للأستاذ رفعة الحنبلي
أجابت الأمم العربية، في الآونة الأخيرة، لنوازع التجديد الأوروبي الحديث من نواح عديدة، سياسية واجتماعية، أدبية وعلمية، فأخذت بالبعض منها وهمت بالبعض الآخر؛ وأبعد هذه النواحي أثرًا فيها الناحية العلمية التربوية التي أخذت بها، إذ أنها استبانت طريقها على ضوئها، وبدأت تتمشى حسب أنظمة التعليم الحديثة في معاهدها وكلياتها وجامعاتها، بعد أن بقيت ردحًا من الزمن محافظة على القديم منها، وراحت تتفهم مبادئها السليمة وتتلمس طرقها القويمة، وتزاوج بين القديم منها والحديث إلى أن أسبلت عليها رداء جديدًا، وأسبغت عليها لونًا طريفًا، فرضيت به كمبدأ يستحثها على مماشاة النهضات العلمية العالمية، ويدفعها إلى تبوء مركزها الرفيع بين الأمم
وفي الواقع نرى الأمم العربية قد أعدت نفسها إلى الأخذ بهذه المبادئ التربوية - التي اعتكف علماء التربية على دراستها دراسة وافية شاملة، والتفقه فيها تفقهًا عميقًا، طوال سنين عديدة - فأقبلت عليها وسارعت إلى إقرارها، وكان أن تبدلت الأنظمة، وتغيرت الأسس وتلونت المناهج وفقًا للمبادئ التعليمية الحديثة التي تتلاءم مع احتياجات المجتمع وتطور البيئات؛ ومن أهم تلك المبادئ مبدأ التعليم كثر الجدل حوله بين كبار المربين، واحتدم الكلام بين علماء النفس في منافعه ومضاره، فمنهم من أقره ورغب فيه، ومنهم من أنكره وصدف عنه، ولكل منهم أنصاره وأعوانه وحججه وتجاربه
على أن الأمم العربية لم تأخذ بهذا المبدأ - مبدأ التعليم المختلط - في جميع مراحله من ابتدائية وثانوية وجامعية، بل اقتصرت على الدراسات العالية، أو بالأحرى اقتصرت على الدراسة في الجامعة وحسب، ولذا نشاهد ارتياد الفتاة الجامعات دون غيرها
لنتصفح أوجه الرأي المختلف عليه في قضية هذا التعليم المختلط، ولندرس عناصره وعوامله ولنقف على ظاهره وخافيه، ولنرسم خطوطه الكبرى كي نتفهم خصائصه ونستبطن دخائله
إن أول أمة أخذت بالتعليم المختلط هي الأمة الأمريكية، وهو طريقة تعليمية جديدة من مبادئه أن يتلقى الفتيان والفتيات التعليم والتثقيف معًا في معهد واحد وفي وقت واحد، مراعاة درجة معارفهم ومستوى معلوماتهم وتفاوت أعمارهم دون النظر إلى الفارق الجنسي، على أن يشرف على هذا التعليم أساتذة من كلا الجنسين
والتعليم المختلط على أنواع ثلاثة: نوع يعرف بالتعليم المطلق أو التام منه تهيئة الطلاب من كلا الجنسين للعلم وإعدادهم للحياة الاجتماعية التي تستدعيها البيئة وتقضي بها الحضارة؛ ونوع آخر يعرف بالمدرسة المختلطة وفيها يجتمع الجنسان في الفصول وحسب؛ والنوع الأخير هو ما يطلق عليه التعليم المختلط المقيد وهدفه تهيئة الطلاب والطالبات للعلم وإعدادهم للحياة الاجتماعية على شرط أن ينظر إلى خصائص هاتين الفئتين من عقلية ونفسية حتى تتلاءم مع استعداد الأفراد من الجنس الواحد وميولهم ورغائبهم ومع بعض الاعتبارات والعوامل مادية كانت أو معنوية
ولتحقيق فكرة التعليم المختلط وجب تحقيقها، في بادئ الأمر، على الأساتذة الذين يشرفون عليها أو بالأحرى وجب أن تكون الهيئة التعليمية - كما يقول الدكتور في كتابه القيم (التعليم المختلط في المدارس الثانوية) - مؤلفة من مربين ومربيات ليتلقى الطلاب، على المعلمات، بعض الدراسات كما تتلمذ الفتيات على بعض المربين
وإذا ما أهملنا الجانب المادي الذي يتحكم في مصير هذه الفكرة تحكمًا شديدًا، والذي من شأنه أن يدفعها إلى التقدم دفعًا سريعًا، ويدنيها من غايتها المثلى. على نحو ما يذهب إليه بعض علماء التربية، وجدنا أن البعض الآخر يتساءل عما إذا كانت هذه الفكرة تتفق والتطور الطبيعي من حيث القابلية والاستعداد لكل فئة من هاتين الفئتين من الجنسين؟.
يتعلق جواب هذا التساؤل بدراسة نفسية كل منهما من النواحي التي تتصل اتصالًا وثيقًا بعلم النفس: كتطور الميول، وتباين الرغائب، واختلاف القوى واحتمال التعب وغيره
ولكن هل يصح لنا أن نرد تباين هذه النواحي إلى التربية العائلية وخصائص البيئة ومزايا الفرد، أم أنها تتعلق بالجنس من حيث جنس؟
في الواقع أن هذه النواحي ترجع إلى اختلافات جنسية ذات تأثير يجعل التباين بينهما إلى أبعد حدوده
قلت: إن أول أمة فكرت في هذا النوع من التعليم المختلط هي الأمة الأمريكية، وما أن استهل القرن العشرون حتى فشا هذا النوع في جميع معاهدها من ابتدائية وثانوية وجامعية؛ وبلغ عدد المعاهد الثانوية بحسب إحصاء رسمي قامت به حكومة الولايات المتحدة عام 1909 - 11075 عهدًا مختلطا يؤمها 921736 طالبًا وطالبة تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة منها 919 معهدًا خاصًا بالطلاب عدد أفرادها 110725 طالبًا؛ مع العلم أن هذا الإحصاء لا يشمل العدد الوفير من المعاهد المختلطة التي تشرف عليها الجمعيات الخيرية والدينية، وبلغ عدد الجامعات في إحصاء آخر 622 جامعة منها 158 جامعة خاصة بالفتيان 129 جامعة خاصة بالفتيات و335 جامعة مختلطة؛ فالفتيات إذن يختلفن في المعاهد الثانوية بنسبة ثمانين في المائة، وهي نسبة جد مرضية أما المدارس الابتدائية فيتردد عليها مئات الألوف من كلا الجنسين على السواء.
ولم يقف هذا التجديد عند الأمة الأمريكية فحسب، بل تعدى إلى الأمم الأخرى أشهرها التي تقطن شبه جزيرة اسكندنافية، وكذلك الأمة الفرنسية والألمانية والأسبانية وسواها. واجتاحت موجة هذا التجديد الأمة الإيطالية أيضًا فأصدرت قانونًا في الرابع من شهر حزيران عام 1911 أحالت بموجبه جميع معاهدها إلى معاهد مختلطة، وكذلك دور المعلمين أيضًا حيث كان الانتساب إليها مقصورًا على الطلاب
وأبدلت الحكومة الإنكليزية بدورها منذ مدة غير بعيدة ولأسباب اقتصادية جميع معاهدها الابتدائية والثانوية إلى معاهد مختلفة، إلا أنها قيدت التعليم المختلط بما يختص بالتعليم الثانوي حيث يجتمع الجنسان في بعض المواد وفي المختبرات وعند تناول الطعام على أن يسمح لهما في الاجتماع في الأمسيات التي يقضونها معًا يستمعون إلى محاضرات في شتى العلوم والآداب والفنون
من هذا يتبين لنا أن التعليم المختلط قد فشا بين أكثر الشعوب المتحضرة والأمم المتمدينة وهم الأصقاع الأوربية والأمريكية وتناول بعض الأصقاع الشرقية أيضًا
غير أن هنالك نظريات متباينة، في صدد هذا التعليم، من حيث منافعه ومضاره، أثارها علماء النفس والاجتماع والتربية، اضطربت فيها عناصر مختلفة من القيم، واحتربت فيها مذاهب كثيرة من التفكير فنرى الأستاذ أحد المربين الأمريكيين، لم يتوان عن إبداء رأيه العنيف فيما يتعلق باختلاط الجنسين في معهد واحد، بعد اختبار نيفت مدته على خمسة عشر عامًا. فإذا به يقول: (لمست في المدارس الابتدائية الصداقة العميقة والحب العنيف بين طلابها وطالباتها وقلما تشاهد فتى لا يفزع إلى رفيقة له، حيث يختلفان معًا إلى دور الخيالة (السينما) - على حد تعبير الأستاذ البشري - وإلى المتنزهات العامة، وكثيرًا ما تتوافر الهدايا على الطالبات من الأيفاع المحبين، وكثيرًا ما تتعدد زيارات الفتيان المولهين للفتيات)
ويقول أيضًا: (أما في المعاهد الثانوية فيكفي أن تصيخ السمع قليلًا لتتأكد أن المحاورة التي يأخذ بها الطالب مع صديقته الطالبة بعيدة أقصى درجات البعد عن حل مسألة جبرية أو إعطاء رأي في قيصر أو إنعام نظر في مذهب من المذاهب الأدبية أو العلمية أو غيرها. ) وقد لا نستغرب من الفتاة، في هذه الحالة، تغيبها المتواصل عن المعهد أسبوعًا أو أسبوعين بسبب هذه النوازع العاطفية، وبفضل هذه الأحاسيس العنيفة
حمل المربي الكبير العالم على التعليم المختلط، في مرحلة التعليم الثانوي، حملة عنيفة، استند فيها على اختباراته الخاصة التي قام بها طوال أعوام عديدة، إذ أنه يرى الفتى يفقد شيئًا من رجولته، والفتاة شيئًا من أنوثتها، وكذلك يرى أن الخصائص الفردية والمزايا الشخصية، لكل من الجنسين، تنحدران إلى هاوية سحيقة قد لا يسلم من خطرها الفتى أو الفتاة وقد ينتج من هذا الخطر نقص في الزواج في المستقبل القريب أو البعيد، ولا أدل على ذلك من أن معهدًا كان يضم بين جدرانه 560 فتاة تأهل منهن أربع وستون منهن اثنتا عشرة فتاة تزوجن زملاءهن في الدراسة
لذلك نجد أن وحملا على التعليم المختلط في هذه المرحلة حملة فيها كثير من العنف والخشونة على الرغم من اعتراف الأول ببعض حسناته؛ وتذهب السيدة إحدى المربيات العالمات مذهب زميليها، وهي بعد تعتقد بأن تأثير التعليم المختلط هو أبقى أثرًا على الفتيان منه على الفتيات، فأولاء يحتفظن بأنوثتهن بينما أولئك يفقدون شيئًا من رجولتهم، ودللت على صحة ما ذهبت إليه بما قامت به من الاختبارات في عدة مدارس مختلفة الأنواع، حيث رغبت إلى الطلاب أن يعرفوا لها (الحب)؛ فكانت أجوبة الطلاب الذين لم يختلطوا في يوم من الأيام نتناول الحب الأبوي والحب الأخوي والحب الإنساني وسواه.
أما أجوبة طلاب المدارس المختلطة فكانت تتضمن الحب الوجداني والحب العاطفي وغيره.
والواقع الأليم أن الفتاة لا تستطيع أن تحتفظ بأنوثتها في اختلافها إلى المعاهد المختلطة، بل لا بد لها من أن تفقد شيئًا منها كما نوه بذلك العالم بل لماذا لا نذهب إلى أبعد من هذا الحد فنقول أن الفتاة قد تخسر شيئًا من خصائصها وتفقد قليلًا من مزاياها، وقد يتلون قسم من عواطفها ويتبدل كثير من نفسيتها.
عوامل قد يكون لها أسوأ الأثر ليس على حياتها الحاضرة فحسب بل وعلى مستقبلها أيضًا. فالصداقة التي تتأصل في أطواء نفسها، وهي على مقعد الدراسة تدفعها للتعرف على الفتى من ناحية تتباين والناحية التي تتعرف عليها وهي على غير مقعد الدراسة، أو بعبارة ثانية أنها تتقرب إلى الفتى عن طريق الصداقة لا عن طريق الحب الذي تنشده ليلها ونهارها إذ تفتقر بذلك إلى الرجل المثالي التي تسعى وراءه
وهي إلى ذلك تتأثر إلى أبعد حدود التأثر بمعاشرتها الفتى، فتتغير عقليتها، وتتبدل نفسيتها، وتتلون عواطفها ويتحول طراز معيشتها إلى حد تلتزم فيه تقليد الفتى تقليدًا قد يكون تامًا أو لا يكون، في معاملته أو في حديثه أو في خشونته أو في لباسه أو غير ذلك، وهكذا نراها تتسم بمزايا الرجولة التي كثيرًا ما تجعل الرجل يصدف عنها ويعزف عن الحياة الزوجية إذا ما فكر في الزواج، وقد يثور الرجل على هذا التطور في أخلاق الفتاة، وعلى هذا التبدل في نفسيتها بعد أن يكون قد قبله ورضي عنه حينما كان طالبًا
ونصيب الفتى من هذا التطور في الميول والعادات لا يقل أثرًا عن نصيب الفتاة منه، بل ربما كان أبعد مدى فيه منها، فإذا هو مائع الرجولة، أنثوي الأخلاق، فقير الخصائص، فاقد المزايا. .
فالتقارب إذًا بين الفتى والفتاة يحور بعض مزاياه الطبيعية ويضعف بعض خصائصه الجنسية، وإن كانت بعض هذه الخصائص ترتفع وتسمو، وبعض هذه المزايا تنبل وتعلو
على أن بعضًا من العلماء يقولون إن التعليم المختلط هو من أحسن الأنظمة التعليمية الجديدة وأرقاها ابتكرتها عقول جبارة نيرة، فيعترفون بأفضليتها ويقرون بحسناتها ويرتاحون إلى نتائجها على أن يقتصر هذا التعليم على الابتدائي والجامعي، أما التعليم الثانوي، فأشد ما يكون خطرًا على أخلاق الناشئة وآدابها، غير أن البعض الآخر يقول بالتعليم المختلط في أدواره الثلاثة: الابتدائية والثانوية والجامعية (البقية في العدد القادم)
رفعة الحنبلي
للأستاذ رفعة الحنبلي
أجابت الأمم العربية، في الآونة الأخيرة، لنوازع التجديد الأوروبي الحديث من نواح عديدة، سياسية واجتماعية، أدبية وعلمية، فأخذت بالبعض منها وهمت بالبعض الآخر؛ وأبعد هذه النواحي أثرًا فيها الناحية العلمية التربوية التي أخذت بها، إذ أنها استبانت طريقها على ضوئها، وبدأت تتمشى حسب أنظمة التعليم الحديثة في معاهدها وكلياتها وجامعاتها، بعد أن بقيت ردحًا من الزمن محافظة على القديم منها، وراحت تتفهم مبادئها السليمة وتتلمس طرقها القويمة، وتزاوج بين القديم منها والحديث إلى أن أسبلت عليها رداء جديدًا، وأسبغت عليها لونًا طريفًا، فرضيت به كمبدأ يستحثها على مماشاة النهضات العلمية العالمية، ويدفعها إلى تبوء مركزها الرفيع بين الأمم
وفي الواقع نرى الأمم العربية قد أعدت نفسها إلى الأخذ بهذه المبادئ التربوية - التي اعتكف علماء التربية على دراستها دراسة وافية شاملة، والتفقه فيها تفقهًا عميقًا، طوال سنين عديدة - فأقبلت عليها وسارعت إلى إقرارها، وكان أن تبدلت الأنظمة، وتغيرت الأسس وتلونت المناهج وفقًا للمبادئ التعليمية الحديثة التي تتلاءم مع احتياجات المجتمع وتطور البيئات؛ ومن أهم تلك المبادئ مبدأ التعليم كثر الجدل حوله بين كبار المربين، واحتدم الكلام بين علماء النفس في منافعه ومضاره، فمنهم من أقره ورغب فيه، ومنهم من أنكره وصدف عنه، ولكل منهم أنصاره وأعوانه وحججه وتجاربه
على أن الأمم العربية لم تأخذ بهذا المبدأ - مبدأ التعليم المختلط - في جميع مراحله من ابتدائية وثانوية وجامعية، بل اقتصرت على الدراسات العالية، أو بالأحرى اقتصرت على الدراسة في الجامعة وحسب، ولذا نشاهد ارتياد الفتاة الجامعات دون غيرها
لنتصفح أوجه الرأي المختلف عليه في قضية هذا التعليم المختلط، ولندرس عناصره وعوامله ولنقف على ظاهره وخافيه، ولنرسم خطوطه الكبرى كي نتفهم خصائصه ونستبطن دخائله
إن أول أمة أخذت بالتعليم المختلط هي الأمة الأمريكية، وهو طريقة تعليمية جديدة من مبادئه أن يتلقى الفتيان والفتيات التعليم والتثقيف معًا في معهد واحد وفي وقت واحد، مراعاة درجة معارفهم ومستوى معلوماتهم وتفاوت أعمارهم دون النظر إلى الفارق الجنسي، على أن يشرف على هذا التعليم أساتذة من كلا الجنسين
والتعليم المختلط على أنواع ثلاثة: نوع يعرف بالتعليم المطلق أو التام منه تهيئة الطلاب من كلا الجنسين للعلم وإعدادهم للحياة الاجتماعية التي تستدعيها البيئة وتقضي بها الحضارة؛ ونوع آخر يعرف بالمدرسة المختلطة وفيها يجتمع الجنسان في الفصول وحسب؛ والنوع الأخير هو ما يطلق عليه التعليم المختلط المقيد وهدفه تهيئة الطلاب والطالبات للعلم وإعدادهم للحياة الاجتماعية على شرط أن ينظر إلى خصائص هاتين الفئتين من عقلية ونفسية حتى تتلاءم مع استعداد الأفراد من الجنس الواحد وميولهم ورغائبهم ومع بعض الاعتبارات والعوامل مادية كانت أو معنوية
ولتحقيق فكرة التعليم المختلط وجب تحقيقها، في بادئ الأمر، على الأساتذة الذين يشرفون عليها أو بالأحرى وجب أن تكون الهيئة التعليمية - كما يقول الدكتور في كتابه القيم (التعليم المختلط في المدارس الثانوية) - مؤلفة من مربين ومربيات ليتلقى الطلاب، على المعلمات، بعض الدراسات كما تتلمذ الفتيات على بعض المربين
وإذا ما أهملنا الجانب المادي الذي يتحكم في مصير هذه الفكرة تحكمًا شديدًا، والذي من شأنه أن يدفعها إلى التقدم دفعًا سريعًا، ويدنيها من غايتها المثلى. على نحو ما يذهب إليه بعض علماء التربية، وجدنا أن البعض الآخر يتساءل عما إذا كانت هذه الفكرة تتفق والتطور الطبيعي من حيث القابلية والاستعداد لكل فئة من هاتين الفئتين من الجنسين؟. . . يتعلق جواب هذا التساؤل بدراسة نفسية كل منهما من النواحي التي تتصل اتصالًا وثيقًا بعلم النفس: كتطور الميول، وتباين الرغائب، واختلاف القوى واحتمال التعب وغيره
ولكن هل يصح لنا أن نرد تباين هذه النواحي إلى التربية العائلية وخصائص البيئة ومزايا الفرد، أم أنها تتعلق بالجنس من حيث جنس؟
في الواقع أن هذه النواحي ترجع إلى اختلافات جنسية ذات تأثير يجعل التباين بينهما إلى أبعد حدوده
قلت: إن أول أمة فكرت في هذا النوع من التعليم المختلط هي الأمة الأمريكية، وما أن استهل القرن العشرون حتى فشا هذا النوع في جميع معاهدها من ابتدائية وثانوية وجامعية؛ وبلغ عدد المعاهد الثانوية بحسب إحصاء رسمي قامت به حكومة الولايات المتحدة عام 1909 - 11075 عهدًا مختلطا يؤمها 921736 طالبًا وطالبة تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة منها 919 معهدًا خاصًا بالطلاب عدد أفرادها 110725 طالبًا؛ مع العلم أن هذا الإحصاء لا يشمل العدد الوفير من المعاهد المختلطة التي تشرف عليها الجمعيات الخيرية والدينية، وبلغ عدد الجامعات في إحصاء آخر 622 جامعة منها 158 جامعة خاصة بالفتيان 129 جامعة خاصة بالفتيات و335 جامعة مختلطة؛ فالفتيات إذن يختلفن في المعاهد الثانوية بنسبة ثمانين في المائة، وهي نسبة جد مرضية أما المدارس الابتدائية فيتردد عليها مئات الألوف من كلا الجنسين على السواء. . .
ولم يقف هذا التجديد عند الأمة الأمريكية فحسب، بل تعدى إلى الأمم الأخرى أشهرها التي تقطن شبه جزيرة اسكندنافية، وكذلك الأمة الفرنسية والألمانية والأسبانية وسواها. واجتاحت موجة هذا التجديد الأمة الإيطالية أيضًا فأصدرت قانونًا في الرابع من شهر حزيران عام 1911 أحالت بموجبه جميع معاهدها إلى معاهد مختلطة، وكذلك دور المعلمين أيضًا حيث كان الانتساب إليها مقصورًا على الطلاب
وأبدلت الحكومة الإنكليزية بدورها منذ مدة غير بعيدة ولأسباب اقتصادية جميع معاهدها الابتدائية والثانوية إلى معاهد مختلفة، إلا أنها قيدت التعليم المختلط بما يختص بالتعليم الثانوي حيث يجتمع الجنسان في بعض المواد وفي المختبرات وعند تناول الطعام على أن يسمح لهما في الاجتماع في الأمسيات التي يقضونها معًا يستمعون إلى محاضرات في شتى العلوم والآداب والفنون
من هذا يتبين لنا أن التعليم المختلط قد فشا بين أكثر الشعوب المتحضرة والأمم المتمدينة وهم الأصقاع الأوربية والأمريكية وتناول بعض الأصقاع الشرقية أيضًا
غير أن هنالك نظريات متباينة، في صدد هذا التعليم، من حيث منافعه ومضاره، أثارها علماء النفس والاجتماع والتربية، اضطربت فيها عناصر مختلفة من القيم، واحتربت فيها مذاهب كثيرة من التفكير فنرى الأستاذ أحد المربين الأمريكيين، لم يتوان عن إبداء رأيه العنيف فيما يتعلق باختلاط الجنسين في معهد واحد، بعد اختبار نيفت مدته على خمسة عشر عامًا. فإذا به يقول: (لمست في المدارس الابتدائية الصداقة العميقة والحب العنيف بين طلابها وطالباتها وقلما تشاهد فتى لا يفزع إلى رفيقة له، حيث يختلفان معًا إلى دور الخيالة (السينما) - على حد تعبير الأستاذ البشري - وإلى المتنزهات العامة، وكثيرًا ما تتوافر الهدايا على الطالبات من الأيفاع المحبين، وكثيرًا ما تتعدد زيارات الفتيان المولهين للفتيات)
ويقول أيضًا: (أما في المعاهد الثانوية فيكفي أن تصيخ السمع قليلًا لتتأكد أن المحاورة التي يأخذ بها الطالب مع صديقته الطالبة بعيدة أقصى درجات البعد عن حل مسألة جبرية أو إعطاء رأي في قيصر أو إنعام نظر في مذهب من المذاهب الأدبية أو العلمية أو غيرها. . .) وقد لا نستغرب من الفتاة، في هذه الحالة، تغيبها المتواصل عن المعهد أسبوعًا أو أسبوعين بسبب هذه النوازع العاطفية، وبفضل هذه الأحاسيس العنيفة
حمل المربي الكبير العالم على التعليم المختلط، في مرحلة التعليم الثانوي، حملة عنيفة، استند فيها على اختباراته الخاصة التي قام بها طوال أعوام عديدة، إذ أنه يرى الفتى يفقد شيئًا من رجولته، والفتاة شيئًا من أنوثتها، وكذلك يرى أن الخصائص الفردية والمزايا الشخصية، لكل من الجنسين، تنحدران إلى هاوية سحيقة قد لا يسلم من خطرها الفتى أو الفتاة وقد ينتج من هذا الخطر نقص في الزواج في المستقبل القريب أو البعيد، ولا أدل على ذلك من أن معهدًا كان يضم بين جدرانه 560 فتاة تأهل منهن أربع وستون منهن اثنتا عشرة فتاة تزوجن زملاءهن في الدراسة
لذلك نجد أن وحملا على التعليم المختلط في هذه المرحلة حملة فيها كثير من العنف والخشونة على الرغم من اعتراف الأول ببعض حسناته؛ وتذهب السيدة إحدى المربيات العالمات مذهب زميليها، وهي بعد تعتقد بأن تأثير التعليم المختلط هو أبقى أثرًا على الفتيان منه على الفتيات، فأولاء يحتفظن بأنوثتهن بينما أولئك يفقدون شيئًا من رجولتهم، ودللت على صحة ما ذهبت إليه بما قامت به من الاختبارات في عدة مدارس مختلفة الأنواع، حيث رغبت إلى الطلاب أن يعرفوا لها (الحب)؛ فكانت أجوبة الطلاب الذين لم يختلطوا في يوم من الأيام نتناول الحب الأبوي والحب الأخوي والحب الإنساني وسواه. . . أما أجوبة طلاب المدارس المختلطة فكانت تتضمن الحب الوجداني والحب العاطفي وغيره. . .
والواقع الأليم أن الفتاة لا تستطيع أن تحتفظ بأنوثتها في اختلافها إلى المعاهد المختلطة، بل لا بد لها من أن تفقد شيئًا منها كما نوه بذلك العالم بل لماذا لا نذهب إلى أبعد من هذا الحد فنقول أن الفتاة قد تخسر شيئًا من خصائصها وتفقد قليلًا من مزاياها، وقد يتلون قسم من عواطفها ويتبدل كثير من نفسيتها. . . عوامل قد يكون لها أسوأ الأثر ليس على حياتها الحاضرة فحسب بل وعلى مستقبلها أيضًا. فالصداقة التي تتأصل في أطواء نفسها، وهي على مقعد الدراسة تدفعها للتعرف على الفتى من ناحية تتباين والناحية التي تتعرف عليها وهي على غير مقعد الدراسة، أو بعبارة ثانية أنها تتقرب إلى الفتى عن طريق الصداقة لا عن طريق الحب الذي تنشده ليلها ونهارها إذ تفتقر بذلك إلى الرجل المثالي التي تسعى وراءه
وهي إلى ذلك تتأثر إلى أبعد حدود التأثر بمعاشرتها الفتى، فتتغير عقليتها، وتتبدل نفسيتها، وتتلون عواطفها ويتحول طراز معيشتها إلى حد تلتزم فيه تقليد الفتى تقليدًا قد يكون تامًا أو لا يكون، في معاملته أو في حديثه أو في خشونته أو في لباسه أو غير ذلك، وهكذا نراها تتسم بمزايا الرجولة التي كثيرًا ما تجعل الرجل يصدف عنها ويعزف عن الحياة الزوجية إذا ما فكر في الزواج، وقد يثور الرجل على هذا التطور في أخلاق الفتاة، وعلى هذا التبدل في نفسيتها بعد أن يكون قد قبله ورضي عنه حينما كان طالبًا
ونصيب الفتى من هذا التطور في الميول والعادات لا يقل أثرًا عن نصيب الفتاة منه، بل ربما كان أبعد مدى فيه منها، فإذا هو مائع الرجولة، أنثوي الأخلاق، فقير الخصائص، فاقد المزايا. .
فالتقارب إذًا بين الفتى والفتاة يحور بعض مزاياه الطبيعية ويضعف بعض خصائصه الجنسية، وإن كانت بعض هذه الخصائص ترتفع وتسمو، وبعض هذه المزايا تنبل وتعلو
على أن بعضًا من العلماء يقولون إن التعليم المختلط هو من أحسن الأنظمة التعليمية الجديدة وأرقاها ابتكرتها عقول جبارة نيرة، فيعترفون بأفضليتها ويقرون بحسناتها ويرتاحون إلى نتائجها على أن يقتصر هذا التعليم على الابتدائي والجامعي، أما التعليم الثانوي، فأشد ما يكون خطرًا على أخلاق الناشئة وآدابها، غير أن البعض الآخر يقول بالتعليم المختلط في أدواره الثلاثة: الابتدائية والثانوية والجامعية (البقية في العدد القادم)
رفعة الحنبلي