الصفحة 29 من 42

وفي تقرير وجه اشتراط التحدي بالمعجزة لتكون دالة على النبوة يقول الباقلاني: « وأما ما يدل على أنه لا يكون معجزا إلا إذا فعل عند احتجاج الرسول به لصدقه وتحديه بمثله، فهو أنه قد ثبت أن ليس بمعجز لجنسه, وأن الله عز وجل لو ابتدأ بفعله- نحو أن يحي ميتا ويطلع الشمس من مغربها ويزلزل الأرض ويظلنا بالسحاب- لا عند دعوى أحد للرسالة، وكون ذلك آية له، لم يكن ما يفعله الله سبحانه من ذلك معجزا، وإن كان من جنس المعجزفهذا من أقوى الأدلة وأصحها على أن المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثه، وإنما يصير معجزا للوجوه التي ذكرناها ومنها التحدي والاحتجاج » (1) .

وهذا الشرط هو فرع التسوية بين الخوارق ولازم لها، فإن المعجزة إذا كانت من جملة الخوارق، والخوارق عندهم جنس واحد، لا تختلف آحاده بالنظر إلى حقيقة كل منها، فلابد إذا لم تتميز المعجزة لذاتها ألا تكون دليلا لذاتها، بل لابد أن تكون دلالتها مشروطة باعتبارات خارجة عن حقيقتها، ولأجل ذلك ذكروا التحدي بالمعجزة ودعوى النبوة، لكونها لازمة للمعجزة لأن المعجزة لا تكون إلا لنبي.

وفي تقرير هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية: « والذين قالوا إن شرط الآيات أن تقارن دعوى النبوة غلطوا غلطا عظيما، وسبب غلطهم أنهم لم يعرفوا ما يخص بالآيات, ولم يضبطوا خارق العادة بضابط يميز بينها وبين غيرها، بل جعلوا ما للسحرة والكهان هو أيضا من آيات الأنبياء، إذا اقترن بدعوى النبوة، ولم يعارضه معارض، وجعلوا عدم المعارض هو الفارق بين النبي وغيره، وجعلوا دعواه جزءًا من الآية, فقالوا: هذا الخارق إن وجد مع دعوى النبوة كان معجزة، وإن وجد بدون دعوى النبوة لم يكن معجزة، فاحتاجوا لذلك أن يجعلوه مقارنا للدعوى » (2) .

(1) ... البيان. للباقلاني: ص (47- 48) .

(2) ... النبوات. لابن تيمية: (2/ 853- 854) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت