أرشيف المقالات

في الربيع. . .

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
8 منذ أيام تيقظت الطبيعة من رقادها الطويل، وأخذت تنضح جفنها الوسنان بأنداء الربيع، وتبحث عن حللها وحلاها في خزائن الأرض، وتأهب كل حي ليحتفل بشبابها العائد وجمالها المبعوث.
فالحياة الهامدة تنتعش في الغصون الذابلة، والطيور النازحة تعود إلى الأعشاش المقفرة، والأفنان السليبة تتفطر بالأوراق الغضة، وبأرض النبت يحوك على أديم الثرى أفواف الوشى، والنسيم الفاتر يروض أجنحته ليحمل إلى الناس رسالة الزهور، وسر الحياة يستعلن في الحي فينتشي ويمرح، وطيوف الهوى تمس القلوب فتهفو وتختلج، والعالم كله يسبح في فيض سماوي من الجمال والنشوة والغبطة؛ اللهم إلا الإنسان!! فقد حاول بادعائه وكبريائه أن يكون عالماً بذاته، فكان نشوزاً في نغم الكون، ونفورا في نظام العالم، فلو أنه اقتصد في تصنعه وائتلف كما كان بالطبيعة، لاتَّحَدَ الآن مع الربيع فشعر بتدفق الحياة في جسمه، وإشراق الصفاء في نفسه، وانبثاق الحب في قلبه، وأحس أنه هو في وقت واحد زهرة تفوح، وخضرة تروق، وطائر يشدو، وطلاقة تفيض على ما حولها البشر والبهجة! لا يكاد يقبل على أوربا الربيع حتى تختلط أناشيد الشعراء وأغاريد البلابل في تمجيده وإعلانه، لأنه يفد إليهم فيرد عليهم النور والدفء والزهر والجمال والحركة. أما نحن فلا نكاد نفطن لحلوله ولا لرحيله، لأن العالم كله على ضفاف الوادي يوم من أيام الربيع: فجره النديُّ يناير، وضحاه الزاهر أبريل، وظهره الساطع يوليو، وأصيله الرخيُّ أكتوبر! فليس للربيع المصري على سائر الفصول فضل إلا بذلك السر الإلهي الذي تتشقق عنه الأرض، فيسري في العود، ويشيع في الجو، ويدب في الأجسام، وينشأ عنه هذا البعث الصغير! ففي الربيع يشتد الشعور بالجمال وبالحاجة إلى التجمل، فترى الشباب بجنسيه يستعير ألوان الرياض، وعبير الخمائل، ومرح الطيور، ويحتشد في دور الملاهي، وصدور الشوارع، فيخلع على الوجود وضاءة الحسن، وعلى الحياة رونق السعادة! وأجمل شيء في ربيع القاهرة أصائله وأماسيه! ففي هذين الوقتين تزدهر شوارع القاهرة الحديثة بزهرات شتى الألوان من بنات الإنسان، فتملأ الجو عطراً، والعيون سحراً، والقلوب فتنة! وهنالك على أفاريز الطرق، ومشارف المقاهي، تقف أبصار الكهول والشيوخ حائرة مبهورة تلسع بالنظر الرغيب هذا الحسن المصون! وبين النظرة والنظرة عَبرة جافة تَصعَّد أسى على شباب ذاهب لا يرجع، وجمال رائع لا يُنال! وفي الربيع تضطرم العواطف والعزائم في الشباب، فينفحون بالأمل والطموح والحب نَفَحان الورُود النِواضر بِعَرْف الطيب! فقصائدهم الغزلية تنثال كل يوم على بريد (الرسالة) فيحول بينها وبين استيعاب (نشرها) العَطِرِ صفحاتها المعدودة. وكتبهم القيمة تظهر فياضة بالأفكار الوثابة، والعواطف المشبوبة: كالفكر والعالم، والشعبية، وعلى طريق الهند، والحياة الثانية، والربيع، والضحايا، وغير ذلك مما نقرأه الآن لنعود إلى نقده وتحليله بعد. ومشروعاتهم الاقتصادية والثقافية تظهر موسومة بطابع الإقدام والإخلاص والوطنية؛ كمشروع تعاون الشباب لمزاولة الأعمال الحرة، ومشروع القرى لتثقيف العامة. وفي الربيع تحتدم الطباع في الأدباء الكهول، فيثب بعضهم على بعض بالهجو المقذع والنقد اللاذع، ويتنافرون تناقر النسور على الصخور، والطيور الوديعة جاثمة في ظلال الغصون ترقب المعركة على بعد، فكلما رأوا الريش المنتوف والدم المنزوف، كبّروا واستبشروا، ودعوا الله في أغرودة شامتة أن يتفانى الفريقان، ليخلو الجو من البزاة والعقبان! وأدباؤنا الكهول شديد بعضهم على بعض! فهم يسخون بالنقد الممِض، ويضنون بالتقريظ العادل، كأنما العصر لا يحتمل غير كاتب من الكتاب، والمكاتب لا تحتمل لغير كتاب من الكتب! ويعجبني الأستاذ صاحب رواية (الهادي): عرف أن الأدباء ربما خرجوا عن نقدها وتقريظها بالصمت كالعادة، فكتب هو في مدحها فصلا في البلاغ.
والإنسان أولى الناس بخيره، وأعرف بقيمة عمله من غيره. وفي الربيع تتقد حَمِية العروبة في العرب.
فتسمع اليوم في فلسطين والشام أبناء الشعب الخالد، ووراث المجد التالد، يصرخون صراخ الأسد في راقد العدل أن يستيقظ، وفي غائب الحق أن يثوب! وترى في العراق حطام السياسة البالية تكسحه الريح كسحها للهشيم، ثم تقوم على هذا الطلل المنسوف حكومة فيها حيوية الربيع، ولكن ليس فيها شبابه! والشباب في العراق كالشباب في مصر منذ سنين: يحاول القائمون على أمره أن يربوه تربية الدجاج: ينقنق دائراً بين الحَب والماء، ويبحث في الأرض ليذهل عن السماء، ويأبى الشباب إلا أن يكون طيراً يحتقر القفص، ويقتحم الجو، ويسمو إلى الغاية! والغد على كل حال يومه!. أحمد حسن الزيات

شارك الخبر

المرئيات-١