الصفحة 39 من 112

منهجه في تجريد التوحيد نحو تحليل عناصره، كما يظهر في كتاب التوحيد الذي ألّفه وفي بعض رسائله وقد لا حظ ذلك الاخ أحمد بهجت إذ يقول في كتابه"الله في العقيدة الاسلامية"،"لقد راينا كيف تناول العالم المجدد محمد بن عبد الوهاب، قضية التوحيد ومشكلة الشرك كرجل من رجال الدين، وقام منهجه في تناولها على سرد التفاصيل والجزيئات وكان نزوعه واضحا في تجزئة المشكلة إلى ذرات يتناولها ذرة بعد ذرة" [1]

لقد جعل ابن تيمية فروعا لكلمة التوحيد كما مر بنا ثم أخذ ابن عبد الوهاب هذه الفروع وحللها إلى اجزاء وجزيئات ونتج عن ذلك أمرين هامين هما:

1 -اتساع دائرة التوحيد، بحيث يدخل فيه كل تصرفات الانسان الدينية، فقد جعل ابن عبد الوهاب مسالة، ترك الرقية والكَيّ من تحقيق التوحيد [2] ، وجعل الخوف والرياء والرقي وتعليق التمائم من الشركيات، بينما كان القدماء من المتكلمين وغيرهم ينزعون إلى تبسيط التوحيد وحصره في المجال النظري الاعتقادي.

2 -والامر الثاني الذي نتج من هذا التحليل والتفريع هو أن بعض المفكرين تاثروا بهذا المنهج الذي سلكه ابن تيمية وابن عبد الوهاب، فظهر فيما بعد من يقسم التوحيد إلى أربعة أنواع أو سبعة [3] ، فترتب على ذلك مشقة كبيرة لتحقيق كل هذه الانواع من التوحيد، وربما يكون لهذا التفريع والتحليل لقضية التوحيد فوائد، وربما أمكن لهذا التحليل أن يقرب المسافة بين المستوى النظري والعملي لتصور التوحيد لدى المجتمع الاسلامي، ولكن من الواضح أن هؤلاء الدارسين لم يحسبوا حسابا لهذه المشكلات التي نجمت عن هذا المنهج التحليلي، فمن البين بنفسه، أنه كلما اتسعت دائرة التقسيمات والتحليلات كلما قل الداخلون فيها وكثر الخارجون منها، إذ انه ليس من السهل تحقيق كل هذه الشروط، فالتوحيد لا يقبل الا إذا كان كاملا، فلا يوجد في الاسلام شيء اسمه"نصف توحيد"، وقد نشأ عن هذه التحليلات مشكلة أخرى وهي الخلافات التي وقعت بين الفرق والجماعات الاسلامية في تفسير التوحيد، وكلما كثرت هذه التفسيرات كلما زاد الاختلاف حول هذه التفسيرات، اضف إلى ذلك ان هذا الامر فتح بابا واسعا لتكفير الناس أو اخراجهم من دائرة التوحيد، فقد تأول بعض الشباب اقوال ابن عبد الوهاب وسيد قطب، فاخرجوا من دائرة الاسلام كل من يخالف فهمهم لكلمة التوحيد، كما هو حال جماعة التكفير في مصر، فإذا كنا نعتقد أن تعليق التمائم شرك، فمن المعلوم أن هذا الاعتقاد يجرنا إلى القول أو الاعتقاد بأن كل من يعلق التمائم مشرك في عقيدته.

(1) أحمد بهجت، الله في العقيدة الاسلامية رسالة جديدة في التوحيد, القاهرة الطبعة الثانية مركز الاهرام 1986م. ص 178

(2) محمد بن عبدالوهاب، كتاب التوحيد طبعة جدة. ص37

(3) زاد سيد قطب على الانواع الثلاثة أولى التي ذكرها ابن عبدالوهاب نوعا رابعا وهو توحيد القوامة، وذكر جعفر سبحاني سبعة أنواع من التوحيدات، أنظر كتاب التوحيد والشرك في القرآن مؤسسة الفكر الاسلامي ط. الثانية 1406هـ/1986م للشيخ جعفر السبحاني، و مقدمة أحمد بهجت في كتابه، الله في العقيدة الاسلامية ص12، ومعالم في الطريق، الطبعة الشرعية، بيروت دار الشروق 1983م لسيد قطب ص54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت