للأستاذ عبد الرحمن شكري
كل إنسان من الناس لا يعد الاغتياب اغتيابًا إلا إذا كان قد أتى من غيره في حقه أو في حق عزيز عنده أو مرضيًّ عنه لديه. أما إذا أتى الاغتياب من غيره وقُصد به انتقاص غير عزيز عنده ولا مرضيٍ عنه؛ أو إذا كان هو الذي يغتاب فإنه لا يعد الاغتياب في هذه الحالات اغتيابًا بل يعده مكرمة وفضيلة، فيعده انتصارًا للحق وهداية إلى الفضيلة وإظهارًا للنقص ومحاربة للرذيلة وتحذيرًا للسامع من الشر. وهكذا تتغير حقائق الأمور حسب أهوائه، وبذلك يسيطر على ضميره ويخدع ضمائر الناس. فالاغتياب منه فضيلة ليس بعدها فضيلة؛ أما من غيره فالاغتياب دليل على لؤم النفس وخساستها. وهو إذا اغتابه أحد الناس لم يعد اغتياب المغتاب له فضيلة وهداية إلى الفضل ومحاربة للنقص كما يعد الاغتياب الذي يجيء من نفسه في حق الناس. وكثيرًا ما يلجأ المغتاب إلى أساليب عجيبة كي يقبل اغتيابه فيقول: إني لا أريد أن أنتقص فلانًا أو أن أذمه فإنه رجل فاضل، ثم يغتابه بما لا يترك له فضلًا ولا فضيلة. وقد يمدح عمل الرجل في صنعته كي يقبل الناس ذمهُ له في أخلاقه؛ وذلك لأن الفضل في العمل قد لا يخفى على البصير الحاذق الذي يستطيع أن يزن فضل القول أو العمل في الصنعة أو المهنة. أما فضل الأخلاق فأكثره غير مكتوب في طرس ولا مرصوف في بناء ولا منحوت في تمثال حتى يزن الوازن فنه ولونه وحقيقته، بل أكثره وديعة في نفوس الخلطاء أو من ليسوا بخلطاء ولا عشراء إذا كان المرء معروفًا بالذكر عند من لا يعرفه في حياته الخاصة. والخلطاء قد لا يؤدون الأمانة وافية ولا الوديعة غير منتقصة وغير الخلطاء إنما يحكمون بالصدى
وكثيرًا ما يرشو المغتاب سامعه بالمدح إذا كانت إثارة شره وحقده على من يعرفه أو لا يعرفه تحتاج إلى مدح المغتاب لسامعه الذي يريد إثارة شره، أو قد يهدد المغتاب سامعه بالذم إذا لم يقبل أن يُستشار شره وحقده على ذلك الغائب الذي يغتابه المغتاب، وقلما يجرؤ أحد الناس إذا سمع ذمًا لغائب أو شبه غائب على رفض الذم وتزكية المذموم خشية أن يعد الناس مدحه للمذموم مشاركة له في نقصه الذي ذمَّ به، فترى أكثر الناس إلا من ندر إذا اغتاب إنسان إنسانًا يسرعون إلى إظهار تصديقهم قوله خشية أن يعدوا مشاركين المذموم إذا كذَّبوا مغتابه. وهم يسرعون إلى هذا التصديق وإن كانوا من أهل الخير، وإن كانوا من أبعد الناس عن التلذذ بالحقد من غير سبب للحقد، وإنما يصدقون المغتاب وقاية لأنفسهم، وكل إنسان به شيء قليل أو كثير من الجبن أو الخوف أو الحذر فيخاف إذا لم يعاون المغتاب على اغتياب الغائب - وأقل المعاونة المعاونة بالسكوت والإنصات والابتسام والإقبال - أن يُعدَّ مشاركا للغائب فيما اغتيب به. وإذا كان هذا شأن أهل الخير فما ظنك بغيرهم من الناس وأكثر الناس يجدون في أنفسهم لذة ومسرة - إما قليلة تكاد تكون خفية غير ملحوظة وإما لذة عظيمة - إذا سمعوا ذمًا لإنسان. وأقل أسباب هذه اللذة وأطهرها أن الذم لم يقع بهم بل بغيرهم فَيُسرون لنجاتهم من الذم بوقوع الذم بغيرهم كما يسرون من أجل أنَّ ذم غيرهم بالحق أو بالباطل إذا سمعوه أو قالوه يزيدهم عظمة عند أنفسهم فيشعرون أنهم صاروا أعظم من المذموم حتى ولو كان ذمه بالباطل، فالذم كالجمر كل يريد أن يلقيه على غيره. فإذا أحس السامع في نفسه أنه أحق بذلك الذم الذي اغتاب به المغتاب غائبًا أسرع في معاونة المغتاب على الغيبة كيلا يفطن المغتاب وكيلا يلحظ من عينيه أنه أحق بالذم من الغائب. ومن أجل ذلك يكون الاغتياب أشيع ما يكون بين أهل النقص الحقيقين بالذم الذين يخفون من أسرار أنفسهم ما هو حقيق بالذم فيرتعدون خوفًا من ظهوره فيندفعون إلى الغيبة من الخوف، كما قد يُقبِلُ الأرنب من خوف إلى الثعبان، أو كما قد يُقبِلُ الهِرُّ من خوف إلى الأسد. وهم قد يندفعون في نقصهم ويُهونون على أنفسهم النقص بذلك. وقد يُصَرَّحُ المغتاب للسامع بالتهديد ولا يكتفي بالتلميح في تهديده فيقول: لا يدافع عن أهل الرذيلة إلا من كان من أهل الرذيلة، فيسرع السامع إلى تصديق المغتاب، وربما صار من خوفه أشد شَرَهًا في الاغتياب من ذلك المغتاب الذي هدده إذا لم يقبل منه قوله. وقد تجتمع في نفس السامع أسباب الاغتياب كلها، بل إن الخوف من مشاركة الغائب المهجو في الذم قد يجعله السامع عذرًا لنفسه إذا وجد لذة في الشر والانتقاص، وإيقاع الأذى بغيره بمعاونة المغتاب؛ فبعد أن يكون قبوله الاغتياب والمعاونة عليه خوفًا يصبح القبول وتصبح المعاونة لذة في إيقاع الأذى وتعاظمًا بانتقاص غيره، فترى أن أقل أسباب قبول الغيبة إثمًا وأطهرها شكلًا يسوق النفس إلى أكثر أسباب قبول الاغتياب والمعاونة عليه إثمًا، وإلى أخبثها أصلًا في النفس. وهذا من عجائب النفس الإنسانية التي في أول أمرها قد تتحرج من أقل الخبث والشر؛ فإذا قبلته مُكرَهةً كارهة قد لا تتحرج في أن تجد لذة في أشد الشر والخبث. والخوف من مشاركة المذموم في الذم سنة عامة قد تتخذ شكلًا مضحكًا. فقد ترى جماعة من الناس يتحدثون في مودة وصفاء ثم يرون على قرب منهم اثنين يتضاحكان، وقد يكون تضاحكهما لأمر لا صلة له بهم، ولعل ذكرهم لم يمر على لسان المتضاحكين، ولكن شدة الذعر من السخر والذم قد توهم تلك الجماعة التي تتحدث في مودة وصفاء أن تضاحك المتضاحكين منهم أو من أحدهم فيبتسم كل منهم كي يوهم أصحابه وجلساءه أنه واثق في سريرة نفسه أنه غير مقصود بضحك المتضاحكين. وقد يكون ابتسامه مخلوطًا في شكله بمظاهر الخوف والارتياب فيتخذ ابتسامه شكلًا مضحكًا حقًا. أما إذا استطاع أن يخفي ما في سريرة نفسه من الارتياب والخوف فإنه قد يقنع جلساءه أن تضاحك المتضاحكين على مقربة منهم ليس سخرًا به بل بأحدهم وقد ينظر مبتسمًا إلى جليس كي يوهم جلساءه أن المتضاحكين إنما يسخران بهذا الجليس الذي ينظر إليه فهو يتوقى السخر الموهوم بإلصاقه بجليسه كي يقي نفسه من أن يُظَنّ موضوع اغتياب المتضاحكين. وهذه ظاهرة مشاهدة في الناس وقد قال أحد الأدباء الماكرين:
إذا رأت إنسانًا في جماعة على مقربة منك وارتبت في أنه يغتابك فما عليك إلا أن تختار صديقًا أو جليسًا يجيد الضحك ثم حدثه حديث فكاهة يثير ضحكه ولا علاقة لحديثك بالإنسان الذي ترتاب في أنه يغتابك فإذا أكثرتما من الضحك وجعلت تنظر غليه أثناء الحديث ارتاب ذلك الإنسان أيضًا في أنك تذكره بسوء. بل قد ينذعر بعض جلسائه خشية أن يكون هو المقصود بالضحك. فينصرفون عنه، وقد يسعون إليك مبتسمين إذا كانوا يعرفونك كي يوهم كل منهم الآخر أنه واثق في سريرة نفسه أنه ليس مدعاةً للسخر والضحك، وإنما يكون انفضاضهم عن ذلك الإنسان على صوت ضحككما كانفضاض قوم عند سماع صوت إطلاق قذيفة من مدفع غير مُعَبأ بما يميت. وهذه الحيلة ليست من مكارم الأخلاق وربما ألجأ إليها الظن المخطئ وربما لا تستطاع إلا بشيء من الصفاقة لا يملكه كل إنسان ولكنها على أي حال من أخلاق الناس ومشاهد الحياة.
والمغتاب الذي لا يستطيع الناس أن يجدوا سببًا لحقده على من يغتابه أكثر المغتابين نجاحًا في الاغتياب، ومن أجل ذلك يحاول المغتاب الماكر أن يخفي سبب حقده وكرهه، وقد يكون السبب بطبعة بعيدًا عن الأذهان، وقد يكون المغتاب نفسه غير فاهم سبب حقده الذي يخامر نفسه كل الفهم، وأخلق بهذا السبب ألا يفهمه الناس إذا كان صاحبه لا يفهمه.
عبد الرحمن شكري
للأستاذ عبد الرحمن شكري
كل إنسان من الناس لا يعد الاغتياب اغتيابًا إلا إذا كان قد أتى من غيره في حقه أو في حق عزيز عنده أو مرضيًّ عنه لديه. أما إذا أتى الاغتياب من غيره وقُصد به انتقاص غير عزيز عنده ولا مرضيٍ عنه؛ أو إذا كان هو الذي يغتاب فإنه لا يعد الاغتياب في هذه الحالات اغتيابًا بل يعده مكرمة وفضيلة، فيعده انتصارًا للحق وهداية إلى الفضيلة وإظهارًا للنقص ومحاربة للرذيلة وتحذيرًا للسامع من الشر. وهكذا تتغير حقائق الأمور حسب أهوائه، وبذلك يسيطر على ضميره ويخدع ضمائر الناس. فالاغتياب منه فضيلة ليس بعدها فضيلة؛ أما من غيره فالاغتياب دليل على لؤم النفس وخساستها. وهو إذا اغتابه أحد الناس لم يعد اغتياب المغتاب له فضيلة وهداية إلى الفضل ومحاربة للنقص كما يعد الاغتياب الذي يجيء من نفسه في حق الناس. وكثيرًا ما يلجأ المغتاب إلى أساليب عجيبة كي يقبل اغتيابه فيقول: إني لا أريد أن أنتقص فلانًا أو أن أذمه فإنه رجل فاضل، ثم يغتابه بما لا يترك له فضلًا ولا فضيلة. وقد يمدح عمل الرجل في صنعته كي يقبل الناس ذمهُ له في أخلاقه؛ وذلك لأن الفضل في العمل قد لا يخفى على البصير الحاذق الذي يستطيع أن يزن فضل القول أو العمل في الصنعة أو المهنة. أما فضل الأخلاق فأكثره غير مكتوب في طرس ولا مرصوف في بناء ولا منحوت في تمثال حتى يزن الوازن فنه ولونه وحقيقته، بل أكثره وديعة في نفوس الخلطاء أو من ليسوا بخلطاء ولا عشراء إذا كان المرء معروفًا بالذكر عند من لا يعرفه في حياته الخاصة. والخلطاء قد لا يؤدون الأمانة وافية ولا الوديعة غير منتقصة وغير الخلطاء إنما يحكمون بالصدى
وكثيرًا ما يرشو المغتاب سامعه بالمدح إذا كانت إثارة شره وحقده على من يعرفه أو لا يعرفه تحتاج إلى مدح المغتاب لسامعه الذي يريد إثارة شره، أو قد يهدد المغتاب سامعه بالذم إذا لم يقبل أن يُستشار شره وحقده على ذلك الغائب الذي يغتابه المغتاب، وقلما يجرؤ أحد الناس إذا سمع ذمًا لغائب أو شبه غائب على رفض الذم وتزكية المذموم خشية أن يعد الناس مدحه للمذموم مشاركة له في نقصه الذي ذمَّ به، فترى أكثر الناس إلا من ندر إذا اغتاب إنسان إنسانًا يسرعون إلى إظهار تصديقهم قوله خشية أن يعدوا مشاركين المذموم إذا كذَّبوا مغتابه. وهم يسرعون إلى هذا التصديق وإن كانوا من أهل الخير، وإن كانوا من أبعد الناس عن التلذذ بالحقد من غير سبب للحقد، وإنما يصدقون المغتاب وقاية لأنفسهم، وكل إنسان به شيء قليل أو كثير من الجبن أو الخوف أو الحذر فيخاف إذا لم يعاون المغتاب على اغتياب الغائب - وأقل المعاونة المعاونة بالسكوت والإنصات والابتسام والإقبال - أن يُعدَّ مشاركا للغائب فيما اغتيب به. وإذا كان هذا شأن أهل الخير فما ظنك بغيرهم من الناس وأكثر الناس يجدون في أنفسهم لذة ومسرة - إما قليلة تكاد تكون خفية غير ملحوظة وإما لذة عظيمة - إذا سمعوا ذمًا لإنسان. وأقل أسباب هذه اللذة وأطهرها أن الذم لم يقع بهم بل بغيرهم فَيُسرون لنجاتهم من الذم بوقوع الذم بغيرهم كما يسرون من أجل أنَّ ذم غيرهم بالحق أو بالباطل إذا سمعوه أو قالوه يزيدهم عظمة عند أنفسهم فيشعرون أنهم صاروا أعظم من المذموم حتى ولو كان ذمه بالباطل، فالذم كالجمر كل يريد أن يلقيه على غيره. فإذا أحس السامع في نفسه أنه أحق بذلك الذم الذي اغتاب به المغتاب غائبًا أسرع في معاونة المغتاب على الغيبة كيلا يفطن المغتاب وكيلا يلحظ من عينيه أنه أحق بالذم من الغائب. ومن أجل ذلك يكون الاغتياب أشيع ما يكون بين أهل النقص الحقيقين بالذم الذين يخفون من أسرار أنفسهم ما هو حقيق بالذم فيرتعدون خوفًا من ظهوره فيندفعون إلى الغيبة من الخوف، كما قد يُقبِلُ الأرنب من خوف إلى الثعبان، أو كما قد يُقبِلُ الهِرُّ من خوف إلى الأسد. وهم قد يندفعون في نقصهم ويُهونون على أنفسهم النقص بذلك. وقد يُصَرَّحُ المغتاب للسامع بالتهديد ولا يكتفي بالتلميح في تهديده فيقول: لا يدافع عن أهل الرذيلة إلا من كان من أهل الرذيلة، فيسرع السامع إلى تصديق المغتاب، وربما صار من خوفه أشد شَرَهًا في الاغتياب من ذلك المغتاب الذي هدده إذا لم يقبل منه قوله. وقد تجتمع في نفس السامع أسباب الاغتياب كلها، بل إن الخوف من مشاركة الغائب المهجو في الذم قد يجعله السامع عذرًا لنفسه إذا وجد لذة في الشر والانتقاص، وإيقاع الأذى بغيره بمعاونة المغتاب؛ فبعد أن يكون قبوله الاغتياب والمعاونة عليه خوفًا يصبح القبول وتصبح المعاونة لذة في إيقاع الأذى وتعاظمًا بانتقاص غيره، فترى أن أقل أسباب قبول الغيبة إثمًا وأطهرها شكلًا يسوق النفس إلى أكثر أسباب قبول الاغتياب والمعاونة عليه إثمًا، وإلى أخبثها أصلًا في النفس. وهذا من عجائب النفس الإنسانية التي في أول أمرها قد تتحرج من أقل الخبث والشر؛ فإذا قبلته مُكرَهةً كارهة قد لا تتحرج في أن تجد لذة في أشد الشر والخبث. والخوف من مشاركة المذموم في الذم سنة عامة قد تتخذ شكلًا مضحكًا. فقد ترى جماعة من الناس يتحدثون في مودة وصفاء ثم يرون على قرب منهم اثنين يتضاحكان، وقد يكون تضاحكهما لأمر لا صلة له بهم، ولعل ذكرهم لم يمر على لسان المتضاحكين، ولكن شدة الذعر من السخر والذم قد توهم تلك الجماعة التي تتحدث في مودة وصفاء أن تضاحك المتضاحكين منهم أو من أحدهم فيبتسم كل منهم كي يوهم أصحابه وجلساءه أنه واثق في سريرة نفسه أنه غير مقصود بضحك المتضاحكين. وقد يكون ابتسامه مخلوطًا في شكله بمظاهر الخوف والارتياب فيتخذ ابتسامه شكلًا مضحكًا حقًا. أما إذا استطاع أن يخفي ما في سريرة نفسه من الارتياب والخوف فإنه قد يقنع جلساءه أن تضاحك المتضاحكين على مقربة منهم ليس سخرًا به بل بأحدهم وقد ينظر مبتسمًا إلى جليس كي يوهم جلساءه أن المتضاحكين إنما يسخران بهذا الجليس الذي ينظر إليه فهو يتوقى السخر الموهوم بإلصاقه بجليسه كي يقي نفسه من أن يُظَنّ موضوع اغتياب المتضاحكين. وهذه ظاهرة مشاهدة في الناس وقد قال أحد الأدباء الماكرين:
إذا رأت إنسانًا في جماعة على مقربة منك وارتبت في أنه يغتابك فما عليك إلا أن تختار صديقًا أو جليسًا يجيد الضحك ثم حدثه حديث فكاهة يثير ضحكه ولا علاقة لحديثك بالإنسان الذي ترتاب في أنه يغتابك فإذا أكثرتما من الضحك وجعلت تنظر غليه أثناء الحديث ارتاب ذلك الإنسان أيضًا في أنك تذكره بسوء. بل قد ينذعر بعض جلسائه خشية أن يكون هو المقصود بالضحك. فينصرفون عنه، وقد يسعون إليك مبتسمين إذا كانوا يعرفونك كي يوهم كل منهم الآخر أنه واثق في سريرة نفسه أنه ليس مدعاةً للسخر والضحك، وإنما يكون انفضاضهم عن ذلك الإنسان على صوت ضحككما كانفضاض قوم عند سماع صوت إطلاق قذيفة من مدفع غير مُعَبأ بما يميت. وهذه الحيلة ليست من مكارم الأخلاق وربما ألجأ إليها الظن المخطئ وربما لا تستطاع إلا بشيء من الصفاقة لا يملكه كل إنسان ولكنها على أي حال من أخلاق الناس ومشاهد الحياة.
والمغتاب الذي لا يستطيع الناس أن يجدوا سببًا لحقده على من يغتابه أكثر المغتابين نجاحًا في الاغتياب، ومن أجل ذلك يحاول المغتاب الماكر أن يخفي سبب حقده وكرهه، وقد يكون السبب بطبعة بعيدًا عن الأذهان، وقد يكون المغتاب نفسه غير فاهم سبب حقده الذي يخامر نفسه كل الفهم، وأخلق بهذا السبب ألا يفهمه الناس إذا كان صاحبه لا يفهمه.
عبد الرحمن شكري