جورجياس أو البيان

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
لأفلاطون للأستاذ محمد حسن ظاظا - 16 - (تنزل (جورجياس) من آثار (أفلاطون) منزلة الشرف، لأنها أجمل محاوراته وأكملها وأجدرها جميعًا بأن تكون (إنجيلا) للفلسفة!) (رينوفييه) (إنما تحيا الأخلاق الفاضلة دائما وتنتصر لأنها أقوى وأقدر من جميع الهادمين!) (جورجياس: أفلاطون) الأشخاص 1 - سقراط: بطل المحاورة: (ط) 2 - جورجياس: السفسطائي: (ج) 3 - شيريفين: صديق سقراط: (س) 4 - بولوس: تلميذ جورجياس: (ب) 5 - كاليكليس: الأثيني: (ك) ط - (ردًا على بولوس الذي سلم بقول سقراط) ولنأخذ الآن الحالة المضادة، ولنفرض أنه يجب أن ننزل شرًا بأحد من الناس عدوًا كان أم غير عدو، وإنما على شريطة ألا نكون قد أُصبنا منه بسوء - إذ يجب أن نحذر من ذلك تمامًا - فإذا كان إذًا غيرنا هو الذي أُصيب منه، فيجب أن نبذل كل الجهود الممكنة من أعمال وأقوال حتى لا يعاقب ولا يمثل أمام القاضي، وإذا هو قُدِّم إلى المحكمة فيجب أن يعد السبيل لفراره وعدم عقابه، بحيث لو كان قد سرق كمية كبيرة من الذهب فإنه لا يعيدها إلى صاحبها بل يبقيها وينفقها على نفسه وأتباعه بطريقة ظالمة جاحدة، وبحيث لو كان قد استحق الموت بجرائمه فإنه ينجو منه، بل إذا أمكن ألا يموت أبدًا وان يخلد برداءته وشره، أو إذا أمكن على الأقل أن يعيش إلى أطول حد مستطاع بحالته تلك - فليكن له ذلك.
! تلك يا بولوس هي الغايات التي يلوح لي أن البيان يستطيع أن يخدمها لأني لا أراه يقدم فائدة كبيرة لذلك الذي لا يستطيع أبدًا أن يرتكب ظلامة ما، إذا صح أن يقدم له أية فائدة! وقد رأينا في مناقشتنا السابقة أنه (أي البيان) لا يصلح لشيء. ك - أخبرني يا شيريفين! أترى سقراط جادًا فيما يقول أم هو يهذر؟ ش - يلوح لي يا كاليكليس أنه جاد كل الجد، ولكن ليس أفضل من أن توجه إليه سؤالك. ك - وأنا أرغب في ذلك كل الرغبة وحق الآلهة! أخبرني يا سقراط: أيجب أن نعتقد أنك كنت جادًا طوال هذه اللحظة أم كنت تهذر؟ ذلك أنه إذا كان كلامك مقصودًا، وإذا كان قولك حقًا، فإن حياتنا الاجتماعية لا شك معكوسة، وإنا لنفعل - فيما يلوح - نقيض ما يجب أن يفعل! ط - إذا لم يكن الناس يا كاليكليس خاضعين لأهواء واحدة وكان لهؤلاء اتجاه ولأولئك اتجاه آخر، بل وكان لكل منا هواه الخاص الذي لا يتصل بأهواء الغير، فإنه لا يكون سهلًا ولا ميسورًا أن نجعل الغير يدرك ويفهم ما نشعر به، وإذا كنت أقول ذلك فإنما أقوله لأني قد لاحظت أننا الآن - أنت وأنا - في نفس الحالة، فنحن الاثنين عاشقان لموضوعين اثنين، أنا (لألسبيادبن كلينياس) والفلسفة؛ وأنت (لديموس) الأثيني (ولديموس بن فيريلامب) ولذلك أتخيل دائمًا أنه بالرغم من فصاحتك الخاصة، فإن كل ما يقوله موضوع غرامك وهواك وأي نحو يري به الأشياء، لن يجد منك القدرة على مناقضته! بل إنك سوف تترك نفسك كالريشة في مهب أفكاره، بحيث لو قد بسطتَ في الجمعية العمومية فكرة ما، وقام (ديموس) الأثيني يعارضها، فإنك ستتركه يفعل ما يشاء، وستعدل من لهجتك تبعًا لأهوائه؛ كما إنك قمين بأن تفعل مثل ذلك إزاء هذا الفتى الجميل ابن (فيريلامب)! ذلك لأنك يا كاليكليس في حالة لا تسمح لك بمعارضة رغبات وأقوال محور عشقك وهواك، بحيث إذا دُهِشَ بعضهم وبُهت في كل مرة تتكلم فيها، وساير أقوالك فوجدها سخيفة معتلة فإنك ستستطيع أن تجيبه - إذا أردت أن تقول الحق - بأنه إذا لم يمنع أحد (غرامك) من أن يتكلم كما يتكلم، فإنك لن تستطيع أن تمنع نفسك من أن تقول ما تقول! فقل لنفسك إذًا إنها يجب أن تنتظر نفس الإجابة من ناحيتي.
ولا تعجب من الأقوال التي سأقولها، ولكن أرغم - (إذا استطعت) - موضوع حبي - (وهو الفلسفة) - على أن يكفَّ عن قول ما يقول! إنه هو في الحقيقة يا صديقي العزيز الذي يقول من غير توقف ما تسمعني أردده في هذه اللحظة، وإنه لأقل تغيرًا بكثير من موضوعات غرامي الأخرى؛ لأن (ابن كلينياس) يتكلم أحيانا بطريقة أخرى، بينما لا تتخذ الفلسفة دائمًا إلا قولًا واحدًا؛ إنها هي التي نطقت بالأقوال التي أدهشتك، والتي ساعدت بنفسك في مناقشتها؛ وأكرر أنها بالتالي هي التي عليك أن تناقضها، فبرهن إذًا على أن ارتكاب الظلم والعيش بعد ارتكابه دون عقاب ليس بأفدح الشرور؛ وإلا فإذا تركت ذلك القول دون أن تنقضه، فإني أقسم لك (بالكلب) إله المصريين يا (كاليكليس) أنك لا تتفق مع نفسك، وأنك تعيش معها في اضطراب دائم؛ وأنا أفضل من ناحيتي يا صديقي الحاذق أن تكون لي ربابة غير متوافقة الأوتار وكلها نشوز، أو أن أكون رئيسًا لفرقة مغنين مضطربة الأصوات، أو أن أجد نفسي معارضًا ومناقضًا لأغلب الناس، على أن أكون مختلفًا فقط مع نفسي ومناقضًا لها. ك - يبدو لي يا سقراط أنك تبدع في كلامك كما يبدع الخطيب الشعبي؛ وإنك لتخطب هكذا لان بولوس قد أصيب بنفس الغيبوبة التي قد اتهم جورجياس بإصابته بها حيال أقوالك.
والحق أن بولوس كان محقًا في قوله إن اعتراف جورجياس - عندما سألته أنت هل سيعلم (العدالة) لذلك الذي سيقصد إلى مدرسته راغبًا في تعلم البيان دون أن يعرف شيئًا عنها، وأجابك هو بأنه سيعلمه إياها جريًا وراء خجله الكاذب، وخوفًا من أن يصدم آراء أتباعه السابقة الذين كانت ستغضبهم أية إجابة غير هذه - أقول الحق بأن بولوس كان محقًا في قوله.
إن هذا الاعتراف جعل الرجل يتناقض مع نفسه ويحقق ما كنت تبغيه منه تمامًا؛ ولكن هاهو ذا بولوس قد أصبح بحق (أيضًا) موضع سخريتك فيما يلوح لي، وذاك هو السبب الذي جعله يضع نفسه موضع جورجياس: فإني لم أرض من ناحيتي عن موافقته لك على أن (الأقبح) هو ارتكاب الظلم لا احتماله: لأنك استطعت بعد ذلك التنازل منه عن رأيه أن تعرقل مناقشته بتدليلك، وأن تقفل فمه فلم يجرؤ على الكلام متابعًا رأيه، والواقع أنك في الوقت الذي تزعم فيه وتؤكد أنك تبحث عن الحقيقة وحدها نراك تسلك مسلك الخطيب الشعبي المهرج وتوجه الكلام نحو (الجميل) لا تبعًا لأحكام الطبيعة، بل تبعًا لأحكام القانون، ولكن الحق أن الطبيعة والقانون يتناقضان في أغلب الأحيان، فإذا حدث وغلب الحياء على المتكلم فمنعه من التصريح بما يراه فإنه يضطره إلى مناقضة نفسه؟ وذاك هو السر الذي اكتشفته يا سقراط لتستعمله في نصب اشراكك وفخاخك في المحاورة، حتى إذا تكلم أحدنا مشيرًا إلى القانون، سألته أنت بالإشارة إلى الطبيعة، وإذا تحدث عما هو كائن في نظام الطبيعة سألته مشيرًا إلى القانون، وهكذا فعلت مثلًا في الظلم المرتكب والمتحمل، إذ بينما كان بولوس يتكلم عن الأقبح تبعًا للقانون، كنت أنت تتابع المناقشة مشيرًا إلى الطبيعة، لأن كل ما هو (أردأ) في نظرها هو أيضًا (الأقبح) مثل احتمال الظلم، بينما (الأقبح) تبعًا للقانون هو (الارتكاب) لا الاحتمال، والواقع أنه ليس من طبيعة الإنسان الحر أن يحتمل الظلم، وإنما ذلك من طبع العبد الذي يرى أن الموت أفضل من الحياة، والذي يؤثر ألا يدافع عن نفسه وهو محتقر مكلوم، وألا يدافع أيضًا عمن يهمه أمرهم؛ ولكني أرى أن الضعفاء والسواد الأعظم هم الذين سنوا القوانين! وهم لذلك قد جعلوها لأنفسهم ولمصالحهم! لهذا تراهم لا يوزعون ثناءهم ومديحهم، أو لومهم وعتابهم، إلا من أجل ذلك الصالح الخاص ولكيما يخيفوا الأقوياء - وهم أولئك الذين يستطيعون أن يعلوا عليهم - ولكيما يحولوا بينهم وبين ذلك العلو، تراهم يقولون أن الظلم والعار في الطمع فيما هو أكثر من نصيبك، وإن الظلم إنما يقوم في الرغبة في امتلاك شيء أكثر مما يمتلك الآخرون؛ وإني لأتخيلهم يرضون ويقنعون بأن يكونوا على قدم المساواة مع من هم أفضل منهم! وذلك هو السبب في أنهم يقررون في عالم القانون أن الطمع في إحراز ما هو أكثر من النصيب العام للأفراد ظلم وقبح! بل ذلك هو ما يسمونه (بالظلم)! ولكني أرى أن الطبيعة نفسها تعلن أن العدل إنما يقوم في أن ينال الأحسن أكثر من الأسوأ، والقوي أكثر من الضعيف، وإنها لتقدم لنا ألف مثال لتثبت أن الأمر كذلك، لا في عالم الحيوان فحسب، بل في النوع الإنساني أيضًا بين المدن والأجناس جميعًا، حيث نستطيع أن نتبين أن العدالة تبغي أن يسود (الأقوى) على (الأقل قوة) وأن ينال نصيبًا أوفر من نصيبه.
فمثلًا بأي حق في الواقع قام بالحرب في بلاد الإغريق؟ وبأي حق قام بها أبوه في هذا إذا تركنا الأمثلة اللانهائية التي نستطيع أن نذكرها من ذلك النوع.
إنهم يعملون فيما أرى تبعًا لطبيعة (الحق)! وقسما بزيوس، تبعًا (لقانون الطبيعة) الذي ربما خالف قانون الناس! (يتبع) محمد حسن ظاظا

شارك المقال

مشكاة أسفل ٢
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت