وفي نفس المعنى يقول الإمام ابن تيمية: « إن عامة معجزات الرسول لم يكن يتحدى بها, ويقول ائتوا بمثلها, والقرآن إنما تحداهم لما قالوا إنه افتراه, ولم يتحداهم به ابتداء, وسائر المعجزات لم يتحد بها, وليس فيما نقل تحد إلا بالقرآن، لكن قد علم أنهم لا يأتون بمثل آيات الأنبياء, فهذا لازم لها, لكن ليس من شرط ذلك أن يقارن خبره » (1) .
وإذا علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتحدى بالمعجزات ابتداء، بل أكثر المعجزات لا يشهدها إلا الصحابة, ولا يمكن في حقهم التحدي بتلك المعجزات, بل هم مؤمنون به وإن لم يشهدوها، فعلم أن ما شرطوه من اقتران التحدي ودعوى النبوة لا أصل له، بل يلزم القدح في تلك المعجزات، لعدم تحقق ما شرطوه فيها.
وفي بيان هذا اللازم يقول الإمام ابن حزم: « إنه لو كان ما قالوا لسقطت أكثر آيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كنبعان الماء من بين أصابعه, وإطعامه المئين والعشرات من صاع شعير وعناق، ومرة أخرى من كسر ملفوفة في خمار، وكتفله في العين فجاشت بماء غزير، إلى اليوم، وحنين الجذع، وتكليم الذراع, وشكوى البعير والذئب والإخبار بالغيوب، وتمر جابر، وسائر معجزاته العظام، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتحد بذلك كله أحدا، ولا عمله إلا بحضرة أهل اليقين من أصحابه رضي الله عنهم، ولم يبق له آية حاشا القرآن, ودعاء اليهود إلى تمني الموت, وشق القمر فقط، وكفى نحسا بقول أدى إلى مثل هذا، فإن ادعوا أنه - عليه السلام - تحدى بها من حضر وغاب كذبوا واخترعوا هذه الدعوى, لأنه لم يأت في شيء من تلك الأخبار أنه تحدى بها أحدا, وإن تمادوا على أن كل هذه ليست معجزات ولا آيات أكذبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله إذ فعل ذلك أشهد أني رسول الله » (2) .
(1) ... النبوات. لابن تيمية: (2/794) .
(2) ... الفصل في الملل والأهواء والنحل. لابن حزم: (5/7) .