إن هذه الاستناجات ليست استنتاجات نظرية بحتة بل يشهد لها واقع المسلمين اليوم وسوف نرى في الفصول القادمة حجم الخلافات التي وقعت بين الوهابية وخصومها في هذه القضايا، وسنرى كيف انعكس ذلك على علاقات في المجتمعات الإسلامية من الناحية الدينية الاعتقادية والاجتماعية.
الأصل الثالث من أصول التوحيد: توحيد الذات والاسماء والصفات، هذا هو النوع الثالث من انواع التوحيد التي ذكرها محمد بن عبد الوهاب، ويسمى أحيانا، بتوحيد الاسماء والصفات، أو توحيد الصفات، وقد رأى محمد بن عبد الوهاب أن هذا التوحيد يظهر من قول الله تعالى"ولله اسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في اسمائه سيجزون ما كانوا يعملون" [1] ، وقوله تعالى"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [2] ، وقد ذكر ابن تيمية هذه الادلة وغيرها بما يتعلق بمسألة الصفات في كتابه -العقيدة الواسطية [3] ، وأكد أنه لا يجوز العدول عن الايمان بما وصف الله نفسه به، وينبغي أن نشير هنا إلى أنه لا خلاف بين المسلمين في أن الله تعالى يتصف بهذه الصفات التي ذكرتها النصوص، وكلهم يتفقون بان الله تعالى قادر، عالم، سميع، بصير، مريد .. الخ، وانما الخلاف في أن هذه الصفات غير الذات لها وجود أو كينونة غيرها، ام أنها عين الذات، فذهب الاشاعرة والفقهاء والمحدثون إلى الرأي الأول وقال المعتزلة والماتريدية بالرأي الثاني [4] ، والمعتزلة هم أول من أثار هذه القضية في الاسلام، فعبارة"صفات الله"لم تذكر في القرآن ولا في الحديث ولم يقلها أحد من الصحابة والتابعين، حتى جاء المعتزلة ووضعوا هذه المسالة على هذا الوضع [5] ، فلما اشتد النزاع بين المعتزلة وخصومهم من المحدثين والفقهاء والأشاعرة ظهر الرأي القائل بوجوب اقرار هذه الصفات واثباتها كما هي من غير تأويل [6] ، وهو الرأي الذي تمسك به ابن تيمية وتابعه في ذلك ابن عبد الوهاب، والجدير بالملاحظة أن هذا الخلاف في الصفات اتخذ شكلا غير الذي كان عليه إبان ظهوره بين المعتزلة وخصومهم، فقد كان الخلاف في ذلك الوقت منحصرا في اثبات هذه الصفات على ظاهرها أو تأويلها بما يتفق والذات
(1) الأعراف:180
(2) الشورى:11، وأنظر عبد الرحمن بن قاسم، الدرر السنية، ج2 ص 35
(3) محمد خليل هرّاس، شرح العقيدة الواسطية للشيخ الاسلام ابن تيمة، عبدالرزاق عفيفي، ط. الثامنة، الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، مركز شؤون الدعوة، السعودية، ص32.
(4) محمد ابو زهرة، تاريخ المذاهب الاسلامية،183، مذهب الاشاعرة أن صفات الذات ليست بغير الذات ولا بعين الذات، والمقصود بالغير هنا هو الغير المنفك، وبذلك تكون غير الذات، فحقيقتها غير حقيقة الذات ولكنها ليست منفكة عنها. أنظر شرح تحفة المريد، جوهرة التوحيد، للشيخ ابراهيم البيجوري، دار الكتب الحديثة، القاهرة
(5) أحمد أمين، زعماء الاصلاح، ج3 ص29
(6) الاشعري، ابي الحسن علي بن اسماعيل الاشعري، الابانة عن أصول الديانة، دار الطباعة المنيرية 1348هـ/1928م ص54، استعمل الاشعري كلمة (ثبت او نثبت) وغيرها بمعنى نقر ونعتقد وليس كما اصطلحها المتاخرون بمعنى اثبات الصفات لله بمعانيها الظاهرة، انظر (الابانة عن أصول الديانة للامام الاشعري، ص 53 - 54) ولذلك يؤول هذه الصفات عند الأشاعرة بينما يثبتها السلفيون، مما يدل دلالة قاطعة أن الامام الأشعري لم يقصد الاثبات بالمعنى الذي يدل عليه اليوم، وهو اجراء جميع الصفات على ظاهرها واثباتها لله.