أرشيف المقالات

أزواج وزوجات

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 للكاتب الإنجليزي يوسف أديسون للسيدة الفاضلة ماهرة النقشبندي أخبرني صديقي ويل هوني كومب منذ أكثر من نصف سنة أن في نيته أن يجرب الكتابة في جريدة السبكتاتور، وأنه يرغب أن تكون كتابته عن طريقي إلى القراء.
وفي هذا الصباح تسلمت منه الرسالة التالية.
وبعد أن صححت بعض الأخطاء الإملائية فيها، أقدمها إلى القراء. عزيزي محرر السبكتاتور: قبل ليلتين كنت في جماعة لطيفة من شباب الجنسين، وكنا نتحدث عن بعض مقالاتك التي كتبتها في موضوع الحب الزوجي، فنشب بيننا نزاع حاد حول عدم وفاء الأزواج في الحياة بالنسبة إلى الزوجات، وقد انبرى أحد المدافعين عن المرأة وقص علينا قصة حصار مشهور في ألمانيا، وقد وجدت إنني ذكرتها في معجمي التاريخي كما يلي: عندما حاصر الإمبراطور كونراد الثالث جولفيوس، دوق بافاريا في مدينة هنسبورغ، وأتضح للسيدات أن المدينة لن تثبت طويلا، التمسن من الإمبراطور أن يسمح لهن بالخروج منها حاملات ما يستطعن حمله.
ولما كان الإمبراطور واثقاً من أنهن لا يستطعن حمل كثير من الأشياء، فقد أجاز لهن ما التمسن.
ودهش الإمبراطور من رؤية النسوة وهن خارجات يحملن أزواجهن على أكتافهن! فتأثر من هذا المنظر حتى طفرت الدموع من عينيه، وبعد أن أشاد بحبهن الزوجي، وهب لهن أزواجهن وعفا عن الدوق. ولكن السيدات لم يطربن لهذه القصة وسألننا في نفس الوقت، إن كنا نعتقد في قرارة أنفسنا أن رجال أية مدينة في بريطانيا العظمى، لو كانوا في نفس الأزمة، ومنحوا نفس المنحة، هل كانوا يحملون نساءهم أو كانوا يسرون من هذه الفرصة التي أتيحت لهم للتخلص منهن؟ وقد أجاب صاحبي تووم وابروت الذي جعل من نفسه محاميا عن جنسنا قائلا: إنهم إن لم يفعلوا ما فعلت السيدات فسيستحقون أعنف اللوم مع اعتبار أنهم أقوى منهن وأحمالهم ستكون أخف كثيراً. وبينما كنا نخوض في أحاديث من هذا النوع تسلية لنفوسنا وقتلا للوقت الذي أصبح مملاً قادنا الحديث، والحديث ذو شجون، إلى أن يتولى كل بدوره توجيه أسئلة يجب على الآخرين الإجابة عنها.
ولما حان دوري أمرت كل السيدات حسب السلطة المخولة لي أن يخبرن الجماعة بصراحة تامة عن الشيء الذي يفعلنه لو أنهن كن في هذا الحصار المذكور وأجيز لهن ما أجيز لتلكم السيدات، فما الذي تأخذه كل منهن على اعتبار أنه جدير بالإنقاذ؟ وقد أجبن إجابات طريفة عن سؤالي أبهجتنا حتى وقت النوم.
وقد ملأت هذه الإجابات رأسي بالأفكار المشوشة فحلمت بعد أن نمت الحلم التالي. رأيت مدينة في هذه الجزيرة - ليس لها اسم - محاصرة من كل الجهات وقد أجبر ساكنوها وضويقوا حتى ضجوا يطلبون لهم ملجأ يحميهم.
وقد رفض القائد أي حل سوى تلك المنحة التي ذكرناها في حكاية هنسبورغ أي أن كل سيدة لها الحق أن تخرج آخذة معها ما تراه يستحق الإنقاذ. وعلى حين غرة فتح الباب فظهر صف طويل من السيدات تتبع إحداهن الأخرى يتمايلن تحت أحمالهن.
وقد أخذت مكاني على مرتفع في مخيم العدو في المكان الذي عينه القائد لمقابلة النسوة للنظر فيما يحملن.
وكنت شديد الرغبة في رؤية هذه الأحمال. كانت أولاهن تحمل كيساً على كتفيها، فقد جلست لفتحه بكل عناية، وبينما كنت أنتظر أن أرى زجها خارجاً منه، وجدته مملوءاً بالأواني الصينية.
وبدت الأخرى بقوامها تحمل شاباً جميلاً على ظهرها وقد أكبرت هذه الصبية لحبها زوجها، ولكن دهشتي كانت بالغة أقصاها عندما اتضح أنها تركت زوجها المسكين في البيت وحملت صاحبها.
وأقبلت الثالثة من بعد بوجهها الجاف، فنظرت إلى حملها الذي لم أشك في انه زوجها، ولكن بعد أن أنزلته عن كتفيها سمعتها تناديه بعزيزي بك فإذا به كلبها المدلل، إذ يبدوا أن زوجها كان في غاية الضخامة فرأت في جلب هذا الكيوبيد الصغير تجنباً لكثير من المزعجات.
وكانت التالية زوجة رجل فاحش الغنى، وقد حملت معها حقيبة مملوءة بالذهب، وأخبرتنا أن زوجها قد بلغ من العمر أرذله، وبحسب قانون الطبيعة لن يعيش طويلاً، ولتريه عظم حبها له أنقذت ما يحبه المسكين أكثر من حياته.
وكانت الأخرى تحمل ابنها على ظهرها، وقيل لنا إنه من أعظم الفجار الأشرار في المدينة، ولكن على مثل هذا الحنان جبلت الأمهات الرقيقات، فقد تركت خلفها أسرة عامرة بالأمل ومؤلفة من زوج وبنين وبنات لأجل هذا المخلوق الشرير. ولو تركت لقلمي العنان أن يسجل ما رأيت في هذا الحلم الغريب لما انتهيت من السرد والوصف، فقد امتلأ المكان حولي برزم مربوطة وحرائر مشجرة ومطرزات وعشرة آلاف من مواد أخرى كافية لأن تملأ شارعاً بمخازن مملوءة بالدمى.
وأقبلت إحدى السيدات تحمل زوجها الذي لم يكن ثقيلا وتحمل في الوقت نفسه علاوة على ذلك ربطة كبيرة من الأشرطة الحريرية الهولندية، وعندما ضاقت بحمليها ووجدت أنها لا تستطيع الاحتفاظ بكليهما أسقطت بعلها الصالح وحملت الأشرطة وتابعت سيرها.
وبالاختصار لم أجد سوى زوج واحد مع هذه الأمتعة وكان إسكافياً نشيطاً.
لقد كان يرفس ويهمز رجليه وهو محمول على أكتاف زوجته، وقيل لي بعدئذ إن يوماً من أيام حياتها لم يمر دون أن يعاقبها بالضرب الشديد. ولن أستطيع إتمام هذه الرسالة يا صديقي المحرر من غير أن أخبرك عن خاطر عجيب مر بي في رؤياي.
فقد رأيت كما خيل إلي عشرات النساء منهمكات في سحب رجل واحد لم أتبينه أول وهلة حتى اقترب مني وبانت ملامحه فإذا به أنت.
وقد صرحن أن ذلك لأجل إنتاجك الأدبي، وليس لشخصك، على شرط أن تستمر في تحرير السبكتاتور.
فإذا وجدت في هذا الحلم ما يلائمك فهو تحت تصرفك يا عزيزي المحرر.
وأنا صديقك في النوم واليقظة. ويل هوني كومب سيرى السيدات كما خبرتهن كثيراً، أن (ويل) رجل من الطراز القديم في التهكم والمجون في المدينة، وهو هنا يظهر مواهبه بالتهكم على الزواج كرجل جرب حظه مراراً عديدة في هذا المضمار وخاب.
وعلى كل حال لم أستطع إهمال رسالته لأن القصة الحقيقية التي بنى عليها رسالته مما يرفع رأس المرأة عالياً، وأنه في سبيل إيذائهن قد جنح به المنطق إلى الرؤى والخيال. (بغداد) ماهرة النقشبندي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١