وتأمل: قصة حاطب بن أبي بلتعه، وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه: أنه كتب بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيره لجهادهم، ليتخذ بذلك يدًا عندهم، تحمي أهله، وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطى الكتاب: ظعينة، جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا، والزبير، في طلب الظعينة، وأخبرهما، أنهما يجدانها في روضة: خاخ، فكان ذلك، وتهدداها، حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فدعا حاطب بن أبي بلتعة، فقال له:"ما هذا"؟ فقال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا
(ص473) رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد، أحمي بها أهلي، ومالي، فقال صلى الله عليه وسلم:"صدقكم، خلوا سبيله"واستأذن عمر، في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال:"وما يدريك، أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"وأنزل الله في ذلك، صدر سورة الممتحنة، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) الآيات .
فدخل حاطب في المخاطبة، باسم الإيمان، ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب، الدال على إرادته، معه أن في الآية الكريمة، ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك، قد ضل سواء السبيل، لكن قوله:"صدقكم، خلوا سبيله"ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، وإذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك، ولا مرتاب ؛ وإنما فعل ذلك، لغرض دنيوي، ولو كفر، لما قال: خلوا سبيله .