التربيب
تأليف الأستاذ حسن نبيه المصري بك
وكيل مجلس الشيوخ
بقلم الأستاذ عبد الفتاح السرنجاوي
يصرح الأستاذ الفاضل مؤلف هذا السفر أن كتابه مجرد ملاحظات استنتجها من التجارب الشخصية وخبرة من يعول على رأيهم وصحة حكمهم؛ ويبدي صراحة أنه لا يبرز للناس قواعد جديدة في التربية. وكنا نود أن لو كفانا تصريحه هذا مؤونة التعليق الفني على الكتاب لولا مقام المؤلف الفاضل في المجتمع المصري، ذلك المقام الذي يحملنا - كمربين قبل كل شيء - على أن نتفهم الكتاب ونقول فيه كلمة نقر بها الحق ونرضي بها الضمير.
إن مجمل ما يقوله الناقد في ذلك الكتاب أنه يشمل عدة مقالات كتبت في ظروف مختلفة عنونها كاتبها بعنوانات وثيقة الاتصال بالتربية، بينما المقالات نفسها لم تعالج علاجًا فنيًا دقيقًا أي ناحية من نواحي التربيب؛ وأرى فوق ذلك أن هذه المقالات مجتمعة لا تكوّن وحدة علمية جديرة بالعنوان الذي جعله المؤلف لكتابه، وأقصد بذلك أنها تفقد أسباب الاتصال بعضها ببعض على نحو يجعلها بحثًا جديدًا يهم المشتغلين بشئون التربية. ولقد لفتَ نظري أن يفرد الكاتب فصلًا عن التربية والتعليم يقول فيه أن المعلومات التي يتلقاها التلاميذ في المدارس لا تؤثر في سلوكهم، فهي في نظرة تعليم بعيد عن التربية. ويقول كذلك إنه قد استفاض خلط التعليم بالتربية، وكأنه بكلامه هذا يريد أن يقيم سدًا منيعًا بين التعليم والتربية.
والحقيقة أنه لا يوجد حد جلي بين التعليم والتربية، وأن ما يقول به البعض من أن التربية تشمل التعليم كما يشمل الكل الجزء، إنما يحتاج إلى تدليل وتدعيم. أما الواقع والمعقول فهو أن كل من يعلم غيره فهو يربيه في نفس الوقت؛ ونحن لا نستطيع بأي حال أن نعلم دون أن نكون مربين إلى حد معين، ولكننا نستطيع أن نربي دون أن نباشر عملية التدريس مباشرة فعلية. والآراء الحديثة أميل إلى تحديد التربية بغاياتها لا بوسائلها التي منه التدريس. والواقع أنني وأنا أعلم تلاميذي إنما أترك بطريقة غير مباشرة آثارًا خطيرة في خلقهم، وطرق تفكيرهم ومثلهم العليا دون أن أقول لهم أني أربيكم وأعدكم إعدادًا خاصًا. ذلك أن سلوكي معهم وموقعي إزاء سلوك بعضهم مع بعض، وتعليقي على بعض الدروس الوجدانية كالتاريخ والتربية الوطنية لا شك تؤثر في المتعلمين بحيث تكون وسائل لإعدادهم لغايات بعيدة هي السلوك الطيب القويم في الحياة المستقبلية.
لنترك ذلك الخلاف ولنعرض لأمر آخر هو أن المؤلف لم يعالج الموضوعات علاجًا فنيًا دقيقًا، ولست أجد في التدليل على ذلك أبلغ من تلخيص فصلين من الكتاب تلخيصًا أمينًا دقيقًا؛ الأول عنوانه (كيفية التغذية) يقول في أوله إن غذاء الطفل يبتدئ وهو جنين في رحم أمه بالسُّحد والحولاء والغرس. وبعد الوضع يكون الغذاء بالرضاع سنتين، (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، والتغذية بعد الفطام يشترك فيها الوالدان حتى يبلغ الطفل أربع عشرة سنة. وسنة الكون لا تكلف الإنسان اختيار المأكولات، فنظامها الدقيق ينتج الأشياء في وقت حاجة الناس إليها. ويختلف بعض الأطباء والفلاسفة في نوع غذاء الطفل، فمنهم من يحرم عليه الحلواء والفطير والفاكهة ومنهم من يحض عليها، وإني لا أرى مجالًا لهذا الاختلاف الذي ينحسم باتباع الاعتدال والقسط ومراعاة الظروف والأحوال، وأما من أشار منهم بإعطاء القليل من الأنبذة فإني لا أرى رأيه، وأما المشروبات الروحية الأخرى فإنها تهدم الجسم وتسلب العقل. وهنا يقول المؤلف كلامًا طويلًا في مضار الخمر ويستشهد بالآية الكريمة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وبعد هذا يقول ما يأتي: (حسنوا تقويم الولد جنينًا، وأنشزوا عظامه وأنبتوا لحمه رضيعًا، وعللوا بالغذاء ليجزأ عن اللبن فطيمًا، وناولوه الأكل أدنى تناول فصيلا، وأحسنوا غذاءه اللَّذ صبيًا، وأترفوه يافعًا، وأعظموه مراهقًا، ثم ألقوا حبله على غاربه) وبعد أن فصلنا للناس نختم المقال بهذه اللآلئ القرآنية:
(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
(قل من محرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الخ).
(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون).
(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا).
هكذا يعالج الأستاذ الفاضل موضوعًا خطيرًا كهذا، فيقول كلامًا هو بعينه ما يعرفه المتعلمون وغير المتعلمين والمتربون وغير المتربين، مع أن البحث العلمي يستلزم الإجلاء عن الوسائل المؤدية إلى هذه الغايات التي ذكرها المؤلف، فيبين لنا بطريقة عملية كيف ننشز عظام الولد وننبت لحمه رضيعًا إلى آخر ما ساقته هذه الوصايا الذهبية والحكم البالغة في ذلك اللفظ الخالب والسحر الغالب. عفوًا سيدي الفاضل، فالتربيب شيء عملي يضعه أهله بعيدًا عن استمراء الألفاظ وإضاعة الوقت في صناعة العبارات، الأمر يا سيدي أخطر من هذا وأدق، والتخصص وحده هو الذي يخرج للناس الكتابة الفنية التي يحتاجون إليها في الحياة حاجة عملية.
وثَمَّ فصل آخر عنوانه (الغريزة)، يعالجها الكاتب الفاضل في صحيفة واحدة من ذلك السفر الضخم، فلا يعدو أن يحددها بأنها الأعمال غير الإرادية، ثم يفرق بين العقل والغريزة في هذا الكلام المنمق الجميل:
(العقل حر والغريزة عبد، العقل علم والغريزة حدس، العقل بصير وهي شعور، العقل نور يتدرج والغريزة برق يخطف، العقل ضوء النفس وهي سنا الحس، وإذا العقل وقف للتدبير فهي تقفز للوثب والمسير).
فهل يكفي ذلك القصيد المنثور لبحث الغريزة في كتاب عنوانه (التربيب)، وأين يا سيدي علاقة الغرائز بالتربية وأثر التربية في تعديلها وعلاقة ذلك كله بحياة الأطفال؟؟
وأخيرًا لا بد من الإشارة هنا إلى أن الكاتب الفاضل يهتم اهتمامًا شديدًا بحشر الكلمات اللغوية في كتابه كما يصنع كتاب المقامات، ثم يجاوز هذا إلى شرح هذه الألفاظ والتعليق عليها، وهذه المحاولات لا شك تجعل الموضوع مفككًا وتصرف الكاتب عن المعاني، ولا سيما إذا عرفنا أن الأسلوب العلمي يتميز عن الأساليب الأدبية الأخرى بالسهولة وعدم التكلف في البحث عن الألفاظ.
هذا ما نقوله عن الكتاب، أما شخصية المؤلف ذاته فإنها تبدو من خلال كتابه رزينة وقورة رائدها الخير وغايتها إسعاد المجتمع.
عبد الفتاح السرنجاوي
التربيب
تأليف الأستاذ حسن نبيه المصري بك
وكيل مجلس الشيوخ
بقلم الأستاذ عبد الفتاح السرنجاوي
يصرح الأستاذ الفاضل مؤلف هذا السفر أن كتابه مجرد ملاحظات استنتجها من التجارب الشخصية وخبرة من يعول على رأيهم وصحة حكمهم؛ ويبدي صراحة أنه لا يبرز للناس قواعد جديدة في التربية. وكنا نود أن لو كفانا تصريحه هذا مؤونة التعليق الفني على الكتاب لولا مقام المؤلف الفاضل في المجتمع المصري، ذلك المقام الذي يحملنا - كمربين قبل كل شيء - على أن نتفهم الكتاب ونقول فيه كلمة نقر بها الحق ونرضي بها الضمير.
إن مجمل ما يقوله الناقد في ذلك الكتاب أنه يشمل عدة مقالات كتبت في ظروف مختلفة عنونها كاتبها بعنوانات وثيقة الاتصال بالتربية، بينما المقالات نفسها لم تعالج علاجًا فنيًا دقيقًا أي ناحية من نواحي التربيب؛ وأرى فوق ذلك أن هذه المقالات مجتمعة لا تكوّن وحدة علمية جديرة بالعنوان الذي جعله المؤلف لكتابه، وأقصد بذلك أنها تفقد أسباب الاتصال بعضها ببعض على نحو يجعلها بحثًا جديدًا يهم المشتغلين بشئون التربية. ولقد لفتَ نظري أن يفرد الكاتب فصلًا عن التربية والتعليم يقول فيه أن المعلومات التي يتلقاها التلاميذ في المدارس لا تؤثر في سلوكهم، فهي في نظرة تعليم بعيد عن التربية. ويقول كذلك إنه قد استفاض خلط التعليم بالتربية، وكأنه بكلامه هذا يريد أن يقيم سدًا منيعًا بين التعليم والتربية.
والحقيقة أنه لا يوجد حد جلي بين التعليم والتربية، وأن ما يقول به البعض من أن التربية تشمل التعليم كما يشمل الكل الجزء، إنما يحتاج إلى تدليل وتدعيم. أما الواقع والمعقول فهو أن كل من يعلم غيره فهو يربيه في نفس الوقت؛ ونحن لا نستطيع بأي حال أن نعلم دون أن نكون مربين إلى حد معين، ولكننا نستطيع أن نربي دون أن نباشر عملية التدريس مباشرة فعلية. والآراء الحديثة أميل إلى تحديد التربية بغاياتها لا بوسائلها التي منه التدريس. والواقع أنني وأنا أعلم تلاميذي إنما أترك بطريقة غير مباشرة آثارًا خطيرة في خلقهم، وطرق تفكيرهم ومثلهم العليا دون أن أقول لهم أني أربيكم وأعدكم إعدادًا خاصًا. ذلك أن سلوكي معهم وموقعي إزاء سلوك بعضهم مع بعض، وتعليقي على بعض الدروس الوجدانية كالتاريخ والتربية الوطنية لا شك تؤثر في المتعلمين بحيث تكون وسائل لإعدادهم لغايات بعيدة هي السلوك الطيب القويم في الحياة المستقبلية.
لنترك ذلك الخلاف ولنعرض لأمر آخر هو أن المؤلف لم يعالج الموضوعات علاجًا فنيًا دقيقًا، ولست أجد في التدليل على ذلك أبلغ من تلخيص فصلين من الكتاب تلخيصًا أمينًا دقيقًا؛ الأول عنوانه (كيفية التغذية) يقول في أوله إن غذاء الطفل يبتدئ وهو جنين في رحم أمه بالسُّحد والحولاء والغرس. وبعد الوضع يكون الغذاء بالرضاع سنتين، (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، والتغذية بعد الفطام يشترك فيها الوالدان حتى يبلغ الطفل أربع عشرة سنة. وسنة الكون لا تكلف الإنسان اختيار المأكولات، فنظامها الدقيق ينتج الأشياء في وقت حاجة الناس إليها. ويختلف بعض الأطباء والفلاسفة في نوع غذاء الطفل، فمنهم من يحرم عليه الحلواء والفطير والفاكهة ومنهم من يحض عليها، وإني لا أرى مجالًا لهذا الاختلاف الذي ينحسم باتباع الاعتدال والقسط ومراعاة الظروف والأحوال، وأما من أشار منهم بإعطاء القليل من الأنبذة فإني لا أرى رأيه، وأما المشروبات الروحية الأخرى فإنها تهدم الجسم وتسلب العقل. وهنا يقول المؤلف كلامًا طويلًا في مضار الخمر ويستشهد بالآية الكريمة: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وبعد هذا يقول ما يأتي: (حسنوا تقويم الولد جنينًا، وأنشزوا عظامه وأنبتوا لحمه رضيعًا، وعللوا بالغذاء ليجزأ عن اللبن فطيمًا، وناولوه الأكل أدنى تناول فصيلا، وأحسنوا غذاءه اللَّذ صبيًا، وأترفوه يافعًا، وأعظموه مراهقًا، ثم ألقوا حبله على غاربه) وبعد أن فصلنا للناس نختم المقال بهذه اللآلئ القرآنية:
(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
(قل من محرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الخ).
(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون).
(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا).
هكذا يعالج الأستاذ الفاضل موضوعًا خطيرًا كهذا، فيقول كلامًا هو بعينه ما يعرفه المتعلمون وغير المتعلمين والمتربون وغير المتربين، مع أن البحث العلمي يستلزم الإجلاء عن الوسائل المؤدية إلى هذه الغايات التي ذكرها المؤلف، فيبين لنا بطريقة عملية كيف ننشز عظام الولد وننبت لحمه رضيعًا إلى آخر ما ساقته هذه الوصايا الذهبية والحكم البالغة في ذلك اللفظ الخالب والسحر الغالب. عفوًا سيدي الفاضل، فالتربيب شيء عملي يضعه أهله بعيدًا عن استمراء الألفاظ وإضاعة الوقت في صناعة العبارات، الأمر يا سيدي أخطر من هذا وأدق، والتخصص وحده هو الذي يخرج للناس الكتابة الفنية التي يحتاجون إليها في الحياة حاجة عملية.
وثَمَّ فصل آخر عنوانه (الغريزة)، يعالجها الكاتب الفاضل في صحيفة واحدة من ذلك السفر الضخم، فلا يعدو أن يحددها بأنها الأعمال غير الإرادية، ثم يفرق بين العقل والغريزة في هذا الكلام المنمق الجميل:
(العقل حر والغريزة عبد، العقل علم والغريزة حدس، العقل بصير وهي شعور، العقل نور يتدرج والغريزة برق يخطف، العقل ضوء النفس وهي سنا الحس، وإذا العقل وقف للتدبير فهي تقفز للوثب والمسير).
فهل يكفي ذلك القصيد المنثور لبحث الغريزة في كتاب عنوانه (التربيب)، وأين يا سيدي علاقة الغرائز بالتربية وأثر التربية في تعديلها وعلاقة ذلك كله بحياة الأطفال؟؟
وأخيرًا لا بد من الإشارة هنا إلى أن الكاتب الفاضل يهتم اهتمامًا شديدًا بحشر الكلمات اللغوية في كتابه كما يصنع كتاب المقامات، ثم يجاوز هذا إلى شرح هذه الألفاظ والتعليق عليها، وهذه المحاولات لا شك تجعل الموضوع مفككًا وتصرف الكاتب عن المعاني، ولا سيما إذا عرفنا أن الأسلوب العلمي يتميز عن الأساليب الأدبية الأخرى بالسهولة وعدم التكلف في البحث عن الألفاظ.
هذا ما نقوله عن الكتاب، أما شخصية المؤلف ذاته فإنها تبدو من خلال كتابه رزينة وقورة رائدها الخير وغايتها إسعاد المجتمع.
عبد الفتاح السرنجاوي