ولم يندفعوا في ترويج مبشريهم، ومن يبحث تحت سماء إنكلترة لا يجد محامين يقولون
إنه أجدر بالمستعمرة أن تبيد من أن يبيد أحد المبادئ.
كان على سياستنا أن تسعى في حماية الدين الإسلامي، وأن تستند إلى أصحاب
الطرق عند المسلمين، وأن تقوي علماء المسلمين وشيوخهم بدلًا من أن تناهضهم وتضعف
شأنهم، وقد دل المفوض الفرنسوي الأول في تونس على مقدرته، وعلى معرفته أمور الشرق
عندما كان يدفع بَاي تونس إلى إصدار مراسيم دينية يبرر بها تدابيره في عيون المسلمين،
ولكن ما العمل وقد كافأناه باستعجالنا في عزله من وظيفته.
ومن يود أن يحترم عادات العرب الدينية فليحترم جميع أنظمتهم؛ لأن هذه تشتق
من تلك، ويستهجن الموسيو) لروا بوليو (هذه السياسة التي يسميها» سياسة التمنع «،
ثم يقول: «إن احترام عادات ما يسمونه القومية العربية وتقاليدها وطبائعها يتضمن
ترك جيشنا ومستعمرينا أفريقية.»
ولماذا يؤدي احترام طبائع العرب وعاداتهم إلى انسحاب جيشنا ومستعمرينا؟
فلقد سها ذلك المؤلف أن يجيبنا عن ذلك، وإني لأراه يعجز عن دعم رأيه بسبب
معقول، وأما السياسة التي أناضل عنها فهي السياسة التي يتخذها الإنكليز نحو مسلمي
الهند، ولم يتركوا بها تلك الإمبراطورية العظيمة.
تلائم التدابير التي يشير إليها الموسيو (لروا بوليو) مبادئنا في المساواة العامة، فهي
تقول «بإدغام العنصر العربي في العنصر الأوربي» ، والإدغام عبارة عن «إخضاع جيلين
مختلفين من الآدميين لنظام اقتصادي واحد ونظام اجتماعي واحد وقوانين عامة واحدة
وطرز إنتاج واحد.»
ويرى المؤلف المذكور في سياسة الإدغام بعض الموانع، غير أنه يقتحمها بسهولة،
فهو يزعم» أن البربر لا يختلفون عن الأوربيين إلا بالدين «فيا له من خطأ فاضح!،
ويكون الأمر أقرب إلى الحقيقة إذا قلنا إن الفرق بين الأوربي المتمدن وبين البربري في
هذا الزمن كالفرق بين الغولوي أيام (برينوسوبين) الباريسي في أيامنا.
ولما كان البربر عند الموسيو (لروا بوليو) مماثلين للأوربيين أوصى بحمل عرب
الجزائر وحدهم على التفرنس، ولا يرى صعوبة في ذلك، فهو يقول»: يجب للوصول
إلى هذا الغرض أن نبدل نظام القبيلة والملكية المشتركة وتعدد الزوجات، وما يبقى من
التفرعات فيعالج بتعاقب الزمن «.
وقد بدا للمؤلف المشار إليه أن تحقيق تلك التبدلات - التي تسرالاشتراكيين الخلص
-من الأمور السهلة، وإني بالعكس أعتقد - ككل إنسان درس مزاج العرب النفسي
-أن ذلك التحقيق لا يقل صعوبة عن تحويل زنجي أسترالي إلى أستاذ في كلية فرنسا
(كوليج دو فرانس) أو تعليم الضفادع الطيران.
وليس الموسيو (لروا بوليو) رؤوفًا في حكمه على العرب الذين يظهر أنه يعدهم
جمعًا من الهمج، فنظامهم عنده» كنظام شعوب الرعاة الأقدمين، «ويعتقد أن العرب
سكان بدو وأن البربر سكان حضر، وقد ضل في اعتقاده؛ فكلا الشعبين في الحقيقة أهل
بدو وأهل حضر، ومن يقرأ ما كتبه ابن خلدون في القرن الرابع عشر يعلم أن تقسيم
البربر إلى أهل بدو وأهل حضر لا يختص بزماننا. 2
2 قال ابن خلدون عندما بحث في البربر»:هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم، ملأوا البسائط
والجبال من تلوله وأريافه وضواحيه وأمصاره، ويتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخوص
والشجر ومن الشعر والوبر، ويظعن أهل العز منهم والغلبة لانتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة لا
يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفار الأملس، ومكاسبهم الشاء والبقر، والخيل في الغالب للركوب
والنتاج، وربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم. شأن العرب ومعاش المستضعفين منهم بالفلح
ودواجن السائمة، ومعاش المعتزين أهل الانتجاع والإظعان في نتاج الإبل وظلال الرماح وقطع السابلة