فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 145

يثبت لنا إمكان سقوط الحكومة بغتة، وقد يتم هذا السقوط على وجه أبسط بفعل بعض

التدابير الاشتراعية، فعند المؤلف المشار إليه، «يكفي قرار اشتراعي كقرار سنة 1790

أو إسقاط البرلمان من قبل الشعب لنزع أموال الطبقة الوسطى ومعاملتها بما عومل به

الإكليروس والأشراف أيام الثورة الفرنسوية، والجمعيات اليسوعية في السنين الأخيرة.»

ويظهر أن نفحة جنون أعمت بصائر أبناء الطبقة الوسطى في أيامنا، فإنك تراهم

يكدحون في تقويض أركان المجتمع الذي يحميهم ولا سيما ركن المالية وركن الجيش،

أي إنهم يضعضعون بالتدريج كل نظام ويستحسنون أسوأ التدابير المالية والعسكرية

التي يقترحها الاشتراكيون غير عالمين أن انتصار الاشتراكية يؤدي إلى استبداد أشد من

استبداد الملوك.

إذًا أبناء الطبقة الوسطى واهمون لاتباعهم التيار الذي يدفعهم، والذي يقدرون على

تحويل وجهته إن لم يستطيعوا منعه، وهم قد فقدوا كل شعور بأفضليتهم وقدرتهم

وقيمتهم، وصاروا لا يدركون أن المجتمع لا يعيش من غير نظام وتقاليد وسلسلة مراتب،

وبما يجهلونه على الخصوص هو فن مخاطبة الجماعات وحقيقة روحها البسيطة، وأن

خيال العامل هو أنه مستثمر من قبل رب العمل، وأن على الحكومة أن تزيد أجرته.

قال الموسيو (بوردو) : «ليس للجماعات رأي خاص صريح، فهي تشاطر رأي

الخطيب الذي يخطب أمامها، سواء أجمهوريٍّا كان أم إكليروسيٍّا أم وطنيٍّا أم دستوريٍّا

أم نقابيٍّا ثوريٍّا».

حقٍّا تنظر الجماعات إلى الأمور بحسب ما يؤثر الخطباء فيها، وهي لا تنظر إلى

ما يقيمونه من الأدلة والبراهين، بل تتحزب كالنساء للأشخاص دون أن تعي ما يجيء

في خطبهم، وهي تسلم بجميع الحقائق إذا كان قائلها يروقها، والخطيب يروقها إذا

كان متحمسًا نشيطًا، فقد شوهد في إحدى مديريات الشمال التي تعد حصن الاشتراكية

المنيع مرشحًا محافظًا انتخب نائبًا عنها مكان رئيس كبير للاشتراكية، لا بما أدلى به من

المعقولات، بل لأنه عرف كيف يحبب نفسه إلى الجماعات، ويجعلها ترى فيه السيد الذي

تبحث عنه على الدوام.

والجماعات على رغم غرائزها الثورية الظاهرية لا ترى إلا أن تطيع، والتاريخ

حافل بما يؤيد ذلك، فأشد العمال عنفًا يخضعون غير مجادلين لأوامر اللجان الثورية

فيعتصبون دون أن يفكروا ولو قليلًا في نتائج الاعتصاب، وما كان لويس الرابع عشر أو

بوناپارت ليجسر على إصدار أوامر جائرة كالتي تصدرها تلك اللجان الغامض أمرها.

ذكاء كثير من الاشتراكيين يمنعهم من الاعتماد على مبادئهم عندما يصلون إلى دائرة

السلطة، فهم لانتسابهم وقتئذ إلى الطبقة الوسطى يطلعون على ما فيها من المزايا

والصفات، ومن ذلك قول الوزير الاشتراكي الموسيو (فيفياني»: (يعيش حول الصعاليك

أبناء من الطبقة الوسطى ذوو أعمال ومصالح وعزم ورغبات، ومن قلة الإنصاف

تعريضهم لغضب العمال واستخفافهم، فهم الذين أثبتوا بمن ظهر منهم من المفكرين

والفلاسفة أن ملكوت السماوات وهم «.

ولو لم يبدد أبناء الطبقة الوسطى كثيرًا من الأوهام ما استحقوا هذا الاعتراف، ولا

أعلم عن ملكوت السماوات أوهم هو أم لا، كما أنني أعتقد أن الموسيو (فيفياني) لا يعلم

ذلك أيضًا، ويقوم إنكار ملكوت السماوات على فرضية لا يسلم بها أكثر الفرنسويين،

فعلى الرجل السياسي الحقيقي أن يعرف كيف يحترم جميع المعتقدات، وأن يحكم الأمة

بمبادئها لا بمعتقداته الخاصة، وإذا كانت فرضية ملكوت السماوات لا تزال مشتبهًا

فيها فلم تتم مبتكرات الحضارة إلا بفضل أبناء الطبقة الوسطى، فمن هؤلاء ظهر أرباب

الفن والصناعات والفلاسفة والعلماء في كل زمن.

وقال الموسيو (كليمانسو) في إحدى خطبه: «ليست الديمقراطية حكومة الجموع،

فكل تطور يقع في المجتمع يكون بجهود المفكرين الشخصية، ولا يكون الرقي إلا بملاءمة

الجموع أفكارًا اختبر صحتها بعض أولي العبقرية».

ولا تقل إن هذه الحقائق مبتذلة معروفة لدى الناس جميعهم، فرجال السياسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت