الاهتمام بالتراث ليس مجرد تعبير عن فضول علمي؛ إنه الطريق أيضاً إلى المعرفة بالذات

بدأت الحضارة الإسلامية جاعلة من مبادئ ثلاثة المحور الفكري لنظام القيم الذي سعت إلى بنائه، مبدأ العدالة والشورى كقاعدة لعملية اتخاذ القرار السياسي، مبدأ احترام الشخصية الفردية بوصف كونها قيمة إنسانية كجوهر لطبيعة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم

ومما لا شك فيه أن حقيقة الآيات القرآنية في دلالتها الخفية، في أسلوب نزولها، في التطورات المتعاقبة لتعاليمها خلال فترة الرسول، إنما تعلن بصراحة ووضوح عن أن تلك الآيات ما هي إلا نداء حركي في أنقى ما تعنيه هذه الكلمة من خصائص

الفكر الإسلامي يستطيع أن يقدم للتنظير السياسي أكثر من وظيفة واحدة في عالمنا المعاصر

والواقع أن التاريخ بصفة عامة هو أحد مصادر التحليل العلمي لظاهرة السلطة، إن المعمل بمعنى اقتطاع الخبرة وإخضاعها للتحليل المباشر الذي أساسه التحكم في تطور الظاهرة لا تسمح به طبيعة الظاهرة السياسية، ومن ثم فليس أمامنا بديل للتحليل المعملي سوى التاريخ حيث يصير حقلاً للتجارب والملاحظات والمشاهدة

تاريخ الفكر السياسي هو المنطلق الأول لبناء نماذج الخبرة التاريخية التي تصير بدورها البديل والمكمل للبحث العلمي في نطاق علم السياسي التجريبي

مفهوم التنوع الطبقي بمعنى التدرج التصاعدي لم تعرف التقاليد الإسلامية إن التمييز بين الحاكم والمحكوم هو تمييز وظيفي لا ينبع لا من متغير الانتماء ولا من متغير الاستمرارية الوراثية

خلال فترة طويلة من حياتي عايشت أئمة الفقه وقادة الفكر وعلماء تلك الحضارة، وتنقلت من مالك، وأحمد بن حنبل، وزملائه إلى البيروني، والخوارزمي، وتفاعلت مع ابن خلدون أتابعه في مراحل حياته ولم أترك نصاً سوياً إلا وقد أحلته إلى حقيقة ديناميكية أعاشرها وتعايشني

إن العلاقة الوثيقة الثابتة بين الإسلام والعروبة تفرض علينا منذ البداية أن نؤكد ذلك الاقتناع بأنه لا عروبة دون إسلام، ولا إسلام دون عروبة

إن فشل جميع الحركات الاجتماعية، واختفاء الفكر السياسي، وسيطرة المفهوم الطبقي، جميعها عناصر متماسكة تعبر عن مفهوم دولة القوة في التاريخ الغربي

منذ أن عدت إلى مدينة آبائي وأجدادي، قضيت خمسة عشر عاماً أنبش في تلك الحضارة التي تعلقت بها، أريد أن أثبت لنفسي أن العاطفة لا موضع لها ولكن هناك التقييم الموضوعي الرصين

الفكر السياسي هو نوع من اللقاء بين ثقافات ثلاث: تاريخ الفلسفة، تاريخ نظم القانون العام، القانون الدستوري المقارن، وبقدر تحقيق توازن بين هذه الثقافات الثلاث -بحيث إن كلا منها يعد محوراً فكرياً ثابتاً للتحليل- بقدر نجاح مؤرخ الفكر السياسي

النظرية السياسية في التقاليد الغربية تدين في أصولها وفي أصالتها للمفاهيم الإسلامية

إن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في التقاليد الإسلامية هي علاقة بين اثنين يقف كل منهما من الآخر موقف مساواة، لا يفصل أياً منها عن الآخر أي عقبات اجتماعية أو نظامية

التراث الإسلامي استطاع أن يؤدي وظيفة خلاقة في التراث الإنساني من خلال مسالك التعامل مع الحضارة الغربية وعلى وجه التحديد في فترة العصور الوسطى

علماء التحليل السياسي في بلادنا يعيشون على قشور الفكر الغربي، ولا يتعدون الفتات الذي يلقى من آن لآخر حول الخبرة العربية، دون أي محاولة جادة للتعمق في هذه الخبرة انطلاقاً من منهاجية علمية معينة وقد سبق وذكرنا كيف أن الفكر الإسلامي لا يزال حتى لحظة كتابة هذه الأسطر مجهولاً في كلية الاقتصاد بجامعة القاهرة

إن جهالة القرن العشرين التي يتصدرها ويحمل لواءها مدعو الثقافة العلمية تأبى علينا أن نعود إلى تقاليدنا وتراثنا، ولكنني سوف أشعلها حرباً بلا هوادة؛ لأنني واثق بأن أمتنا لن تقف على قدميها إن لم تعد إلى تعاليم الآباء تنهل منها رحيق القيم، وقصة البطولة، وعظمة الإنسان المسلم