محمد إقبال
للدكتور عبد الوهاب عزام
قدمت في الرسالة نبذًا من كتاب إقبال الذي سماه (أسرار خودى) فعرف القارئ رأي الشاعر فيما سماه (الذاتية) ورأى كيف ضرب مثلًا من الطائر الظمآن وقطعة الماس، ومن الفحم والماس.
وفي هذا المقال يرى القارئ كلمتين من الكتاب نفسه: الأولى قصة الشيخ والبرهمن، ونهر الكنج وجبل هماله، والثانية (الوقت سيف). وإذا رأى القارئ غموضًا في بعض الجمل فمرجع هذا أن كثيرًا من المعاني والعبارات غير مألوف في العربية، وأن الشاعر الكبير يعرض آراء من فلسفته الخاصة، لم تذلل لها اللغة التي كتب بها. وهو يشكو في كلامه عن الوقت من أن الألفاظ تضيق بالمعاني التي يحسها.
وكان أهون عليّ أن أكتب في موضوعات أخرى هي أقرب إلى القراء، لولا أني أود أن أبين جهد الطاقة عن جوانب مجهولة من أدبنا الشرقي، ولاسيما فلسفة شاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال.
ويرى القارئ أني أحاول بالسجع تدارك بعض ما فات من الوزن والقافية.
- 1 -
(قصة الشيخ، البرهمن، وحديث كنكا وهماله في بيان أن حياة الأمة تستمر بالمحافظة على سننها).
كان في بنارس برهمند من الكبراء، غواص في بحر الحياة والفناء. ملك زمام الحكمة، وشحذ في الطلب والهمة، متوقد الذهن، يتحرى الدقائق، ويحلق فوق الثريا في طلب الحقائق. أوغل في لوح الجو كالعنقاء، واضطربت الشمس والقمر في شعلة فكره الوضاء. مُني زمانًا بالحرمان والحسرة، لم تصب كأسه قطرة من الحكمة، وألقى شبكته في رياض المعرفة، فلم تر طائر المعنى عين الشبكة، وأدمى مخالب الفكر المجهود، ولم يحل عقدة الوجود، نطقت بعجزه آهاته، وصورت حيرة قلبه قسماته.
ذهب يومًا إلى شيخ عظيم، ذي قلب سليم، فأصغى الشيخ لحديثه حتى عرف مكنون صدره، ثم قال: أيها الطائف في الأفلاك! اتخذ في الأرض مثواك. اغتربت عن المرج والصحراء فجاز فكرك آفاق السماء. يا طاوي السماء اسكن إلى الأرض قليلًا، ودع حقائق النجوم حينًا. لا أقول لك اهجر أصنامك، أنت كافر فكن جديرًا بزنارك، يا أمينًا على التهذيب القديم، لا تحقر دين آبائك الأولين. فإن في الألفة حياة الأمة، والكفر كذلك من أسباب الألفة. أنت ناقص حتى في الكفر، فلست أهلًا للطواف في حرم القلب. لقد بعدنا عن جادة التسليم، بعدت عن آذر وبعدت عن إبراهيم. قيسنا ليس هائمًا بالمحمل، وهو في جنون العشق لم يكمل، ما جدوى الخيال الذي يطوي السماء، إن كان شمع الذاتية إلى انطفاء.
قال نهر الكنج يومًا لجبل همالة وهو يجري في سفحه: أيها المتوج بالبرد من فجر الخليقة، والمتخذ زنارًا من الأنهار الجارية. جعلك الله نجيّ السماء، ولكن حرمك التبختر في العراء، ما غناء هذا الوقار والرسوخ والرفعة، وقد سلبت رجلك الحياة والحركة؟ الحياة سعي دائم كالموج، وجوده من الاضطراب المتصل.
فلما سمع الجبل تعيير النهر، أرسل أنفاسه بحرًا من نار وقال: يا من اتخذت صفحته مرآتي، وأكننت مئات من مثله في صدري إن هذا التبختر زينة الفناء، من ذهب عن نفسه فقد حرم البقاء، قد غفلت عن مقامك، وفخرت بهلاكك، ياوليد الفلك الرفيع، خير منك الساحل الوضيع، جعلت نفسك قربان المحيط، ونثرت جوهر روحك لقاطع الطريق، كن وردًا في بستانك، خلت القرون وأنا في طينتي ثابت القدم، وتحسبني إلى الغاية لم أتقدم، كلا قد عظمت حتى بلغت السماء، واستراحت على سفحي الجوزاء، وقد ضل وجودك في البحر الخضم، وصارت ذروتي مسجد الأنجم، عيني بأسرار الفلك بصيرة، وأذني بطيرانه خبيرة، احترقت بنار السعي الدائم، فجمعت في صدري الجواهر (في صدري حجارة وفي الحجارة نار، ليس للماء سبيل إلى هذه النار) إن كنت قطرة فلا ترق نفسك بيدك، وجاهد اللجة وحارب اليم لحياتك، كن جوهرًا لألاء، يزيد جيد الحسناء ضياء، أو اسمُ بنفسك وأسرع التسيار، وكن سحابًا يرمي البروق ومطر البحار، ليستجدي البحر إحسانك، ويشكو ضيقه بإنعامك، ويرى نفسه أقل من موجة لديك، ويطرح نفسه أمام قدميك.
- 2 -
أتبع الشاعر الفصل السابق بفصل عنوانه (نصيحة أمير نجاة النقشبندي المعروف ببابا الصحراوي، التي كتبها لمسلمي الهند).
وهو فصل ممتع بلغ فيه الكاتب من سمو الشعر، وعظمة النفس مبلغه. ثم أتبعه بكلمة عنوانها (الوقت سيف) وهذه ترجمتها: -
سقى الله ثرى الشافعي، كما استقى الناس من فيضه، لقد اقتطف فكره كوكبًا من السماء، حين سما الوقت سيفًا ذا مضاء، ماذا أقول في سر هذا السيف الذي يفيض بالحياة ماؤه؟ إن صاحبه فوق الخوف والرجاء، ويده أنصع من يد الكليم البيضاء، يلين الحجر لضربته، وييبس البحر لهيبته، كان هذا السيف في يد موسى فعلا أمره على التدبير، شق صدر البحر القلزم، فانقلب برًا ذلك العيلم، وكان في كف حيدر فاتح خيبر، ذلك السيف العظيم الأثر.
إن البصير يرى دوران السماء، ويدرك تقلب الليل والنهار في الفضاء، أنظر يا أسير الأمس والغد، تر في قلبك عالمًا لا يحد، زرعت بذور الظلام في طينتك، وتوهمت الوقت خطًا بجهلك، ثم قست طول الزمان بمعيار الليل والنهار، واتخذت هذا الخيط زنارًا، فملت إلى الأصنام واتخذت الباطل متجرًا، كنت كيمياء فانقلبت قبضة طين، وولدت الحق ثم صرت الباطل المهين.
إن تكن مسلمًا فتحرر من هذا الزنار، وكن شمعًا في محافل الأحرار. لقد جهلت أصل الزمان فجهلت الحياة الخالدة، يا أسيرًا في الليل والنهار مثواه، تعرف رمز الوقت من (لي مع الله) كل شئ من سير الوقت ظاهر، والحياة سر من أسرار الوقت الباهر، ليس الوقت من دوران الشمس العلية، هو أبديّ وهي ليست أبدية، الوقت هو السرور والغم، والعيد والمأتم، وهو سر الضياء، في القمر وذُكاء، قد بسطت الوقت كالمكان، ثم فرقت بين الأمس والغد في الحسبان، يا من جفلت كالشذى من بستانك، وبنيت سجنك بيدك! إن وقتنا الذي لا أول له ولا آخر، ينبت من بستان الضمير الناضر، الحياة من الدهر والدهر من الحياة، وقد قال الرسول لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله.
استمع نكتة تضيء كالدر، لتعرف فرق ما بين العبد والحر: العبد ضال في الليل والنهار، والزمان في قلب الحر ضال. العبد ينسج من الأيام كفنه، ويخيط الليل والنهار على نفسه، والحر يخلع نفسه من الطين، ثم ينسج على الزمان عزمه المتين. العبد طائر في شبكة الصباح والمساء، حرمت روحه لذة السبح في الهواء، وصدر الحر الهمام، قفس لطائر الأيام، فطرة العبد تحصيل الحاصل، وخواطره تكرار قاتل، مقامه من الخمود واحد، وصوته بالليل والنهار راكد. والحر كل حين خلاق، يسكب وتره نغمة مجددة في الآفاق، فطرته لا تحتمل التكرار، وليس طريقه حلقة البركار، العبد في سلاسل من أيامه، والقضاء والقدر وِرد لسانه. وهمة الحر مشيرة على القضاء، تصور يده الحادثات كما تشاء، الماضي والآتي ماثلان لديه، والآجل عاجل بين يديه.
هذا كلام برئ من الصوت والصدى، يأبى على الإدراك أبدًا. أقول ولفظي من المعنى يخجل، ومعناي من ذلك اللفظ أجلّ، يموت المعنى الحي في هذه الحروف الجامدة، وتخمد ناره بأنفاسك الباردة. إن في القلب نكتة الغيبة والحضور، وإن في القلب رمز الأيام والمرور، مِزهر الوقت ذو نغمة صامتة، فغص في قلبك لتدرك أسراره الخافتة.
نضّر الله عهدًا كان سيف الزمان، حليف أيدينا على الحدثان، فبذرنا الدين في أرض القلوب، ورفعنا الحجاب عن وجه الحق المحجوب، وحلت عقدة الدنيا أناملنا، ونضر وجه الأرض سجودنا، وشربنا الصهباء من دنّ الحق، ثم سرنا بنشوة الحق بين الخلق، يا من أترعت كأسه الخمر المعتقة، وأذابت كأسه الصهباء المحرقة، وملأه الكبر والغرور والأثرة، فعيّرنا بالفقر والمتربة. لقد كانت كأسنا كذلك، زينة المحافل، يوم كنا وصدرنا بالقلب آهل، وثار من غبار أقدامنا عصر جديد، ينجلي بكل أمل بعيد ورويت مزرعة الحق بدمائنا، وسعد عُبّاد الحق ببلائنا، ودوّي العالم بتكبيرنا، وعمرت كعباتٌ من ترابنا. وأنزل الحق كلمة (اقرأ) فينا، ثم قسم رزقه بأيدينا. فإن يكن ذهب منا الخاتم والتاج، فلا تحقر ذلك الفقير المحتاج. إن نكن بزعمك مفسدين، وبالأفكار العتيقة مغرمين. فنحن لا نزال الأحرار أنصار التوحيد، قوامين على العالمين والله شهيد.
فرغنا من غم اليوم والغد، وحالفنا الله الأحد، فنحن في قلب الحق سر مكنون، ونحن ورثة محمد وموسى وهارون، لا يزال نورنا في الشمس والقمر مصونًا، ولا يزال سحابنا بالبرق مشحونًا.
إن ذات المسلم مرآة الحق، وإن وجود المسلم من آيات الحق.
عبد الوهاب عزام
محمد إقبال
للدكتور عبد الوهاب عزام
قدمت في الرسالة نبذًا من كتاب إقبال الذي سماه (أسرار خودى) فعرف القارئ رأي الشاعر فيما سماه (الذاتية) ورأى كيف ضرب مثلًا من الطائر الظمآن وقطعة الماس، ومن الفحم والماس.
وفي هذا المقال يرى القارئ كلمتين من الكتاب نفسه: الأولى قصة الشيخ والبرهمن، ونهر الكنج وجبل هماله، والثانية (الوقت سيف). وإذا رأى القارئ غموضًا في بعض الجمل فمرجع هذا أن كثيرًا من المعاني والعبارات غير مألوف في العربية، وأن الشاعر الكبير يعرض آراء من فلسفته الخاصة، لم تذلل لها اللغة التي كتب بها. وهو يشكو في كلامه عن الوقت من أن الألفاظ تضيق بالمعاني التي يحسها.
وكان أهون عليّ أن أكتب في موضوعات أخرى هي أقرب إلى القراء، لولا أني أود أن أبين جهد الطاقة عن جوانب مجهولة من أدبنا الشرقي، ولاسيما فلسفة شاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال.
ويرى القارئ أني أحاول بالسجع تدارك بعض ما فات من الوزن والقافية.
- 1 -
(قصة الشيخ، البرهمن، وحديث كنكا وهماله في بيان أن حياة الأمة تستمر بالمحافظة على سننها).
كان في بنارس برهمند من الكبراء، غواص في بحر الحياة والفناء. ملك زمام الحكمة، وشحذ في الطلب والهمة، متوقد الذهن، يتحرى الدقائق، ويحلق فوق الثريا في طلب الحقائق. أوغل في لوح الجو كالعنقاء، واضطربت الشمس والقمر في شعلة فكره الوضاء. مُني زمانًا بالحرمان والحسرة، لم تصب كأسه قطرة من الحكمة، وألقى شبكته في رياض المعرفة، فلم تر طائر المعنى عين الشبكة، وأدمى مخالب الفكر المجهود، ولم يحل عقدة الوجود، نطقت بعجزه آهاته، وصورت حيرة قلبه قسماته.
ذهب يومًا إلى شيخ عظيم، ذي قلب سليم، فأصغى الشيخ لحديثه حتى عرف مكنون صدره، ثم قال: أيها الطائف في الأفلاك! اتخذ في الأرض مثواك. اغتربت عن المرج والصحراء فجاز فكرك آفاق السماء. يا طاوي السماء اسكن إلى الأرض قليلًا، ودع حقائق النجوم حينًا. لا أقول لك اهجر أصنامك، أنت كافر فكن جديرًا بزنارك، يا أمينًا على التهذيب القديم، لا تحقر دين آبائك الأولين. فإن في الألفة حياة الأمة، والكفر كذلك من أسباب الألفة. أنت ناقص حتى في الكفر، فلست أهلًا للطواف في حرم القلب. لقد بعدنا عن جادة التسليم، بعدت عن آذر وبعدت عن إبراهيم. قيسنا ليس هائمًا بالمحمل، وهو في جنون العشق لم يكمل، ما جدوى الخيال الذي يطوي السماء، إن كان شمع الذاتية إلى انطفاء.
قال نهر الكنج يومًا لجبل همالة وهو يجري في سفحه: أيها المتوج بالبرد من فجر الخليقة، والمتخذ زنارًا من الأنهار الجارية. جعلك الله نجيّ السماء، ولكن حرمك التبختر في العراء، ما غناء هذا الوقار والرسوخ والرفعة، وقد سلبت رجلك الحياة والحركة؟ الحياة سعي دائم كالموج، وجوده من الاضطراب المتصل.
فلما سمع الجبل تعيير النهر، أرسل أنفاسه بحرًا من نار وقال: يا من اتخذت صفحته مرآتي، وأكننت مئات من مثله في صدري إن هذا التبختر زينة الفناء، من ذهب عن نفسه فقد حرم البقاء، قد غفلت عن مقامك، وفخرت بهلاكك، ياوليد الفلك الرفيع، خير منك الساحل الوضيع، جعلت نفسك قربان المحيط، ونثرت جوهر روحك لقاطع الطريق، كن وردًا في بستانك، خلت القرون وأنا في طينتي ثابت القدم، وتحسبني إلى الغاية لم أتقدم، كلا قد عظمت حتى بلغت السماء، واستراحت على سفحي الجوزاء، وقد ضل وجودك في البحر الخضم، وصارت ذروتي مسجد الأنجم، عيني بأسرار الفلك بصيرة، وأذني بطيرانه خبيرة، احترقت بنار السعي الدائم، فجمعت في صدري الجواهر (في صدري حجارة وفي الحجارة نار، ليس للماء سبيل إلى هذه النار) إن كنت قطرة فلا ترق نفسك بيدك، وجاهد اللجة وحارب اليم لحياتك، كن جوهرًا لألاء، يزيد جيد الحسناء ضياء، أو اسمُ بنفسك وأسرع التسيار، وكن سحابًا يرمي البروق ومطر البحار، ليستجدي البحر إحسانك، ويشكو ضيقه بإنعامك، ويرى نفسه أقل من موجة لديك، ويطرح نفسه أمام قدميك.
- 2 -
أتبع الشاعر الفصل السابق بفصل عنوانه (نصيحة أمير نجاة النقشبندي المعروف ببابا الصحراوي، التي كتبها لمسلمي الهند).
وهو فصل ممتع بلغ فيه الكاتب من سمو الشعر، وعظمة النفس مبلغه. ثم أتبعه بكلمة عنوانها (الوقت سيف) وهذه ترجمتها: -
سقى الله ثرى الشافعي، كما استقى الناس من فيضه، لقد اقتطف فكره كوكبًا من السماء، حين سما الوقت سيفًا ذا مضاء، ماذا أقول في سر هذا السيف الذي يفيض بالحياة ماؤه؟ إن صاحبه فوق الخوف والرجاء، ويده أنصع من يد الكليم البيضاء، يلين الحجر لضربته، وييبس البحر لهيبته، كان هذا السيف في يد موسى فعلا أمره على التدبير، شق صدر البحر القلزم، فانقلب برًا ذلك العيلم، وكان في كف حيدر فاتح خيبر، ذلك السيف العظيم الأثر.
إن البصير يرى دوران السماء، ويدرك تقلب الليل والنهار في الفضاء، أنظر يا أسير الأمس والغد، تر في قلبك عالمًا لا يحد، زرعت بذور الظلام في طينتك، وتوهمت الوقت خطًا بجهلك، ثم قست طول الزمان بمعيار الليل والنهار، واتخذت هذا الخيط زنارًا، فملت إلى الأصنام واتخذت الباطل متجرًا، كنت كيمياء فانقلبت قبضة طين، وولدت الحق ثم صرت الباطل المهين.
إن تكن مسلمًا فتحرر من هذا الزنار، وكن شمعًا في محافل الأحرار. لقد جهلت أصل الزمان فجهلت الحياة الخالدة، يا أسيرًا في الليل والنهار مثواه، تعرف رمز الوقت من (لي مع الله) كل شئ من سير الوقت ظاهر، والحياة سر من أسرار الوقت الباهر، ليس الوقت من دوران الشمس العلية، هو أبديّ وهي ليست أبدية، الوقت هو السرور والغم، والعيد والمأتم، وهو سر الضياء، في القمر وذُكاء، قد بسطت الوقت كالمكان، ثم فرقت بين الأمس والغد في الحسبان، يا من جفلت كالشذى من بستانك، وبنيت سجنك بيدك! إن وقتنا الذي لا أول له ولا آخر، ينبت من بستان الضمير الناضر، الحياة من الدهر والدهر من الحياة، وقد قال الرسول لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله.
استمع نكتة تضيء كالدر، لتعرف فرق ما بين العبد والحر: العبد ضال في الليل والنهار، والزمان في قلب الحر ضال. العبد ينسج من الأيام كفنه، ويخيط الليل والنهار على نفسه، والحر يخلع نفسه من الطين، ثم ينسج على الزمان عزمه المتين. العبد طائر في شبكة الصباح والمساء، حرمت روحه لذة السبح في الهواء، وصدر الحر الهمام، قفس لطائر الأيام، فطرة العبد تحصيل الحاصل، وخواطره تكرار قاتل، مقامه من الخمود واحد، وصوته بالليل والنهار راكد. والحر كل حين خلاق، يسكب وتره نغمة مجددة في الآفاق، فطرته لا تحتمل التكرار، وليس طريقه حلقة البركار، العبد في سلاسل من أيامه، والقضاء والقدر وِرد لسانه. وهمة الحر مشيرة على القضاء، تصور يده الحادثات كما تشاء، الماضي والآتي ماثلان لديه، والآجل عاجل بين يديه.
هذا كلام برئ من الصوت والصدى، يأبى على الإدراك أبدًا. أقول ولفظي من المعنى يخجل، ومعناي من ذلك اللفظ أجلّ، يموت المعنى الحي في هذه الحروف الجامدة، وتخمد ناره بأنفاسك الباردة. إن في القلب نكتة الغيبة والحضور، وإن في القلب رمز الأيام والمرور، مِزهر الوقت ذو نغمة صامتة، فغص في قلبك لتدرك أسراره الخافتة.
نضّر الله عهدًا كان سيف الزمان، حليف أيدينا على الحدثان، فبذرنا الدين في أرض القلوب، ورفعنا الحجاب عن وجه الحق المحجوب، وحلت عقدة الدنيا أناملنا، ونضر وجه الأرض سجودنا، وشربنا الصهباء من دنّ الحق، ثم سرنا بنشوة الحق بين الخلق، يا من أترعت كأسه الخمر المعتقة، وأذابت كأسه الصهباء المحرقة، وملأه الكبر والغرور والأثرة، فعيّرنا بالفقر والمتربة. لقد كانت كأسنا كذلك، زينة المحافل، يوم كنا وصدرنا بالقلب آهل، وثار من غبار أقدامنا عصر جديد، ينجلي بكل أمل بعيد ورويت مزرعة الحق بدمائنا، وسعد عُبّاد الحق ببلائنا، ودوّي العالم بتكبيرنا، وعمرت كعباتٌ من ترابنا. وأنزل الحق كلمة (اقرأ) فينا، ثم قسم رزقه بأيدينا. فإن يكن ذهب منا الخاتم والتاج، فلا تحقر ذلك الفقير المحتاج. إن نكن بزعمك مفسدين، وبالأفكار العتيقة مغرمين. فنحن لا نزال الأحرار أنصار التوحيد، قوامين على العالمين والله شهيد.
فرغنا من غم اليوم والغد، وحالفنا الله الأحد، فنحن في قلب الحق سر مكنون، ونحن ورثة محمد وموسى وهارون، لا يزال نورنا في الشمس والقمر مصونًا، ولا يزال سحابنا بالبرق مشحونًا.
إن ذات المسلم مرآة الحق، وإن وجود المسلم من آيات الحق.
عبد الوهاب عزام