وفي نفس المعنى وإلزامهم بإبطال المعجزات يقول الإمام ابن تيمية: « ليس من شرط دلائل البنوة لا اقترانه بدعوى النبوة, ولا احتجاج به, ولا التحدي بالمثل, ولا تقريع من يخالفه، بل كل هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية، بل هذا إبطال لأكثر آيات الأنبياء لخلوها عن هذا الشرط » (1) .
وأما الأصل الثالث الذي عليه منهج الأشاعرة في تقرير دلالة المعجزة على النبوة فهو ما ادعوه من أن الساحر إذا ادعى النبوة أو عارض نبيا فلابد أن يسلب القدرة على السحر، لأن السحر عندهم خارق للعادة، واقترانه بدعوى النبوة يقتضي على أصولهم أن يكون من قبيل المعجزات, فيحصل اللبس بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب.
والحقيقة أن القول بأن معجزات الأنبياء لابد أن تسلم من المعارضة أصل صحيح في ذاته، بل لا تكون المعجزة معجزة إلا بذلك، إذ لابد أن يتميز الأنبياء عن غيرهم فيما يتعلق بأمر المعجزة، باستحالة حصولها لغيرهم.
ويستند هذا الأصل إلى ما سبق من أن من شرط المعجزة أن تكون خارقة للسنن الكونية الجارية، فالمعجزات لا تحصل من جهة قدرة الأنبياء عليها, لأن قدرتهم لا يمكن أن تجاوز السنن الجارية، وإنما هي محض تأييد من الله تعالى لهم.
لكن الأشاعرة لا يوافقون على هذا الأساس في وجه تميز المعجزة, ولا يفرقون بين ما يكون خارقا للسنن الكونية وما ليس بخارق لها، لأنهم ينفون السببية وخواص الأشياء، ويقولون تبعا لذلك إن الخوارق جنس واحد، لا اختلاف بين آحاده بالنظر إلى حقيقة كل منها, فيلزم أن تكون معجزة النبي عندهم مساوية لما يفعله الساحر, وهذا قد سبق بيانه.
وهنا حصل لهم الإشكال إذ كيف تسلم دلالة المعجزة من المعارضة مع كون ما يساويها في الحقيقة وهو السحر يمكن أن يفعله الساحر؟
(1) ... النبوات. لابن تيمية: (1/604) .