لكن ما يهمنا في هذا السياق ليس محتوى السياسة النقدية وأدواتها وإنما مدى تأثيرها على البطالة، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح هو: ما مدى تأثير السياسة النقدية الانكماشية على البطالة؟ إن الدول التي تبنت الإصلاحات الاقتصادية عملت على تحرير أسعار الفائدة التي أصبحت تتحدد تبعا لقوى العرض والطلب. ومن الممكن أن ترتفع مع بداية الإصلاحات بسبب زيادة الطلب على الائتمان من قبل المستثمرين ومن ثم زيادة التوظيف من أجل استخدام كافة عناصر الإنتاج بما فيها العمل لزيادة الإنتاج وسد الفجوة بين العرض والطلب على السلع الإنتاجية. ومن ناحية أخرى فإن ارتفاع سعر الفائدة قد يؤثر سلبا على خلق استثمارات جديدة ومنه فرص عمل جديدة، على أن تحرير هذه الأسعار المرتبطة بحرية البنوك في منح الائتمان من الممكن أن تعمل مرة أخرى على زيادة معدلات التوظيف وبالتالي التقليل من البطالة، بالنظر إلى التوقعات المتفائلة لرجال الأعمال في ظل تحرير أسعار السلع والخدمات، وتوقع زيادتها نظرا للفجوة بين العرض والطلب السلعي.
كما أن لجوء الحكومة للاقتراض من سوق النقد المحلي مثل طرح أذونات الخزينة، سوف يؤدي إلى إحجام المستثمرين وأصحاب المدخرات على استثمار أموالهم في مشاريع استثمارية جديدة وسوف يفضلون شراء هذه الأذونات نظرا لأن الربح مضمون ومعفي عائده من الضريبة. وبالتالي تتحول المدخرات لتمويل الاستهلاك الجاري للدولة مما يعني مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على التمويل اللازم لاستثماراته. كما أن ارتباط سعر الصرف بأسعار فائدة مرتفعة من شأنه أن يشجع على تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل مما يرفع حجم الودائع بالعملة الصعبة لدى البنوك المحلية، وكذلك يرتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد المحلي لأي دولة. وقد ينتج عن هذه الحرية في حركة رؤوس الأموال في ظل ثبات نسبي في أسعار الصرف إلى زيادة التوظيف ونقص معدلات البطالة. وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الفائدة التي كانت تحددها الدولة (إداريا) وأسعار الصرف المقومة بأكثر من قيمتها تعتبر من بين العوامل المؤثرة قبل الإصلاحات في تسرب رؤوس الأموال للخارج، بسبب انخفاض العائد الناتج عنها في الداخل مقارنة بالخارج. وبالتالي فإن سياسة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي كان لها أثر كبير في زيادة معدلات البطالة من هذا المنظور.
*سياسة مالية انكماشية: تهدف السياسة المالية الانكماشية إلى السيطرة على عجز ميزانية الدولة عن طريق زيادة الإيرادات أو تخفيض النفقات أو الاثنين معا. وتعتبر أداة الإنفاق العام هي إحدى الأدوات الأساسية المؤثرة في الطلب الفعال وبالتالي لها تأثير مباشر على مستويات التشغيل والدخل الوطني والمستويات العامة للأسعار، ومن الملاحظ أن هذه السياسة تهدف إلى تقليص نسبة العجز في الميزانية العامة للدولة مقارنة بالناتج الداخلي الإجمالي.
... تعتبر السياسة المالية الانكماشية ذات أثر سلبي على الاستثمار، سواء كان ذلك نتيجة تطبيق