أرشيف المقالات

الأدب والفن في أسبُوع

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 عميد الأدباء يتولى وزارة المعارف: كان لتولية الدكتور طه حسين بك وزارة المعارف موقع خاص في النفوس، وهو موقع الارتياح والغبطة، ويرجع ذلك إلى منزلته الممتازة لدى الخاصة والعامة، لأنه كاتب إنساني ذو رسالة إصلاحية محددة، فهو فنان ومصلح، وكلا الصفعتين محبوب، وقد اجتمعتا فيه، وتفاعل مزجهما في نفسه، فصار رجلا أريحيا خيرا، قويا بالأريحية والخير، يحس بقوته فيندفع إلى الجرأة والحرية في كتاباته وتصرفاته. فلم يكن غريباً أن تعم الفرحة به إذ يتولى الوزارة، وقد انهالت عليه بطبيعة لحال - سيول التهاني من الجماعات والأفراد، ولست أرى بدا من ترديد المعنى القديم المكرر، وهو أن مثل الدكتور طه حسين أو هو بالذات لا يهنأ بمنصب ماء وإنما يهنأ المنصب به، وما أبالي إن أديت ما أريد، أن يكون المعنى معادا أو طريفا، فقد تعلمنا من العميد الكبير أن نركب التعبير إلى ما نقصد.
(لم يكسب الدكتور طه حسين جديدا بتوليه الوزارة، وكل ما هنالك أنه جمع المنصب إلى مجده الأدبي الخالد، وليس المنصب الزائل بشيء إلى جانب المجد الباقي على الزمن.
وهنا أتبين في نفسي السر الذي حدا بي منذ أول هذه الكلمة حتى الآن في تجنب الديباجة الرسمية التي تنسب فيها (المعالي) إلى الوزراء، في الحديث عن طه حسين. إذن لا أهنئ الدكتور طه حسين بولايته وزارة المعارف، وإنما نهنئ أنفسنا.
.
نعم نهنئ أنفسنا بما ننتظره من خير على يده، ولا يفوتنا أن نتصور ما يلقاه هو من عناء لا تذهب به مظاهر الوزارة وجاهها من نفس كبيرة كنفس طه حسين.
والخير الذي ننتظره أن يتحقق على يده خير عام يكاد الناس يرونه محققاً من الآن.
طه حسين الكاتب الذي يغلف مراميه لخير هذا الشعب بغلاف من الفن الممتع الجذاب، يتولى وزارة المعارف، فلهذا يفرح الناس به ويرجون أن يحقق ما يدعو إليه دائما وما كان يتحدث به فيرجو أن يسمعه ولاة الأمر، وها قد أصبح هو ممن بيدهم الأمر، وقد عهده الناس في عهده السابق بوزارة المعارف بادئا بما يبتغي من الخير مصمماً فيه ثم حالت الظروف دون السير في الطريق إلى نهايته. طه حسين الذي يقول بأن التعليم حق طبيعي لكل فرد من أفراد الأمة كالماء والهواء لا ينبغي أن يرد عنه أو يحمل على شرائه بالمال كما يشترى البصل والكراث، طه حسين الذي يصور حال المعلمين وما يلقونه من شقاء في العمل ومواجهة أعباء العيش ويطلب لهم ما هم أهله من الحياة الكريمة، طه حسين الذي هاله أن تلقي أسرة المازني حرجاً في معيشتها بعده فطالب بأن ترعاها الدولة، وأن تمتد هذه الرعاية إلى سائر الأدباء وأبنائهم وأسرتهم من بعدهم، طه حسين الكاتب الذي ينبض قلبه بالإنسانية الرفيعة فيبسط شعوره الإنساني في كل ما يكتب، يغضب لصالح المواطنين فيهجم، أو ينهنه من غضبه فيسخر، أو يرى القيود فيتحايل؛ يكتب في شؤون الناس مباشرة، وأحياناً يعود إلى تاريخ الأسلاف فيتخذ منه أغلفة يلفف بها أفكاره ومشاعره، طه حسين الأستاذ الكبير الذي الجيل والتف حوله أدباء الشباب يتلقون عنه الفن ويهرعون إليه كلما حزبهم أمر أو مسهم ضر من من ذوي القلوب الغلف.
طه حسين ذلك قد تولى وزارة المعارف، فها هو وزير محدد البرنامج واضح المنهج، ونحن لن نتوانى عن مطالبته بالعمل لتنفيذ برنامجه ما ستطاع إليه سبيلا، وأنا لا أقول بأن كل ما يكتبه الكاتب يستطيعه إذا وكل إليه الأمر، فالكاتب يرسم المثل وقد يقصر من يتصدى للعمل على تطبيقها عن غايتها، ولكن بحسبنا أن نراه جاداً في السبيل ماضياً إلى الهدف. وقد بقي شيء أريد أن أهمس به في أذن معالي الوزير - ولا بأس هنا بقليل من الرسميات - أريد أن أقول له: لا يغرنك ما ترى من أناس أنت تعرفهم لأنك تراهم الآن حولك يمسحون (الردنجوت) كما كانوا يصنعون في عهدك الأول بوزارة المعارف ولم ترهم منذ ذلك الحين. مناقشة في أزمة الزواج: جرت هذه المناقشة في (رابطة مصر أوربا) يوم الثلاثاء الماضي، بين الأستاذ محمد عبد الواحد خلاف بك والأستاذ مظهر سعيد والسيدة مفيدة عبد الرحمن والسيدة أمينة السعيد. كان الأستاذ خلاف هو مدير الندوة ومعظم الحديث والنقاش فيها بدأ بتمهيد في بيان أهمية الزواج وقال أنه لا يعرف بالضبط هل هناك أزمة زواج بمعنى الإضراب عنه أولا، ولكن الأزمة توجد على الأقل في الحياة الزوجية نفسها.
ثم تلته السيدة أمينة، فقالت أنه ليس في مصر أزمة زواج على وجه عام واستدلت بإحصائية صدرت سنة 1937، يتبين منها أن نسبة الرجال المتزوجين في مصر نحو 68 %، وقالت إن أكثر غير المتزوجين هم من شبان الطبقة المتوسطة المتعلمين، أما غيرهم من الفقراء والأغنياء فإقبالهم على الزواج ظاهر ملموس. وتكلم بعد ذلك الأستاذ مظهر سعيد، فقال إن أزمة الزواج المحصورة في المتعلمين من الطبقة المتوسطة هي في الحقيقة أزمة الزواج في السن المتأخر لأن الشاب يبدأ حياته في الوظيفة بمرتب ضئيل ويتهيب الزواج منتظراً حتى تتحسن حالته المالية.
ومن ناحية أخرى ينظر الشاب إلى مستقبله فيراه رهنا بالصلات والوساطات وليس للكفاية والعمل أي اعتبار، فهو يلبث حتى يحصل على الدرجة الخامسة مثلا ليستطيع أن يتقدم إلى أحد الكبار من ذوي النفوذ ليصاهره فيستعين بجاهه. أما السيدة مفيدة فقد أرجعت الأزمة لا إلى الأسباب الاقتصادية فحسب، بل اعتبرت الناحية الاجتماعية أهم من العوامل الاقتصادية؛ فأفاضت في الكلام عن عدم إعداد الفتاة للحياة البيتية إعداداً صحيحاً وتقصير الدولة في رعاية الأسرة والأطفال، وتحدثت كذلك عن الحالة الخلقية السيئة التي انغمست فيها الفتاة بانعدام الرقابة عليها. ولخص خلاف بك الموقف بعد ذلك، وأضاف إلى ما ذكر من أسباب الأزمة ميل الشاب إلى التخفف من التبعات وإيثاره المتعة المنوعة الرخيصة، والاستنارة العامة التي تدفع إلى طلب المستوى العالي في جمال الفتاة وثقافتها. وعادت السيدة أمينة إلى الحديث فحبذت الزواج المتأخر ذاهبة إلى أن الرجل في مقتبل شبابه يعجبه في المرأة ما لا يعجبه إذا تقدم في السن إذ يرتفع مستوى ما يطلبه من جمال أكثر من قبل، فإذا تزوج مبكراً أدى ذلك إلى عدم الاتفاق فيما بعد.
ومما قالته أن حالة الزواج في مصر أسعد منها في البلاد الأجنبية الغربية سواء من حيث نسبة الزواج أو من حيث السعادة الزوجية، لأن الزوجين العاملين هناك لا يلتقيان إلا متعبين مكدودين. ولما عاد الأستاذ مظهر إلى الكلام قال أنه يرجع الأزمة إلى عامل نفسي أهم من الاقتصاديات والاجتماعيات، ذلك أن الشاب لا يشعر بالاستقرار في هذه الحياة المضطربة، والنفسية غير المستقرة تتهيب الإقدام على الأمور.
وهون الأستاذ من شأن الناحية الاقتصادية بأن الشاب العزب ينفق وحده ما يكفي زوجين، وذهب إلى أن أسباب المتعة المحرمة غير ميسورة كما يقال.
وركز الموضوع في الناحية النفسية وقال إن حل المشاكل إنما هو في القضاء على أسباب الحيرة والاضطراب ليصل الشاب إلى الطمأنينة النفسية التي تدفعه إلى الإيمان بالله وأن لكل مخلوق رزقه أو إلى الثقة بنفسه وهمته. وقد جرت المناقشة هادئة يكاد يتفق المتناقشون في الرأي.
وكان المتخيل من تأليف المتناقشين أنهم جبهتان جبهة الرجل وجبهة المرأة؛ ولكن الذي وقع هو الخلاف في بعض النقط بين السيدتين.

فكادت المعركة الكلامية تنشب بينهما لولا جنوحهما آخر الأمر إلى الملاينة وإيثارهما المحاسنة، فكانت كل منهما مثالا للسيدة المثقفة، وقد اختلفنا في ثلاث نقط الأولى أن السيدة مفيدة اعترضت على إحصائية سنة 1937 إذ تغيرت الأحوال بعدها، فاحتدت السيدة أمينة في الرد قائلة إن زميلتها سألتها فيما بينهما لماذا أنت بالإحصائية القديمة فأجابتها بأنها آخر إحصائية، ثم استغلت ذلك في المناقشة العلنية.
وأبانت السيدة أمينة أن الإقبال على الزواج زاد في خلال الحرب ثم رجعت الحال إلى ما كانت عليه، ولكن من أين عرفت ذلك وهي نفسها تقول إن إحصائية سنة 1937 هي آخر إحصائية؟ والنقطة الثانية هي أن السيدة مفيدة عارضت تحبيذ الزواج المتأخر، وألقت التبعة في تغير الرجل وانعدام حبه لزوجته إلى الزوجة، لأنها لا تظل على العناية بنظافتها ومظهرها التي تكون في أول عهد الزواج، بل تهمل نفسها بحيث لا يراها الزوج على ما يحب.
أما النقطة الثالثة فهي مسألة الزوجين العاملين فقد دافعت السيدة مفيدة عن هذه الزوجية وقالت إن الواقع ينطق بما فيها من السعادة والوفاق. وقد لاحظت أن الجميع اتفقوا على التهوين من شأن أزمة الزواج حتى كادوا يقولون بأنها غير موجودة.
ثم استرسلوا بعد ذلك في بسط الأسباب الداعية حتما إلى أزمة لاشك فيها.

والواقع أن الحال أشد مما صوروها، فالأزمة وان كان محصورة حقاً في شباب الطبقة المتوسطة إلا أنها قائمة بينهم بدرجة خطيرة، وهم خلاصة أبناء الأمة الذين يعول عليهم في شئونها ومستقبلها. ولم تخل الندوة من بعض الدعابات والفكاهات، فقد لاحظ الحاضرون أن السيدة أمينة تكثر من كلمة (مظهر) حتى قالت عن شيء أنه مظهر شيء.
فقال خلاف بك: لا أنه (مظهر سعيد) وقدم السيدة مفيدة أخيرا بقوله: والخلاصة المفيدة تسمعونها من السيدة مفيدة.
ومما حكاه الأستاذ مظهر سعيد من التندر على الزواج أن أحد المدرسين كان مرافقاً لتلاميذه في رحلة بحديقة الحيوان؛ فرأى تلميذ حماراً وحشياً يجري وراء أتان، فسأل المدرس عن سبب ذلك، قال المدرس: أنه يريد أن يتزوجها: قال التلميذ: وهل يتزوج الحمير؟ فقال المدرس: وهل يتزوج إلا الحمير.
؟ عباس خضر

شارك الخبر

المرئيات-١