فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 145

وما أتى به بعض المؤلفين من التفريق بين العرب والبربر في الاستعداد للتمدن

فيستند إلى ملاحظات سطحية لا يعتمد عليها في الوقت الحاضر، فبين البربر - كما قلت

-أهل حضر وأهل بدو كما بين العرب، وبما أن طراز المعايش يكون بحسب البيئة

يصدر ذانك الطرزان عن طبيعة الأرض لا عن العرق، ففي الصحاري الكثيرة الرمال

نرى العرب والبربر أهل بدو، وفي البقاع المخصبة نراهم أهل حضر، ولا فرق بين عرب

الجزائر وبين عرب مصر وسورية وجزيرة العرب من هذه الجهة.

ولا أرى أي الرجلين يفوق الثاني في الرقي العقلي: العرب الحضري أم البربري

الحضري، ولو اقتضى أن نميل إلى أحدهما لملنا إلى العربي ذي الحضارة الرفيعة في

التاريخ لا إلى البربري الذي لم تتفق له سوى حضارة ابتدائية. 3

وأهم إصلاح يراه الموسيو (لروا بوليوهو) تحريم تعدد الزوجات، وقد أسهب في

بيان فوائد الاقتصار على زوجة واحدة فقال: «إن تدبير المنزل يقوم على الزوجة الواحدة

فقط، فبتعدد الزوجات تزول روح العائلة وهناء البيت وينحط المجتمع العربي».

ولا أريد أن أبين هنا الأسباب التي جعلت الشرقيين يقولون بتعدد الزوجات وأن

أذكر أن تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين خير من تعدد الزوجات الخبيث المؤدي

إلى زيادة اللقطاء في أوربا، فعلى القارئ أن يطالع كتابي «حضارة العرب» ، ففيه يجد

إيضاحًا كافيًا لهذه المسائل وغيرها، ويرى أنه ظهر أيام سلطان العرب نساء فاضلات

عالمات، كما يظهر عندنا في هذه الأزمنة.

وقد ثبت في أيامنا أن توقف المسلمين لم ينشأ عن تعدد الزوجات، وهل من

الضروري أن أذكر أن العرب وحدهم هم الذين أطلعونا على العالم الإغريقي الروماني،

وأن جامعات أوربا - منها جامعة باريس - لم تعرف في ستة قرون لها موردًا علميٍّا

غير مؤلفات العرب وتطبيق مناهجهم؟ فحضارة العرب هي إحدى الحضارات التي لم

يعرف التاريخ ما هو أكثر منها نضارة، ولا ننكر أنها ماتت ككثير من أخواتها، غير أننا

نرى من السذاجة أن نعزو إلى مبدأ تعدد الزوجات نتائج صادرة عن عوامل أكثر أهمية.

ولا ندرك السبب في حقد ذلك الأستاذ الفاضل على مبدأ تعدد الزوجات، وهو الذي

يخبرنا باقتصاره على عائلات العرب المثرية، وبأن ظله يتقلص بالتدريج، وإذا كان

الرجوع إليه نادرًا، فلماذا يراد إلغاؤه وكيف يكون من الأسباب الكبيرة» في انحطاط

المجتمع العربي؟ «

ويعد المسيو (لروا بوليو) تربيتنا اللاتينية من أحسن الوسائل للتأثير في العرب، وقد

بقيت من أنصار هذا الرأي حتى جعلتني سياحاتي العديدة وتأملاتي الكثيرة أضرب به

عرض الحائط، ومع أنني لا آمل أن أبدل عقيدة أحد من قراء كتابي أرى من الصواب أن

أقول رأيي في الموضوع لأهميته وسأشرحه في فصل آتٍ، فهنالك يرى القارئ أن التربية

الأوربية بدلًا من أن تحسن أحوال أبناء المستعمرات تزيد شقاءهم الأدبي والمادي.

ولا يتعذر علينا إدراك الأسباب النفسية لتأثير التربية الأوربية المحزن في الشعوب

المتأخرة، أو التي تختلف عن شعوب أوربا اختلافًا تامٍّا، فهذه التربية التي لاءمت

مشاعرنا واحتياجاتنا بعد تحولات استمرت قرونًا كثيرة لا تناسب مشاعر واحتياجات

تختلف عن تلك، ومن نتائجها الأولى تجريد العرب أو الهند أو أي شرقي بغتة من مبادئه

الموروثة التي تستند إليها نظمه ومعتقداته، أي مقومات حياته، ولو أن حلم الموسيو

(لروا بوليو) وجميع المؤلفين الذين يقولون بترتبية العرب تربية أوربية تحقق لأصبحت

الجزائر بالنسبة إلينا كما كانت البندقية بالنسبة إلى النمسا وكايرلندا بالنسبة إلى إنكلترة

وكالالزاس بالنسبة إلى ألمانيا.

3 البربر دون العرب أخلاقًا، فلقد اشتهروا منذ القرون القديمة بالختر، ولا ريب في أن كثرة عددهم في

جيوش قرطاجة أوجب اشتهار حروب البون بالغدر، وعندما سأل أحد خلفاء بني أمية موسى بن نصير

فاتح إسبانيا العربي عن البربر القاطنين في الأقاليم التي يتألف منها قطر الجزائر الآن، أجابه أنه ليس

من يدانيهم في الخديعة والخيانة ونكث العهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت