أرشيف المقالات

قضايا الشباب بين العلم والفلسفة

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 للأستاذ إبراهيم البطراوي - 4 - لسائل أن يسألني: إذا كانت جميع الوسائل التي التمسها أولو الأمر لعلاج الأزمات التي يعانيها الشباب قد أخفقت هذا الإخفاق، فأي باب مأمون يمكن أن يطرقه الشباب وهو على يقين من أنه سيجد فيه ضالته وشفاءه وسعادته؟ والحق أقول - وأعتذر إذ أضطر إلى الحديث عن نفسي - أنني بعد أن أفنيت كل عمري العلمي حتى الآن وهاأنذا أناهز (سن الرشد) التي يقولون، وبعد أن أذويت شبابي ومازلت في أبحاث شاقة متشعبة - لم أجد ما أجيب به غير كلمتين اثنتين: العلم والدين.
أما الدين فأقصد به الدين النقي الخالص، وأما العلم فأقصد به العلم اليقيني الثابت من ذلك الذي يسميه الإنجليز وكما يقول بعض الباحثين: (إن الدين وإن انحطت درجته بين الأديان ووهي أساسه، فهو أفضل من طريقة الشك والإلحاد، وأمس بالمدينة ونظام الجمعية الإنسانية، وأجمل أثراً في عقد روابط المعاملات، بل في كل شأن يفيد المجتمع الإنساني، وفي كل ترق بشرى إلى أية درجة من درجات السعادة في هذه الحياة الأولى) ورحم الله ذلك الفيلسوف العربي الشاعر أبا العلاء حيث يقول: قال المنجم والطبيب كلاهما: ...
لا تحشر الأجساد، قلت إليكما طهرت ثوبي للصلاة وقبله ...
طهر، فأين الطهر من جسديكما؟ إن صح قولكما فلست بخاسر ...
أو صح قولي فالخسار عليكما أما العلم الثابت فلأنه يحترم نفسه ويعرف لها قدرها فلا يزج بها إلى ما فوق طاقتها، ولا يقول عن شيء إنه حقيقة حتى يتثبت بالتجربة الدقيقة الصحيحة؛ ولهذا فحقائقه ثابتة يعكس الفلسفة فمعظمها آراء ظنية يخيل إلينا أصحابها أن الحقيقة هي، ومن هنا نشأ الخلط والتناقض فيها مع الغموض، ولم تكتسب كالعلم صفة البقاء والخلود. أما العلم فلا يخلط بين الظن والحقيقة - ولاسيما فيما يمس الدين - متعصباً لرأيه كما تفعل الفلسفة؛ بل يقول في تواضعه المعهود على لسان بعض رجاله: (الفرق بين أي اعتقاد د وبين نظرية علمية أن الاعتقاد فيه عند معتقديه عنصر من الحقيقة المطلقة.
أما النظرية العلمية، فهي عند أهلها صحيحة ما دامت نافعة.
ويعتبر رجل العلم حتى أحسن نظرياته وسيلة مؤقتة تعينه على طريقه.
ولا ينفك ينظر حوله منقباً لعله يجد شيئاً خيراً منها وأشمل.
ويرى بعض الفلاسفة من أتباع وليم جيمز أننا حين نقول عن معتقد إنه حق لا نعني أكثر من أنه نافع - أي أن كل حق في رأيهم إنما يحكم له أو عليه بالاختبار والتجربة لا عن طريق آخر)
أما إذا خرج العالم عن دائرته (دائرة الحقائق القطعية) وأدلى برأي فيجب أن نحترس منه ولا نقبل كل قوه من غير تمحيص؛ لأن العالم أحياناً يتفلسف ولكل عالم هفوة. ومهما يكن فلكل شيء حد إذ جاوزه اختلت موازينه، وكما يقول ابن خلدون في مقدمته: (لا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وبأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك.
واعلم أن الوجود عند كل مدرك له في بادئ رأيه ينحصر في مداركه لا بعدوها؟ والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه: ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في عالم المحسوسات الأربع والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات؟ وكذلك الأعمى بالنسبة للمرئيات.

ولو أننا سألنا الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكراً للمعقولات)
من منطق ورياضة.

الخ (وكانت ساقطة لديه كلية) وكذلك الدودة بالنسبة للجهات النائية والسماء.
فهل ينحصر الوجود حقاً فيما ندرك وما عداه معدوم؟ (فانهم إدراكك ومدركاتك واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقاد وعمل لأنه أعلم بما ينفعك وأحرص على سعادتك). (العقل ميزان صحيح ولكنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة الوجود والنبوة وكل ما وراء طوره؛ فإن ذلك طمع في محال.
ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال)
اهـ وهذه الكهرباء والمغناطيسية والجاذبية كلها موجودات نعرفها - فقط - بآثارها، ولكن العلم الحديث أثبت أنه لا يمكن إدراك كهها.
فهل معنى أننا نعجز عن إدراكها يجعلنا نستطيع أن ننكر وجودها؟. ولله ما أجمل تلك العبارة الرائعة التي تنسب لفيلسوف من أجدادنا الفراعين زعموا أنها وجدت منقوشة على هرم في هيكل إيزيس بـ (صا الحجر) وهي: (أنا كل شيء كان، وكل شيء كائن، وكل شيء سيكون.
ومحال على من يفنى أن يزيل النقاب الذي تنقب به من لا يفنى)
.
ولكن العلم بنفس التواضع وبنفس الدقة وبرغم كثرة مشاغله استطاع أن ينير لنا الكثير من معالم الطريق، وأن يقول كلمة الفصل التي ينتظرها منه العالم بفارغ صبر. فأثبتت جميع تجاربه على طول الخط وجود قوة مدبرة مسيطرة هي الله، بل ذهب إلى أكثر من هذا فأثبت كذلك أنه تعالى قيوم ونزهه سبحانه عن الزمنية والمكانية.
كما أثبت له صفات الكمال ونفى عنه كل صفة نقص.
ذكر ذلك العلامة الفلكي النابغ السير جيمس جينز في مؤلفاته ولا سيما في كتابيه - وكذلك ذكره غيره من مشاهير العلماء الأفذاذ. وليس ببعيد ذلك اليوم الذي نعني فيه الدين حينما ننطق بكلمة العلم كما تنبأ بذلك أستاذنا العلامة الورع الدكتور محمد أحمد الغمراوي أستاذ الكيمياء بكلية الطب. العلم والدين: وهل هنالك لذة أسمى من لذة المعرفة؟ وهل هنالك سعادة أكمل من سعادة الاطمئنان؟ (الدين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)
(أولم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء.
وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فبأي حديث بعده يؤمنون؟)
سمعاً وطاعة! لقد تفكرنا وتحققنا فآمنا ولم يبق إلا أن نفرغ من مشاغلنا المتعددة فنكمل إيماننا بالعمل. هذا ما أجاب به العلم الحديث بعد طول تأمل وتدبر. وإن هذا التفكير العلمي المتأمل في نظام الكون أنطق شيخ الإلحاد الفرنسي فولتير في أخريات حياته بقوله: (إنه لا توجد ساعة بدون ساعاتي يصنعها): أما الدين فمعروف أمره وليس هذا مجال البحث فيه.
وأما العلم فأي شيء لديه؟ وحبذا لو قمنا بسياحة إلى أرضه الطيبة فإن هذا يعود علينا بخير كثير.
إلا أن عقولنا المتزنة، وحياتنا المثقلة بالمواعيد، وأعصابنا الرقيقة المرهفة، كلها دواع تستلزم الاقتصاد في الزمن، وتجعل من العسير إن لم يكن من المستحيل علينا أن نحتمل حصر الأرقام، أو نطيق المكث في المدن العلمية ومعاملها بين هذا الدخن المتصاعد، والوهج المتطاير! فلنكتف بالوقوف في هذه الزاوية إذن حيث آلة التسجيل التي يدون فيها كل شيء. وأول ما يصادفنا في هذا المعمل المتواضع توقيع صغير للفلكي الرياضي النابه السير آرثر إد نجتون يقول فيه: (إن صورة الكون كما ترسمها النظريات العلمية الحديثة، توضح لنا ترتيباً للعناصر الأساسية لا يترك فرصة للمصادفة فيه إلا بنسبة واحد إلى ملايين متعددة).
يلي هذا توقيع متمم للعالم الجيولوجي (لل) يقول فيه: (إننا كلما تعمقنا بأبحاثنا في أية ناحية من نواحي الكون نجد أوضح البراهين على وجود عقل الخالق وعنايته وقدرته وحكمته). إلا أن هذا الهمس الذي يعلو بعض الشفاه يشعر بأنه مازال في النفس شيء! ولكن رويداً رويدا؛ فها هو ذا النابغة الألماني (ليبج) عالم النبات الشهير يقدم إلينا في حزمه المعهود أول البراهين التي نتطلع إليها في لهفة وشوق: (إنني أفضل الاعتقاد بأن كتاباً في علم الكيمياء أو النبات (كتب نفسه) ونشأ من تلقاء ذاته من المواد غير الحية، على الاعتقاد بأن ورقة من أوراق الشجر أو زهرة من زهوره استطاعت أن تخلق نفسها وتتكون من تلقاء ذاتها بواسطة العوامل الطبيعية المجردة) ثم يبتسم وهو يشيح عنا بوجهه قائلاً: (حقاً!) إن دراسة الطبيعة هي الطريق لعبادة الخالق. ولكننا وإن سلمنا بهذه النتائج يلوح أنا في حاجة لأن نخلو بأنفسنا لحظات نتناقش معها بهدوء: فكيف توصل العلم إلى هذه النتائج؟ وهل هناك براهين أُخر؟ وقبل أن نتم هذا التساؤل - نجد الرجل النشيط ذا الروح اللطيف الجذاب السير جيمس جينز - وكأنما أدرك بفطنته ما نعاني - لأنه يعرف طبيعة النفس البشرية التي قالت لربها (ولكن ليطمئن قلبي) - نجد هذا العالم الإنجليزي يقبل نحونا وبيده طائفة من الكتب وهو يقول متهللاً: إليكم الجواب! ثم يفتح أولها وهو (الكون المحيط بنا) لنجده فيه يأتي بمقدمات مهما تعددت وتباينت فإنها تصل بنا حتما إلى شيء واحد هو (أن في الكون آيات ساطعات صحيحات على وجود قوة مدبرة مهيمنة عليه) لنسمها ما شئنا: المدبر، المتحكم، الطبيعة، الله؛ فإن هذه الأسماء كلها تصل بنا إلى معنى واحد هو (الرب الخالق) الذي نزلت باسمه الأديان. (النهاية في العدد القادم) إبراهيم البطراوي

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١