فجاء الرد من المدينة: تقدموا عن المدر واجعلوا المزارع من ورائكم، فإن نصركم الله تعالى تقدمتم، وإن كانت الأخرى ترجعون إلى المدر وإلى المزارع وإلى المياه، هذا عمر الذي كان في الجاهلية أعرابيًا، ولا يدري ولا يعرف ما هي الخطط، ولا يعرف إلا الكر والفر، فقد كان هذا الذي تعرفه العرب في تاريخها العسكري فقط، لكن الإيمان غيَّر عمر، فلم يعد عمر ذلك الجاهلي، بل أصبح ذلك الرجل الذي يدير أعظم دولة في عصره بأعظم وأفضل إدارة، وليست القضية هي عسكرية عمر كما يقول البعض، لا، بل القضية هي قضية إيمان يفجر العبقريات، لو أتيت إلى طفل صغير عمره خمس سنوات بالإيمان، لحفظ القرآن، ولعمل الأعاجيب، ولأصبح خطيبًا أو عالمًا وهو دون العشرين؛ كما كان علماء السلف الصالح.
إذًا: السر هو في الإيمان الذي يفجر الطاقات، وليس مجرد العبقرية التي في الأشخاص.
وكتب الله تعالى النصر العظيم في القادسية، وكان عمر رضي الله عنه يخرج إلى ظهر المدينة كل يوم، ويتحرق ويتألم منتظرًا الأخبار، لأنها معركة حاسمة.
بل إن أكثر المسلمين كانوا يختارون قتال الروم، ولا يختارون قتال الفرس؛ لأن قتال الفرس كان أشد، فكانوا يريدون أن يذهبوا إلى مصر والشام ولا يريدون فارس.
وكان عمر رضي الله عنه يخاف عليهم خوفًا شديدًا حتى قال: [[وددت لو أن بيني وبين فارس بحرًا فلا يصلون إلينا ولا نصل إليهم] ] فلما كتب الله النصر، أرسل سعد رسولًا من عنده، وذهب يحث الناقة ويطوي القفار؛ ليبشر المسلمين بالنصر