد حين، فنفضا عن عيونهما بقايا النوم، في وقت يوشك أن يكون واحدًا.
وتضيقت الشمس أخيرًا، وأخذت تدنو من البحر، وهي تنير صفحة الماء الأزرق بأشعتها الأرجوانية اللألاءة، فيزداد بريقه ويشتد تألقه والتماعه.
وبدأ الهواء الطريُّ الرطب، أخف وطأة، وأقل ضغطًا. وأخذت المرضع تلهث وكان صدارها مفتوحًا، وخداها مسترخيين، وعيناها كامدتين.

ثم قالت بصوت ينم عن الإعياء البالغ، وألاين الشديد: - منذ نهار أمس لم أُدن ثدي من طفل، وهاأنا ذا بسبب ذلك مضطربة الفكر، مشتتة القلب، موزعة الفؤاد، كما لو كنت مقدمة على إغماء شديد ولم يحر الشاب جوابًا، لأنه لم يدر ما يقول، ولا بماذا يجيب واستمرت المرضع في حديثها فقالت: عندما تملك المرأة لبنًا بالقدر الذي أملك، من الواجب عليها أن ترضع ثلاث مرات في النهار، فإن لم تفعل أصيبت بضيق عظيم، وغم شديد، إنني أشعر بعبء ثقيل يرزح فوق صدري، ويكاد يحبس عني الأنفاس، ويحطم مني الضلوع.
من الشقاء والتعاسة أن تملك المرأة لبنًا بهذه الغزارة والكثرة فأجابها الفتى بنغمة الموافق الآسف: - حقًا إنه من الشقاء يا سيدتي.

إن هذا اللبن يقض مضجعك ويزعجك دون ريب.
وفي الحق كانت تبدو على محياها إمارات المرض، ويظهر في عينيها بريق التعب والإعياء.
ثم جمجمت في صوت خفيض: - يكفي أن يضغط المرء ثديي قليلًا كي يتفجر منه اللبن، كما لو كان ماء ينبجس من نبع، حقًا إن هذا منظر مروع، حتى أن المرء لا يكاد يصدقه لمجرد السماع، وفي (كازال) يتقاطر الناس عليّ كي يروا ثدييّ - أحقًا ذلك؟ - أجل، إن هذا حق، لا غبار عليه، ولا لبس فيه، وسأريكهما، غير إن هذا لا يفيدني في شيء، لأني لن أستطيع أن أفرغ شيئًا من محتوياتهما على هذه الصورة قالت ذلك وسكتت من جديد ووصل القطار بعد حين من الوقت، إلى إحدى المحطات، فوقف عن المسير.
وكان في المحطة - خلف الحاجز القائم بين القطار والجمهور - امرأة هزيلة الجسم، رثة اللبوس، تحمل بين ذراعيها طفل يبكي ووقع نظر المرضع على المرأة؛ فقالت بصوت تمثل فيه اللطف والإشفاق والرحمة: - هذه امرأة يمكنني أن أخفف عنها ما تعاني من ضيق، كما أن الطفل بإمكانه أن يخفف عني هذه الأثقال التي ينوء بها صدري.
اسمع يا صديقي لست غنية - لأني أترك منزلي وذوي وابني الأصغر، كي أعمل كمرضع، بعيدة عن الوطن والأهل - ولكني على استعداد لدفع خمسة فرنكات في سبيل الحصول على هذا الطفل وإرضاعه مدة عشر دقائق؛ إن هذا دون ريب بعيد الهدوء والسرور إلى نفسينا.
يخيل إلي أني سأبعث من جديد حين أفعل ذلك، وإن الحياة ستسري في عروقي قالت ذلك، ولجأت إلى أحضان الصمت تعتصم به من جديد وأخذت تمسح بيدها اللاهبة - حينًا بعد حين - جبهتها فيسيل العرق منها ويندى - ثم قالت بصوت موجع حزين: - لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك.

لم أعد أستطيع.

يخيل إليَّ أني أوشك أن أموت وبحركة لا شعورية أطلقت الأزرار ثوبها العنان فتفتح كله! وبدأ ثديها الأيمن للعيان، فكان ضخمًا كبيرًا ينتهي بحَلَمة سمراء.

شديدة السمرة.
وقالت المرضع المسكينة شاكية متألمة: - آه يا إلهي! ماذا أصنع؟ ماذا أفعل؟ لم أعد أستطيع!.

وكان القطار قد عاد لاستئناف المسير بين الأزاهير الفواحة التي تنشر شذاها العبق الذي يشتد تضوعه في الأمسيات الدافئة.
وفي بعض الأوقات كان يخيل إلى المرء أن زورق صيد وقف هادئًا فوق صفحة الماء الأزرق الساجي بشراعه الأبيض الساكن، وكانت صورته تنعكس في الأمواج، كما لو أن زورقًا آخر كان في المكان نفسه ولكن باتجاه معاكس، أي رأسه إلى أسفل.
ورفع الفتى القروي رأسه إلى المرضع وقال مضطربًا مغمغمًا: - ولكن يا سيدتي.

يمكنني أن.

أن أريحك مما تعانين!.
فنظرت إليه المرضع بطرف مريض كليل؛ وأجابته بصوت خفيض ذليل: - أجل.

إن أردت يا سيدي.
إنك تسدي إلي يدًا لا أنساها.
لم أعد أستطيع الاحتمال أكثر من ذلك! لم أعد أستطيع.
وجثا الفتى على ركبتيه أمامها، وانحنت المرضع نحوه مقدمة إلى فمه، بحركة من حركات المرضعات المألوفة لديهن، حَلَمَة ثديها الدكناء.
وخلال الحركة التي قامت بها المرضع، والتي أمسكت بها ثديها بيديها، كي تدنيه من الرجل الشاب، ظهر على الحلمة نقطة من اللبن، فأمتصها هذا بسرعة ورغبة ونهَم، وهو يقبض بشفتيه على الثدي الثقيل المنتفخ، كما لو كان يقبض على ثمر شهي!.
أو فاكهة طيبة لذيذة.
وأخذ الرجل يرضع لبن هذا الثدي بشره ورغبة، ونظام ودقة. وطوق الشاب بذراعيه خصر المرأة، وأخذ يضغطها كي يدنيها منه أكثر، وكان يتناول لبنه بجرعات متباطئة متزنة ويميل برقبته يمنة ويسرة، كما يفعل الأطفال الرضع على التمام! وفاجأته المرأة بعد حين بقولها: - يكفي هذا المقدار من هذا الثدي، خذ الآخر الآن وتناول الثدي الآخر بإذعان وطاعة وخضوع.
ووضعت المرأة يديها على الشاب، وأخذت ترسل أنفاسها، بهدوء نفس، وانشراح صدر، وهي تنشق عبير الورود والأزهار الممتزج بنسمات الهواء الرقيقة التي كانت حركات القطار تقذف بها إلى العربات.
وقالت على حين غرة: - أعتقد أنه يكفي هذا المقدار الذي ارتضعته فلم يحر الشاب جوابًا، وأستمر يحسو من هذا النبع الذي لا ينضب، مسبلًا جفنيه، كي يشعر بلذة أكبر، وسعادة أعظم ولكنها أبعدته برفق وهي تقول: - كفى.

كفى.

أشعر بتحسن شديد.
إن صنيعك يا سيدي قد أعاد روحي إلى الجسد، وبعثني بعثًا جديدًا وأنتصب الفتى واقفًا، وهو يمسح شفتيه بظاهر كفه.
فقالت له المرأة حينذاك، وهي تدخل في ثوبها، ثدييها الكبيرين اللذين ينفخان صدرها: - حقًا لقد أسديت إلي يا سيدي يدًا لن أنساها، أنني أشكر لك هذه المنة، وأحفظ لك هذا الفضل فأجابها الشاب بغنة فيها امتنان وشكر وعرفان للجميل: - ولكن عفوك يا سيدتي وغفرانك!.

أنا الذي يجب علي أن أشكرك من صميم الفؤاد، وسويداء القلب.
لقد انقضى علي يومان، يا سيدتي، لم أطعم خلالها شيئًا.
(دمشق) عبد الغني العطري

شارك المقال

المرئيات-١
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت