أرشيف المقالات

مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (1، 2)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
8 1 - فيدون للأستاذ كمال دسوقي للمحاورة من المحاولات الأفلاطونية تاريخان: تاريخ حدوث وتاريخ تدوين، وقد تكون الواحدة منها من أولى المحاورات وقوعا وآخرها تدوينا - وقد تكون العكس - حسبما تصادف الرواية من ظروف الجدل على يد سقراط، والكتابة على يد أفلاطون. وفيدون آخر المحاورات السقراطية وقوعا على التحقيق لأنها تنتهي بآخر مشهد من حياة سقراط؛ بتجرعه السم وموته، ولهذا يؤرخ لها بسنة تسع وتسعين وثلثمائة التي مات فيها سقراط على ارجح الآراء.
ومع هذا فهي لست من أوائل المحاورات تدوينا عند أفلاطون - لما يبدو فيها من العمق والمثالية التي هي أدنى إلى الأفلاطونية - مع أن المؤرخين يسلكونها في المرحلة الأولى من تأليف أأأفلاطون: أو طيفرون، واحتجاج سقراط، واقريطون، وفيدون - التي يسمونها المرحلة السقراطية لقرب عهدها به؛ ولذلك فالمنتظر أن يكون فيدون قدوري هذه المحاورة - ودونها أفلاطونبالتالي، بعد زمن طويل من وفاة سقراط. والمحاورة قسمان غير متعادلين يفصل بينهما انصراف سقراط إلى ذكر شئ من تجربة - حين بلغ الشك مبلغه في نفس محدثيه وكان من قبل قد استطاع أن يزيل كل شك في نفسيهما، أما هنا - فهو يتوقف عن الجدل مضطرا لكي يتحدث عن نفسه واشتغاله بالعلوم والمذاهب. والقسم الأول هو إذن اكبر القسمين - ويتناول، بعد شئ من المقدمات تتعلق بظروف المحاورة وشهودها وما انتابهم من شعور، ثم زوجة سقراط - وفك أغلاله.
الخ - تقول - يتناول الموت والانتحار وموقف الفيلسوف من كليهما، والحديث عن الموت بوصفه (انفصال الروح عن الجسد) يستتبع الحديث عن الروح والبدن والتفرقة بين المحسوس والمثالي المطلق حيث ينتهي سقراط إلى أن سبيل المعرفة الأوحد أن تعود الروح إلى مفارقة البدن وإلى أن واجب الفيلسوف أن يعد نفسه للموت.
ويثير هذا خوفا على مصير الأرواح في نفس سيبيس فيطمئنه سقراط على خلود الروح بأدلة ثلاثة يتبعها رابع - تثير مناقشتها مشكلات التذكر والتضاد وأزلية الروح وأبديتها.

وتناسقها وتناسخها.
.
الخ.
ولنفصل القول بإيجاز في كل مشكلة من هذه. 1 - الموت والانتحار 1 - الحكيم لا يهاب الموت ولا يحفله - بل ينشده ويرحب به - فهل معنى هذا أن ينتحر؟ وهل له بدلا من أن ينتظر وقوع الموت ويستجديه من الآلهة أن يضع لحياته حدا؟ لا - أن عليه أن يضع نفسه حيث وضعته الآلهة، وألا يخلص روحه من سجن البدن إلا متى ارادت، فالآلهة وألا يخلص منه من سجن البدن إلا متى ارادت، فالآلهة أدرى بخيره منه - وهو حين يخرج على إرادتهم بفعل هذه الجريمة - كالثور أو الحمار يعصي صاحبه - فقد ارتكب اكثر من نكر واحد: (ا) فهو أولا قد ظن في نفسه القدرة على الموت والحياة.
وهو خلو منها. (ب) وافتراض في نفسه حكة اكثر من الآلهة - ومعرفة بخيره منهم.
.
وعناية بنفسه اكثر من عنايتهم، حيث يكون الخير في الواقع ما أرادوه هم - ولو كان سجنا أو موتا هو الذي يفر من خيره في غير حكمة. (ج) ثم هو يهب نفسه حرية واختيار أن يفعل ما يشاء أكثر مما له في الحقيقة. والنتيجة أن واجب الفيلسوف أن يرغب الموت ولا يرتكبه، ولكن له أن يحاول فصل روحه عن بدنه وتعطيل حواسه عن فكره حتى يتهيأ له سبيل المعرفة الصحيح، ووسيلة التطهير والخلاص وعليه حتى حين الخلاص النهائي أن يمهد نفسه له، وأن يميتها مرة ومرات، فيعادي البدن ويتجنب كل ما يمت إليه بسبب، حتى تحصل روحه الحكمة من العالم الآخر قبل أن تصل إليه وحتى تالف الموت فلا تفرع له أو تفرع منه، وبهذا المران على تطهير الروح يصل إلى الاعتدال الذي لا تطرق معه في صفة من الصفات كما يصبح سعيه للحكمة وخلاص النفس وتطهيرها مقصودا لذاته، لا لمقايضة ومبادلة أو ترجح للذة أو خير ابعد - بمعنى أن يتطبعوا بالحكمة لا يبغونها لنفع أو غرض. 2 - خلود الروح: وهنا يسوق سيبيس على لسام العامة تشكيكا في مصير الروح بعد انفصالها عن الجسد، وقولهم إنها تصبح هباء أو دخانا تذروه الرياح - فيقدم له سقراط الأدلة على بقاء الروح في العالم الأزلي - وسنسوقها بترتيب ورودها. 2 - فأولا يقدم سقراط دليلا يبدو انه يريد به نظرية تناسخ الأرواح انتقالها من بدن إلى آخر بعد موته - وإلى هذا يرمز بقوله (المذهب القديم الذي كنت أتحدث عنه) أي الفيثاغورية؛ وعلى هذا فلا بد أن تظل الروح باقية كيما يخرج الحي من الميت.
ولا تقوم صحة هذا دليل إلا إذا سلمنا بهذه النظرية الفيثاغورية، بمعنى إنه إذا قام الدليل على أن الحي لا يولد إلا من الميت، فقد صحت النظرية، وثبت بالتالي خلود الروح وتناسخها، وإذا لم يقم على ذلك دليل سقطت هذه الحجة ب - ولكي يقدم سقراط دليلا أخر يبحث مسالة التضاد فيما بين الأشياء: الكبر والصغر.
والعدل والظلم، واليقظة والنوم.

الخ والفعل الذي به يتم الانتقال من الضد إلى الضد ذهابا وجيئة، وينتهي إلى أن الموت الذي نراه لا بد أن يكون ضده الحياة التي لا نراها موجودة - فأرواحنا لابد إذن موجودة في العالم الأدنى - والحي لابد أن يكون خروجه من الميت كذلك، وإلا لا نعدم توالد الأشياء واصبح مصيرها مصير (أنديميون) النائم أبدا - فهذا الدور أو التعاقب بين الأضداد هو الذي يؤكد لنا خلود الروح.
.
وهذا الدليل كما نرى وجودي فكرى اكثر منه حقيقيا فالتضاد بين الأشياء مقولة من مقولات الفكر، ومن عمل العقل والمنطق - نحن ندرك النوم باليقظة - ونميز الصحة بالمرض ولكن ليس محتوما أن يتولد المرض من الصحة ولا النوم من اليقظة.
حقا أن الكون والفساد من نواميس الطبيعة - التي هي كما يقول - لا يفترض إنها تسير على ساق واحدة فحسب - وما نسلم بنظرية التناسخ السابقة - فإن هذه الحجة لا تدل وحدها على خلود الروح. (ج) والحجة الثالثة هي نظرية التذكر، ويقصد بها أن أرواحنا قد أقامت قبل حلولها في البدن في عالم أخر نتذكر الآن الإجابة الصحيحة التي يدل بها شخص ما عن سؤال صحيح مينون - إليه - ويكون التذكر بالتلازم - كالمحبوب والقيثارة - وسيمياس وسيبيس - أو بالتشابه أو التضاد - كما في الحجة السابقة، أو بالتساوي الذي يوجد مثاله - ككل المثل - في عالم التجريد والذي نفيس عليه تساوي العصى أو الحجارة أو قطع الخشب - التي ليست في حقيقتها متساوية - بل تنزع إلى التساوي الحق دون أن تبلغه - وهذه المثل نحن لم ندركها بالحواس بل الحواس هي التي تذكرنابها في عالم المثل.
وقد ولدنا ومعنا هذه المعرفة - أي إننا قد حصلناها قبل أن نولد - وهانحن الآن نتذكرها بطريق الحواس؛ وإلا فلو إننا قد حصلناها ساعة الميلاد أو بعده - فكيف سلبت منا بعد أن أعطيت لما حتى ننساها ثم نعود فنتذكرها وإذن فأرواحنا قد كانت موجودة قبل أن نولد، وكذلك المثل المطلقة للخير والعدل والحق والتساوي.

الخ، التي تذكرنا بها حواسنا ألان.
وهذه الحجة نثبت أزلية الروح - ولا تثبت أبديتها - كما شك سيمياس، وعليه يرد سقراط بأنه من مجموع هذه الأدلة يقوم الدليل على خلود الروح. (د) على أن أهم دليل يقدمه سقراط على خلود الروح - هو الحجة القائلة - بأنه إذا كان الجسم يفنى لأنه مركب يتحلل بالفساد - فالروح باقيه لأنها بسيطة لا تتحلل ولا يجوز عليها التغير - لأنها ثابتة خفية يدركها العقل ولا تقف عليها أي الحواس، وبذلك فهي أبدية خالدة شان كل ما هو الهي - حقا أن المادة الجسمية تغشى بكثافتها على صفاء الروح وتدنسها بمخالطتها ولكن الفلسفة كما قلنا هي وسيلة تطهير البدن من هذ1 الجسم وأماتته مرات قبل أن يموت نهائيا - فإذا سح هذا طاهرة، ورفلت في نعيم الهي مقيم.
وأما إذا كانت الروح تجر وراءها دنس المادة وكدر الشهوة، لم تزل تحوم حائرة حول المقابر - جزاء إثم أصحابها الفجار في الحياة.
ورما تقمصت هذه الأرواح الفاجرة الشريرة أجسام حمير أو ذئاب أو حدا يزاولوا فيها ميولهم وبائعهم ولذا كانت الفلسفة سبيلا لتحرير الفيلسوف، واعتداله، وتخلص روحه وخلودها سعيدة مع الآلهة ولذلك أيضا لم يكن سقراط اكثر اعتدالا أو هناءة أو تغريدا في أي وقت من حياته منه ساعة إعدامه - وهو يشبه نفسه بطيور التم التي تغريدها قبيل موتها. (يتبع) كمال دسوقي المدرس بالمنصورة الثانوية

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢