وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره .. وجملة ما نفهمه من ذلك أن مسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات .
ولا بد أن تمتزج هذه الصلة بالوعى والشعور متى كان الموجود من أصحاب الوعى والشعور . ومن العجيب أن يعرف العلماء شيئا يسمى الغريزة النوعية . بل شيئا يسمى غريزة الكونية , أو ما شاءوا من الأسماء .. فمن المحقق فمن المحقق ان الصلة بين الكون وموجوداته ماثلة في جميع الموجودات . ومن المحقق أن الوعى لا يخلو من ترجمان لهذه الصلة لا يحصره العقل . لأنه سابق له محيط به غالب عليه .. ومن المحقق أن الوعى الكونى ملكة قابلة للترقى والإتساع , لأن الحقائق التى تقبل الفهم في الكون لا تزال على اتساع وارتفاع يفوقان كل وعى ترقى إليه بنو الإنسان .. بل هذه الحواس الجسدية ـ ودع عنك الحقائق المادية ـ لا تحيط بكل ما تحسه العيون والأنوف والآذان , فبعض الحيوان يستنشىء الرائحة على بعد أميال وهى كالعدم في أنف حيوان آخر ولو كانت منه على مدى قراريط . وبعض الأصوات تلتقطها من وراء البحار والقفار وقد كان الظن قبل العصر الحاضر أن الصوت ( عدم) على مد البصر القريب . ومن زعم أن الموجود هو ما تناوله الحس دون غيره كذبه الحس نفسه وقامت عليه الحجة من العيون والأنوف والآذان , فضلا عن البصائر والعقول .
ففى الكون مجال للوعى الكونى أوسع من مجال الحواس والملكات وما دامت الصلة بين الإنسان وبين الكون قائمة فلابد من دخولها في نطاق وعيه على مثال من الأمثلة ولا موجب لوقوفها دون غاية من الغايات التى تطيقها ملكات الجنس البشرى, ومنها ملكة الإعتقاد والإيمان .
وفى الكون العظيم حقائق لم تقابلها الحواس الجسدية ولا الحواس النفسية كل المقابلة إلى الآن. .
أطوار العقيدة الالهية