ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [1] ، وقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [2] ، فليس المقصود هنا التفضيل على شيء معين، بل المراد من كل ذلك الزيادة في الحسن، (( ولا يمتنع تقدير مفضل عليه كأن تقول: وجادلهم بالتي هي أحسن من غيرها ونحو ذلك ) ) [3] .
وقد يخرج أفعل التفضيل عن بابها في الأفضلية إلى التفضيل عند تأويل أفعل التفضيل لعدم وجود مفضل عليه، ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [4] ، فقد ذكر أبو حيان فيها ثلاثة أقوال هي [5] :
1)إن (أعظم) تبقى على بابها من التفضيل، على تقدير اعتقاد المشركين بأن في سقايتهم وعمارتهم فضيلة فخوطبوا على اعتقادهم، وبذلك فإن المفضَّل هم المجاهدون المؤمنون والمفضل عليه المشركون.
2)إن (أعظم) تبقى على بابها من التفضيل، ولكن التقدير يكون: أعظم درجة من الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا، وفي هذه الحالة نجد أن جهة المفضل عليه تغيرت ففي الأولى كان المشركون هم المقصودين وفي الثانية أصبح المؤمنون الذين لم يهاجروا هم المفضَّل عليهم.
3) (أعظم) ليست على بابها، بل هي كقوله: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [6] ، وقول حسان: (فشرّكما لخيركما الفداء) ، وكأنه قيل: عظيمون درجة، أي: أنه لا يوجد مفضل عليه وإنما هي استعملت للتفضيل لا للأفضلية.
(1) سورة الإسراء، الآية: 34.
(2) سورة النحل، الآية: 125.
(3) معاني النحو، فاضل صالح السامرائي: 4/ 685.
(4) سورة التوبة، الآية: 20.
(5) البحر المحيط: 5/ 22 - 23.
(6) سورة الفرقان، الآية: 24