أرشيف المقالات

الشعر المصري في مائة عام

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ سيد كيلاني الحالة السياسية والاجتماعية والفكرية من 882 - 1919 - 7 - وكان شوقي الشاعر الوحيد الذي اهتم بالدفاع عن إسماعيل. أما بقية الشعراء فقد أهملوا ذلك إهمالاً تاماً.
بل إن منهم من شاطر كرومر رأيه في ذلك الخديوي.
ومن هؤلاء حافظ إبراهيم. وكان لورد كرومر قد كتب تقريراً ضمنه بعض المطاعن في الدين الإسلامي.
فأغضب بجهله وقصر نظره المصريين أجمعين.
وقد ذهب الشعراء على اختلاف نزعاتهم وتباين ميولهم للنيل من كرومر.
فقال شوقي: من سب دين محمد فمحمد ...
متمكن عند الإله رسولا وقال الكاشف: وختمت عهدك بالذي اهتزت له ...
أركان مكة واستعاذت يثرب وقال: وتهين دينهم وتنكر عرشهم ...
ولواءهم وتريد ألا يغضبوا وقال أحمد نسيم - وهذا من المضحك بعد ما تقدم له من مدح في كرومر: يا لورد هل لك في الإسلام من غرض ...
ترمي إليه بسهم منك مسنون أنذرت مدحك لو لم ترتكب شططا ...
في أخرياتك من حين إلى حين هجوت قومي وما فارقت أرضهم ...
حتى تجرأت أن تنحى على الدين ألم يكن دين طه خير ما نهضت ...
به البلاد إلى علم وتمدين فكل معتنق للدين معتقد ...
هاجت ثوائره من بعد تسكين أنا المثال قضيت العمر مبتهجاً ...
بما أتيت بقلب فيك مفتون رأيت أنك لست المرء تصلحنا ...
ولست فينا على مصر بمأمون غادرتها وهي للتقرير صارخة ...
إلى الإله بقلب منك محزون فلا رماك الحيا إلا بداجنة ...
تهمي عليك بزقوم وغسلين ومن قرأ البيت الأخير من القصيدة، وقوله قبل ذلك في لورد كرومر: فسر مع اليمن مصحوباً بأدعية ...
يحف ركبك تعظيم وتبجيل لم يملك نفسه من الضحك.
ولاشك في أن أحمد نسيم عبر في هذه الأبيات عن شعور كامن في نفسه وعاطفة دينية قوية أنسته ما دبجه قبل ذلك من إطراء وثناء في كرومر. وقال حافظ إبراهيم: وأودعت تقرير الوداع مغامزا ...
رأينا جفاء الطبع فيها مجسدا غمزت بها دين النبي، وإننا ...
لنغضب إن أغضبت في القبر أحمدا وقال من قصيدة يرثي فيها مصطفى كامل: قم وامح ما خطت يمين كرومر ...
جهلا بدين الواحد القهار وفي عام 1908 مات مصطفى كامل فحزنت لموته الأمة بأجمعها. وبكى الشعراء لهذا المصاب الفادح. وقد أخذ المصريون في هذا الطور (1882 - 1919) يهتمون بأبناء العالم الخارجي وازداد الاتصال بين أوربا ومصر.
فلما قامت الحرب بين روسيا واليابان وانتصرت اليابان في عام 1904 ابتهج المصريون ونظم الشعراء في ذلك القصائد الطوال. ولما انتصر الأحرار في تركيا وظفروا بالدستور اهتزت المشاعر في مصر طرباً وابتهج المصريون أجمعون، وتمنوا أن تتحقق آمالهم في الحياة النيابية كما تحققت آمال الترك.
وتاقت نفوسهم إلى الظفر بالحكم الشورى الذي تمتع به الناس في تركيا.
ونظمت في ذلك قصائد كثيرة رائعة تفيض بالحماس وتزحز بالعواطف الوطنية الصادقة.
فقال حافظ في قصيدة: ويا طالبي الدستور لا تسكنوا ولا ...
تبيتوا على يأس، ولا تتضجروا أعدوا له صدر المكان، فإنني ...
أراه على أبوابكم يتخطر ومنها: لقد ظفر الأتراك عدلا بسؤلهم ...
ونحن على الآثار لا شك نظفر هم لهم العام القديم مقدر ...
ونحن لنا العام الجديد مقدر وقال شوقي: ما بين آمالك اللائي ظفرت بها=وبين (مصر) معان أنت تدريها وقال إسماعيل صبري: يا مصر سيري على آثارهم وقفي ...
تلك المواقف في أسنى مجاليها لا يؤيسنك ما قالوا وما كتبوا ...
بين البرية تضليلا وتمويها ومنها: يا آيه الفخر هلا تنزلين كما ...
نزلت ثم على مصر وأهليها كيما نجر ذبولا منك جررها ...
من قبلنا الترك في أوطانهم تيها ولما وقعت الحرب الطرابلسية الإيطالية اتجهت عواطف المصريين نحو الطرابلسيين.
وللشعراء قصائد كثيرة في استهجان عمل إيطاليا وفي حض المسلمين على مؤازرة أهل طرابلس. ولما نشبت الحرب بين الدولة العلية والدولة البلقانية تغنى الشعراء في مصر بما أحرزه الترك من انتصارات. وفي عام 1914 م اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى في أوربا وامتد شررها في جميع جهات العالم.
وأعلنت الأحكام العرفية في مصر ونفي شوقي إلى الأندلس.
وخرس الشعراء وانقطعوا عن الخوض في السياسة انقطاعاً تاماً. وامتاز هذا الطور بظهور بعض المصلحين الاجتماعيين كقاسم أمين ومحمد عبده.
وقد ساهم الشعراء بشعرهم في الدعوة إلى الإصلاح.
أما فيما يتعلق بالمرأة فقد انقسم الشعراء إلى شيع وأحزاب.
فمنهم من ناصر هذه الدعوة وعضدها.
ومنهم من حاربها وشدد النكير على أصحابها.
ومنهم من توسط بين الحرية والتقييد. ننتقل بعد ذلك إلى الدور الثالث الذي يبدأ من عام 1919 وينتهي بعام 1950م. الدور الثالث 1919 - 1950 كانت ثورة 1919 حداً فاصلاً بين عصرين.
عصر الاحتلال ثم الحماية.
وفي هذا العصر كانت للإنجليز الكلمة العليا في كل صغيرة وكبيرة وكان الموظفون البريطانيون متمتعين بسلطان مطلق في كل مرافق البلاد ومصالحها.
وقد عانى المصريون من ذلك ألما عظيما.
وظهر أثر هذا في الشعر على نحو ما بينا.
وكان اليأس مخيماً على الرءوس، والأمل في الخلاص من نير الاحتلال يكاد يكون مفقوداً، وقد غبر الشعراء عن هذا اليأس والقنوط في شعر كثير.
فلما قامت الثورة قويت الآمال في التخلص من نير المستعمر وأخذ الشعراء يغذون الثورة بشعر حماسي رائع. وقد ترتب على هذه الثورة أن ظفرت البلاد بقسط وافر من الحرية وتخلصت من نفوذ الموظفين البريطانيين.
ثم تمتعت بعد ذلك بدستور ومجلس نيابي.
فتغنى الشعراء بهذا النصر العظيم. وبينما كان المصريون يجاهدون في سبيل الحرية كانت الشعوب الشرقية تجاهد كذلك.
وكان جهاد الترك أروع جهاد.
وقد أحدث انتصارهم بقيادة مصطفى كمال رنة فرح وسرور في مصر.
ونهض الشعراء ونظموا القصائد الكثيرة في مدح أبطال تركيا وإطرائهم والتنويه بانتصاراتهم. ثم حدث أن ألغيت الخلافة العثمانية وحلت محلها حكومة جمهورية.
ومع أن الخلافة العثمانية أضحت عديمة الجدوى للشعوب الإسلامية منذ زمن بعيد، رأينا في مصر شعراء كثيرين يبكون بكاء مراً لزوال هذه الخلافة، وينددون بمصطفى كمال وأعوانه ويرمونهم بالكفر والإلحاد. وبإلغاء الخلافة انقطعت كل رابطة بين مصر وتركيا وانقضى العهد الذي كان فيه الشعراء ينظمون القصائد الطوال في مدح سلاطين آل عثمان أو في تحية الأسطول العثماني أو الجيش التركي، أو غير ذلك مما رأيناه عند الشعراء إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى.
وأصبح الشاعر المصري يعيش لمصر وحدها بعد أن كان مقسم العواطف بين مصر وتركيا.
وبانسلاخ تركيا عن الشرق اختفى ذكرها من الشعر العربي اختفاء تاماً. على أن هناك روابط جديدة نشأت بين مصر والدول العربية التي قامت على إنقاذ الإمبراطورية العثمانية.
وكانت هذه الروابط في أول الأمر ضعيفة.
ثم أخذت الشعوب العربية تتطلع إلى مصر، وأخذ المصريون يمدون أيديهم إلى هذه الشعوب.
وكان لتقدم المواصلات أثر بين في تقريب الشقة بين المصريين والعرب.
وقد انتهى الأمر بقيام جامعة الدول العربية فأصبح الشاعر المصري لا يعيش لمصر وحدها بل يعيش للعالم العربي.
ذلك لأن الشر الذي يقع على دول من هذه الدولة قد لا يقف عند حدودها بل ربما امتد أثره إلى مصر.
ولهذا السبب دخلت مصر الحرب ضد اليهود وذلك لشعورها بالخطر العظيم الذي يمكن أن يهددها بقيام دولة يهودية في فلسطين.
وقد تغنى الشعراء المصريون بالنصر الذي أحرزه الجيش المصري ضد اليهود، كما نوهوا بجهاد أبطال الفالوجة ولا شك في أن قيام دولة يهودية في فلسطين سيدفع مصر إلى العناية بجيشها عناية لا مثيل لها من قبل في تاريخ البلاد.
وسيظهر أثر ذلك ف الشعر فنرى الشعراء يكثرون من التنويه بالجيش المصري ومعداته وأسلحته وذخائره وبسالته وإقدامه. ووقعت في مصر بين (1919، 1927م) وهو العام الذي توفي فيه سعد زغلول أحداث سياسية لا نظير لها.
وكان الشعراء يسجلون في شعرهم ما يصيب البلاد من خير أو شر، وما يلحقها من فرح أو حزن. ولما مات سعد زغلول بكته مصر قاصيها ودانيها وبكاه الشرق العربي بأجمعه، ورثاه الشعراء في قصائد طويلة.
ولم يسبق أن رثي شخص في العصر الحديث بمثل ما رثي به سعد زغلول.
فالقصائد التي قيلت فيه عند وفاته لا يدركها الحصر.
وما لبي الشعراء ينظمون القصائد الطوال احتفالاً بأحياء ذكراه. إلى هنا ننتهي من الكلام عن الحالة السياسية والاجتماعية والفكرية في مصر في عام 1850 - 1950م. سيد كبلاني

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١