والحقيقة أن ما ذكره الأشاعرة هنا من الاستدلال على النبوة بدعوى النبوة مناقض لمنهج الاستدلال، وغايته أن يكون الدليل هو المدلول، إذ كيف يكون الدليل الذي هو هنا دعوى النبوة المقارن للمعجزة دليلا على النبوة، وكما يقول الإمام ابن تيمية فإن « دعوى النبوة هو الذي تقام عليه البينة, والذي تقام عليه الحجة ليس هو جزءًا من الحجة » (1) , « وهؤلاء قالوا: لا يكون دليل النبوة دليلا إلا إذا استدل به النبي حين ادعى النبوة، فجعل نفس دعواه، واستدلاله، والمطالبة بالمعارضة، وتقريعهم بالعجز عنها، كلها جزءًا من الدليل، وهذا غلط عظيم، بل السكوت عن هذه الأمور أبلغ في الدلالة، والنطق بها لا يقوي الدليل، والله تعالى لم يقل ( - قرآن كريم ( - ( - - عليه السلام - - ( - - ( - { - ( - - رضي الله عنه -( - (( ( - ( - ( الله ( } تم بحمد الله ( [الطور:34] إلا حين قالوا افتراه, لم يجعل هذا القول شرطا في الدليل، بل نفس عجزهم عن المعارضة هو من تمام الدليل » (2) .
ومع مخالفة ما اشترطه الأشاعرة من التحدي بالمعجزة لثبوت دلالتها لمنهج الاستدلال، فإن ما ذكروه مخالف لواقع الحال، وما هو معلوم بالضرورة من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لم يكن يتحدى بالمعجزات ابتداء، فهذا الشرط إنما التزموا به لأن منهجهم يقتضيه، لا لأن الأمر كذلك, وليس لهم في إثباته وحصوله من النبي - صلى الله عليه وسلم - على الوجه الذي اشترطوه دليل.
وفي تقرير هذا المعنى يقول الإمام ابن حزم: « إن اشتراط التحدي في كون آية النبي آية دعوى كاذبة، سخيفة، لا دليل على صحتها، لا من قرآن, ولا سنة صحيحة ولا سقيمة, ولا من إجماع, ولا من قول صاحب, ولا من حجة عقل, ولا قال بهذا أحد قط قبل هذه الفرقة الضعيفة » (3) .
(1) ... المرجع السابق: (1/ 542) .
(2) ... النبوات. لابن تيمية: (1/ 605) .
(3) ... الفصل في الملل والأهواء والنحل. لابن حزم: (5/7) .